ملخص
استند الغيص في دفاعه عن المنتجين الخليجيين إلى استمرارهم في تزويد الأسواق بالنفط الخام والمنتجات المكررة خلال أزمات إقليمية ودولية متعاقبة، شملت بعض أكثر الفترات اضطراباً خلال القرنين الـ20 والـ21.
رفض الأمين العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، هيثم الغيص التشكيك في موثوقية منتجي النفط الخليجيين، معتبراً أن الاضطراب الذي أصاب تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز لا يبرر إصدار أحكام عامة تتجاهل سجل المنطقة الممتد على مدى عقود في تزويد الأسواق العالمية بالنفط والمنتجات البترولية.
وقال الغيص، في مقال نشرته المنظمة أمس الجمعة 24 يوليو (تموز)، إن مطالبة مصدري الخليج بـ"استعادة سمعتهم كمصدرين موثوقين" تنطوي على حكم قيمي يفترض أنهم لم يعودوا جديرين بالثقة، على رغم أن الأزمة الراهنة نشأت نتيجة صراع عسكري أثر في حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وليس بسبب إخفاق المنتجين في توفير النفط أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية.
وأضاف أن مثل هذه التصريحات قد تصلح لصناعة عناوين إعلامية لافتة، لكنها لا تقدم، من وجهة نظره، قراءة متوازنة للأداء التاريخي لدول المنطقة أو لطبيعة الاضطراب الذي أصاب منظومة النقل والتجارة العالمية.
وأكد أن "أوبك" لا تقلل من حجم التحديات المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة وضمان انتظام حركة السفن، لكنها ترى أن معالجة هذه التحديات يجب أن تنطلق من الحقائق والسياق التاريخي، وأن تميز بين موثوقية المنتج من جهة، وأمن الطرق التي تنقل إمداداته إلى الأسواق من جهة أخرى.
عقود من الالتزام
استند الغيص في دفاعه عن المنتجين الخليجيين إلى استمرارهم في تزويد الأسواق بالنفط الخام والمنتجات المكررة خلال أزمات إقليمية ودولية متعاقبة، شملت بعض أكثر الفترات اضطراباً خلال القرنين الـ20 والـ21.
وأوضح أن منتجي الخليج ظلوا على مدى عقود من أبرز موردي الطاقة إلى المستهلكين، واستمروا في ضخ الإمدادات على رغم الحروب والتوترات السياسية والأزمات الاقتصادية، وهو ما يجعل تقييم موثوقيتهم استناداً إلى أزمة عسكرية أثرت في طرق الملاحة منفصلاً عن سجل طويل من الالتزام تجاه الأسواق.
ولا يقف هذا السجل عند حجم الصادرات، إذ ترتبط موثوقية المنتج أيضاً بالاستثمارات التي يخصصها للحفاظ على قدرته الإنتاجية، وتطوير وسائل التخزين والنقل والتصدير، والاستعداد للاستجابة عند حدوث نقص أو اضطراب مفاجئ في السوق.
لفت الغيص إلى أن دول الخليج استثمرت مبالغ ضخمة في توسيع قدرات الإنتاج وتطوير المصافي ومحطات التصدير وخطوط الأنابيب ومنشآت التخزين، بهدف تعزيز مرونة الإمدادات وضمان وصول النفط إلى الأسواق العالمية.
واحتفظ بعض المنتجين في المنطقة بطاقة إنتاجية فائضة، تحملوا كلفتها بأنفسهم على رغم عدم استخدامها بصورة دائمة، لتكون متاحة عند وقوع الأزمات أو الحاجة إلى تعويض نقص مفاجئ في المعروض.
ويرى الغيص أن هذه الطاقة أثبتت فائدتها للمستهلكين خلال أزمات سابقة، وساعدت على الحد من الاختلالات في السوق وتقليل حدة الارتفاعات السعرية التي كان يمكن أن تكون أكبر في غياب تلك القدرات.
جاء مقال الغيص رداً على تصريحات أدلى بها المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إلى صحيفة "ذا ناشيونال" في الثامن من يوليو الجاري، قال فيها إن مصدري النفط في الخليج "بحاجة إلى استعادة سمعتهم كمصدرين موثوقين"، بعدما دفع تعطل مضيق هرمز المشترين إلى إعادة تقييم أخطار الاعتماد على إمدادات تمر عبر ممر بحري واحد.
واعتبر بيرول أن أزمة المضيق أحدثت تحولاً في حسابات الدول المستوردة، إذ لم يعد السعر وحده العامل الحاسم في اختيار المورد، بل أصبحت قدرة منظومة الإمدادات على الصمود خلال الأزمات عنصراً مهماً في قرارات الشراء والعقود طويلة الأجل.
وشبه مدير وكالة الطاقة الدولية وضع الثقة في مضيق هرمز بـ"إناء انكسر"، موضحاً أن الإناء قد يعاد لصقه، لكن أثر الكسر سيظل ظاهراً.
وقال إن إغلاق المضيق مرة واحدة يعني، في نظر المشترين، إمكان تعرضه لاضطرابات مجدداً، وهو ما قد يبقى حاضراً في حساباتهم حتى بعد عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها.
ومن هنا يبرز جوهر الخلاف مع "أوبك"، إذ يفصل الغيص بين موثوقية المورد والأخطار الأمنية التي تتعرض لها طرق التجارة، ويرى أن تعطيل ممر بحري بفعل صراع عسكري لا يمكن أن يتحول إلى معيار للحكم على التزام المنتجين الذين استمروا في الإنتاج والسعي إلى إيصال إمداداتهم إلى الأسواق.
نقطة اختناق عالمية
تعكس الأرقام الأهمية الاستثنائية لمضيق هرمز في تجارة الطاقة العالمية، إذ مر عبره خلال عام 2025 نحو 19.87 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية، بما يعادل قرابة 25 في المئة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً.
وتوجه نحو 80 في المئة من هذه الكميات إلى الأسواق الآسيوية، مما يجعل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من بين الاقتصادات الأكثر ارتباطاً باستقرار حركة الملاحة عبر الممر.
وشملت التدفقات نحو 14.95 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات، إضافة إلى 4.93 مليون برميل يومياً من المنتجات البترولية.
واستحوذت السعودية على نحو 6.23 مليون برميل يومياً من إجمال التدفقات العابرة للمضيق، فيما بلغت حصة العراق 3.63 مليون، والإمارات 3.24 مليون، وإيران 2.41 مليون، والكويت 2.37 مليون برميل يومياً.
ولا تقتصر أهمية المضيق على النفط، إذ عبر من خلاله في 2025 ما يزيد قليلاً على 112 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، تمثل نحو 19 في المئة من التجارة العالمية.
ويمر عبر الممر نحو 93 في المئة من صادرات قطر و96 في المئة من صادرات الإمارات من الغاز المسال، مع توجه قرابة 90 في المئة من هذه الشحنات إلى آسيا.
وتوضح هذه الأرقام أن مضيق هرمز ليس مجرد طريق لتصدير إنتاج دولة بعينها، وإنما عقدة رئيسة في منظومة تجارة الطاقة العالمية، مما يجعل أمنه قضية تتجاوز العلاقة الثنائية بين المنتج والمشتري إلى أمن التجارة والملاحة الدوليين.
مرونة في مواجهة الأزمة
عملت دول الخليج خلال الأعوام الماضية على توسيع قدرتها على التعامل مع اضطرابات الممرات البحرية من خلال الاستثمار في خطوط الأنابيب ومرافق التخزين وموانئ التصدير خارج مضيق هرمز.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية الطاقة المتاحة لإعادة توجيه صادرات النفط الخام بعيداً من المضيق بما يتراوح بين 3.5 مليون و5.5 مليون برميل يومياً، عبر خط أنابيب شرق-غرب السعودي الممتد إلى البحر الأحمر، وخط حبشان-الفجيرة الإماراتي.
وتبلغ الطاقة الحالية لخط حبشان-الفجيرة 1.8 مليون برميل يومياً، فيما تصدر الإمارات في الظروف المعتادة قرابة 1.1 مليون برميل يومياً عبره، مما يوفر مساحة لزيادة التدفقات عند تعرض الملاحة في المضيق للاضطراب.
أما منظومة خط شرق-غرب السعودية فتبلغ طاقتها التصميمية نحو خمسة ملايين برميل يومياً، فيما أعلنت "أرامكو" في مارس (آذار) 2025 رفعها إلى 7 ملايين برميل.
وتشير تقديرات الوكالة إلى استخدام نحو مليوني برميل يومياً من طاقة الخط قبل الأزمة، مما وفر قدرة إضافية مهمة يمكن استخدامها وفق ظروف التشغيل وقدرة مرافق التصدير على الساحل الغربي.
وتظهر هذه القدرات أن الاستثمارات الخليجية في خطوط الأنابيب ومرافق التخزين والتصدير البديلة وفرت هامشاً مهماً للتعامل مع واحدة من أكبر الصدمات التي تعرضت لها تجارة الطاقة العالمية.
وفي الوقت ذاته، فإن ضخامة التدفقات المعتادة عبر هرمز تجعل من الصعب على أي بنية تحتية بديلة أن تحل بالكامل محل ممر ينقل نحو 20 مليون برميل يومياً، مما يضع القضية في إطار أمن طرق التجارة العالمية، وليس موثوقية الدول المنتجة.
استجابة المنتجين
أقرت وكالة الطاقة الدولية نفسها بأن كبار المنتجين في المنطقة أظهروا مرونة كبيرة في التعامل مع الإغلاق الفعلي للمضيق، من خلال زيادة استخدام خطوط الأنابيب ومرافق التخزين ومسارات التصدير البديلة.
ورفعت السعودية صادرات الخام عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر من نحو مليوني برميل يومياً قبل اندلاع الصراع إلى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً في أوائل يونيو (حزيران) الماضي، كما عززت عمليات السحب من المخزونات الموجودة خارج البلاد.
واستخدمت الإمارات خط حبشان-الفجيرة ومرافق التخزين وطرق شحن بديلة للحفاظ على جانب كبير من صادراتها، في وقت وفر مجمع "مندوس" للتخزين تحت الأرض، الذي تبلغ طاقته 42 مليون برميل، مرونة إضافية.
وارتفعت صادرات الإمارات الإجمالية من نحو 1.9 مليون برميل يومياً في مارس إلى 4.3 مليون في أوائل يونيو لتصل إلى ما يقارب 85 في المئة من مستوياتها السابقة للحرب.
وتعزز هذه الاستجابة حجة الغيص بأن منتجي الخليج استخدموا ما بنوه على مدى أعوام من خطوط أنابيب ومخزونات ومرافق تصدير بديلة لتقليل أثر الأزمة والمحافظة على أكبر قدر ممكن من الإمدادات، كما تكشف أن التحدي الرئيس خلال الأزمة لم يكن في استعداد المنتجين لتوفير النفط، وإنما في قدرة منظومة النقل العالمية على إيصال كامل التدفقات عندما يتعرض أحد أهم ممراتها البحرية لصراع عسكري.
أكبر اضطراب في الإمدادات
وصفت وكالة الطاقة الدولية شبه إغلاق مضيق هرمز بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط يشهده العالم، بعدما هبطت التدفقات عبر الممر من نحو 20 مليون برميل يومياً قبل الصراع إلى متوسط 2.7 مليون برميل يومياً خلال مارس وأبريل (نيسان) ومايو (أيار).
وتجاوزت الخسائر التراكمية في إمدادات منتجي الشرق الأوسط 1.3 مليار برميل، بينما اضطرت الدول المستهلكة والشركات إلى السحب من المخزونات وتغيير مسارات التجارة وتقليص الاستخدام لمواجهة النقص وارتفاع الأسعار.
ووافقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية في مارس على أكبر عملية سحب جماعي من مخزونات الطوارئ في تاريخها، بواقع 400 مليون برميل، للمساعدة في تعويض نقص الإمدادات وتخفيف الضغوط عن المستهلكين.
وبحلول مايو، كانت هذه العملية تضيف نحو 2.5 مليون برميل يومياً إلى السوق، لكن الوكالة أكدت أن السحب من المخزونات يظل إجراء موقتاً، وأن الحل الأساس يتمثل في إعادة فتح المضيق بصورة كاملة ومنتظمة أمام حركة السفن.
وتدعم الحاجة إلى إعادة فتح هرمز التمييز الذي يطرحه الغيص بين الإنتاج والنقل، إذ إن معالجة الأزمة بصورة مستدامة تعتمد على استعادة أمن الممر البحري، وليس على زيادة الإنتاج وحدها.
تعاف جزئي
أظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية الصادرة في 10 يوليو أن صادرات النفط الخليجية، بما فيها الكميات التي تجاوزت المضيق عبر خطوط الأنابيب والمسارات البديلة، ارتفعت بنحو 6.5 مليون برميل يومياً خلال يونيو إلى 16.1 مليون برميل.
وعلى رغم القفزة الكبيرة، ظلت الصادرات أقل بنحو 7.9 مليون برميل يومياً من متوسطها السابق للحرب البالغ 24 مليون برميل يومياً، في ظل استمرار القيود على حركة الملاحة عبر المضيق.
وارتفع إنتاج النفط العالمي بنحو 4.1 مليون برميل يومياً في يونيو إلى 98.8 مليون، لكنه بقي أقل بـ9.4 مليون برميل يومياً من مستوياته السابقة للصراع.
وتوقعت الوكالة انخفاض الإمدادات العالمية بمتوسط 3.7 مليون برميل يومياً خلال 2026 إلى 102.6 مليون، شريطة احتواء التصعيد واستمرار تحسن حركة الناقلات عبر المضيق.
وكان تعافي صادرات النفط الخام والمكثفات أسرع من المنتجات المكررة والغازات البترولية المسالة، إذ بلغت تدفقات الخام قرابة ثلاثة أرباع مستويات فبراير (شباط)، بينما بقيت صادرات المنتجات في يونيو دون نصف مستوياتها السابقة للحرب.
ويكشف هذا التفاوت طبيعة الأزمة المعقدة، إذ إن استعادة حركة الناقلات تدريجاً لا تعني عودة كامل منظومة الإنتاج والتكرير والتصدير فوراً إلى مستوياتها السابقة، وبخاصة بعد اضطراب استمر أشهراً وأثر في المصافي وسلاسل الإمداد ومرافق التخزين والنقل.
أزمة أمنية لا أزمة التزام
يرى الغيص أن أرقام الأزمة لا تقدم دليلاً على عدم موثوقية المنتجين، بل تعكس حجم الضرر الذي لحق بمنظومة النقل نتيجة صراع عسكري وتعطل ممر بحري لا تتحكم فيه شركات النفط أو وزارات الطاقة وحدها.
وأكد أن الأزمة الحالية تمثل تحدياً لمنظومة أمن الطاقة العالمية بأكملها، وليست دليلاً على أن منتجي الخليج أخفقوا في توفير النفط أو تراجعوا طوعاً عن التزاماتهم التعاقدية.
ومن هذا المنطلق، ينبغي لأي تقييم لأمن الطاقة، بحسب الغيص، أن يركز على الترتيبات الأمنية المحيطة بمضيق هرمز والجهود اللازمة لضمان حرية الملاحة وحماية السفن، بدلاً من مطالبة المنتجين بـ"إصلاح سمعتهم".
فالمنتج قد يمتلك الاحتياطات والطاقة الإنتاجية ومرافق التصدير والطاقة الفائضة، لكن وصول الخام إلى المستهلك النهائي يتطلب كذلك طرق تجارة آمنة تستطيع الناقلات استخدامها.
ومن ثم، فإن أزمة هرمز تطرح سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية بناء منظومة أكثر قدرة على حماية حركة الطاقة العالمية، وليس فقط بكيفية زيادة الإنتاج.
منظور المنتجين
انتقد الغيص ما اعتبره انطلاق تصريحات "بيرول" بصورة شبه كاملة من منظور الدول المستهلكة، من دون إعطاء الوزن الكافي لمصلحة المنتجين وتعرضهم هم أيضاً لخسائر اقتصادية واستثمارية نتيجة توقف الصادرات.
وأشار إلى أن المنتجين لديهم مصلحة جوهرية في استقرار الأسواق واستمرار التدفقات والحفاظ على علاقاتهم التجارية طويلة الأجل، لأن أي اضطراب لا يحرم المستهلكين من الإمدادات فحسب، بل يحرم الدول المصدرة من الإيرادات ويؤثر في خططها الاستثمارية.
وحذر من أن التشكيك العلني في موثوقية منتجي الخليج قد يترك تداعيات عملية على قرارات الاستثمار، في وقت تحتاج صناعة النفط والغاز إلى إنفاق رأسمالي ضخم للحفاظ على القدرات الإنتاجية وتعويض التراجع الطبيعي في الحقول وتلبية الطلب المستقبلي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى أن الخطاب الذي يضعف الثقة بالمنتجين قد يؤدي إلى تأجيل مشروعات ضرورية، مما يفاقم أخطار نقص المعروض مستقبلاً بدلاً من تعزيز أمن الطاقة.
ومن هذه الزاوية، يربط الغيص بين الثقة والاستثمار، إذ إن مطالبة المنتجين بالحفاظ على طاقات إضافية وبنى تحتية مرنة تتطلب في المقابل بيئة تشجع على ضخ رؤوس الأموال طويلة الأجل في الصناعة.
دور المنظمات الدولية
طالب الغيص المؤسسات الدولية والحكومية الدولية بأن تكون جسراً بين المنتجين والمستهلكين، من خلال توفير البيانات والتحليلات وتعزيز الحوار حول كيفية حماية الإمدادات واستقرار الأسواق.
واعتبر أن هذا الدور يصعب التوفيق بينه وبين إطلاق أحكام علنية تتعلق بـ"الثقة" و"السمعة" وبخاصة عندما تكون الأزمة مرتبطة بعوامل عسكرية وأمنية تتجاوز سيطرة المنتجين.
وأكد أن وكالة الطاقة الدولية ينبغي أن تنظر إلى دول الخليج باعتبارها شريكاً رئيساً في البحث عن حلول تضمن استقرار الإمدادات، لا طرفاً مطالباً باستعادة ثقة فقدها.
واستشهد الغيص بسجل المنتجين في بناء خطوط الأنابيب ومرافق التخزين والاحتفاظ بالطاقة الفائضة، معتبراً أن تلك الاستثمارات دليل على سعيهم إلى تعزيز أمن السوق وتقليل آثار الصدمات.
ويطرح هذا الموقف تصوراً لدور المؤسسات الدولية يقوم على تقاسم المسؤولية بين المنتجين والمستهلكين والدول المعنية بأمن الملاحة، بدلاً من اختزال أمن الطاقة في قدرة طرف واحد على مواجهة أزمة تتجاوز حدود قطاع النفط نفسه.
تعريف الموثوقية
يكشف السجال بين "أوبك" ووكالة الطاقة الدولية اختلافاً أعمق حول تعريف المورد الموثوق والمسؤولية عن حماية الإمدادات.
فمن منظور وكالة الطاقة الدولية، أصبحت قدرة منظومة الإمدادات على ضمان وصول الشحنة إلى المستهلك عاملاً مهماً في حسابات الدول المستوردة، وبخاصة بعد تجربة إغلاق ممر بحجم مضيق هرمز.
أما الغيص فيرى أن موثوقية المنتج ينبغي أن تقاس بقراراته والتزامه بالعقود واستثماراته واستعداده لتوفير طاقة إضافية عند الحاجة، مع التمييز بين هذه المسؤولية وأمن طرق الملاحة التي تتطلب ترتيبات تتجاوز قدرة المنتجين منفردين.
وتظهر أرقام الأزمة أهمية هذا التمييز، بعدما أسهمت استثمارات السعودية والإمارات في خطوط الأنابيب والتخزين ومسارات التصدير البديلة في استعادة ملايين البراميل من الصادرات، في وقت ظل الجزء الأكبر من التدفقات مرتبطاً باستعادة أمن الملاحة عبر مضيق هرمز.
ومن هذه الزاوية، فرقت الأزمة عملياً بين موثوقية المنتج ومرونة منظومة النقل، فاستمرار الإنتاج والاستثمار وتوفير الطاقة الفائضة يمثل جزءاً من مسؤولية الدول المصدرة، بينما يتطلب ضمان وصول الشحنات حماية الممرات البحرية واستقرارها، وهي مهمة تتجاوز شركات النفط والدول المنتجة إلى منظومة الأمن والتجارة الدوليين.
لذلك، لا يبدو السجال بين "أوبك" ووكالة الطاقة الدولية خلافاً حول أهمية أمن الإمدادات بقدر ما هو اختلاف حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل تبعات تعطلها، فالغيص يتمسك بأن عقوداً من الالتزام والاستثمار لا يمكن اختزالها في أزمة عسكرية عطلت طريق التصدير، وأن تعزيز الثقة في أسواق الطاقة يبدأ من حماية الممرات التي تنقل الإمدادات، بالتوازي مع استمرار المنتجين في الاستثمار وتوفير الطاقة التي يحتاج إليها الاقتصاد العالمي.