ملخص
أثارت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى توحيد إيرلندا جدلاً واسعاً في المملكة المتحدة. ولا تغير الدعوة المسار الدستوري الذي حدده اتفاق "الجمعة العظيمة"، إذ يبقى أي تغيير مرهوناً بموافقة غالبية سكان إيرلندا الشمالية، لكنها جاءت في لحظة تشهد تصاعداً في الدعوات الانفصالية، مع استعداد قادة اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية لتنسيق مواقفهم في شأن تقرير المصير.
كثيراً ما تجنب الرئيس الأميركي دونالد ترمب كأسلافه التطرق إلى مسألة انفصال إيرلندا الشمالية، لكنه أعلن أمس السبت دعمه لاستقلالها عن المملكة المتحدة خلال زيارة إلى جمهورية إيرلندا، وقال "لا أريد أن أتسبب بأية مشكلات، لكنني سأقول لكم إنني أحب أن أراها موحدة"، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان تصريحه عفوياً أو متعمداً، وما إذا كان سيخلق زخماً حقيقياً داخل إيرلندا الشمالية نحو الوحدة مع الجمهورية.
وفي حين أنهى تصريح ترمب عقوداً من الحياد الأميركي تجاه هذه القضية المتجذرة في تاريخ من العنف والاستقطاب، فإنه أثار ضجة واسعة في المملكة المتحدة التي سارع رئيس وزرائها آندي بيرنهام إلى تأكيد موقف حكومته برفض "إجراء استفتاء جديد"، نظراً إلى عدم وجود تأييد شعبي لذلك، وهو رد يحيل إلى اتفاق "الجمعة العظيمة" لعام 1998 الذي أقر بأن وضع إيرلندا الشمالية سواء بالبقاء في المملكة المتحدة أو الوحدة مع جمهورية إيرلندا، لا يتغير إلا بموافقة الغالبية من سكانها في استفتاء عام.
وجاء تصريح ترمب في سياق الهوة المتفاقمة بين واشنطن ولندن بسبب خلافهما حول حرب إيران، وفي حين يحتفظ الرئيس الأميركي بعلاقة جيدة عموماً مع حزب المحافظين والأحزاب اليمينية مقارنة بحزب العمال البريطاني الحاكم، إلا أن التوتر تسلل أيضاً إلى تلك العلاقات، إذ انتقدت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك الرئيس الأميركي وقالت إن تصريحاته تخلق "توترات غير ضرورية"، أما نايجل فاراج، زعيم حزب "ريفورم" المعروف بدعمه لترمب فأكد على منصة "إكس" أن "إيرلندا الشمالية جزء أصيل ومتكامل من المملكة المتحدة" وأن سكانها "لا يريدون" الوحدة ولا الاستفتاء.
ليس تدخلاً عفوياً
قلل المسؤولون البريطانيون من جدية تصريح ترمب، نظراً إلى تصريحاته السابقة بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند أو ضم كندا لتكون الولاية الأميركية الـ51، ومع ذلك، فإن تدخله لا يبدو عفوياً، إذ أثار الرئيس الأميركي مسألة الوحدة خلال اجتماعاته مع الرئيسة الإيرلندية كاثرين كونولي ورئيس الوزراء ميشال مارتن. ويشير تحليل نشرته "بي بي سي" إلى أن دوافع ترمب ربما تكون تكتيكية لحشد تأييد أكبر من الناخبين الأميركيين من أصول إيرلندية قبل الانتخابات النصفية، ولتجنب صدام مع الحكومة الإيرلندية في شأن حرب غزة.
واعترف الرئيس الأميركي بالتداعيات التي أثارها تصريحه، قائلاً في فعالية لاحقة إنه لا توجد إجابة "جيدة"، فإن أي موقف يتبناه من المسألة سيعرّضه للانتقاد، لكنه لم يتراجع عن دعمه لإعادة التوحيد، بل وصفه بالسيناريو "الرائع". وبينما أقرّ ترمب بأن الأمر مرتبط بموقف الحكومة البريطانية، إلا أنه اعتبر الوحدة حتمية، وقال "ما دامت ستتحقق في نهاية المطاف، فيمكن أن تتحقق الآن".
وأثارت التصريحات انقساماً واضحاً في إيرلندا، إذ رحبت بها بصورة غير مباشرة القوى القومية المؤيدة للوحدة، وفي مقدمتها حزب "شين فين" الذي يقول إن توحيد الجزيرة لم يعُد طموحاً بعيد المنال، فيما رفضتها بشدة القوى الداعية إلى بقاء إيرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة التي أكدت أن مستقبل الإقليم يقرره سكانه، لا رئيس أميركي أو أية جهة خارجية، بينما التزمت الحكومة الإيرلندية موقفاً حذراً ولم تتبنَّ علناً دعوة ترمب.
وكشف موقف ترمب عن تقاطع سياسي غير متوقع بينه والقوى القومية الإيرلندية المحسوبة على اليسار، وفي مقدمتها حزب "شين فين"، فهذه القوى تعارضه بشدة بسبب مواقفه من الهجرة وحرب غزة، بينما تتفق معه في قضية توحيد إيرلندا. وبرز هذا التناقض بوضوح مع خروج آلاف المتظاهرين في دبلن احتجاجاً على زيارته، في وقت منح موقفه دفعة رمزية لمشروع الوحدة المرتبط بالقومية واليسار الإيرلندي.
"الجمعة العظيمة"
وضع "اتفاق الجمعة العظيمة" عام 1998 مساراً واضحاً يقوم على مبدأ موافقة السكان، وتملك الحكومة البريطانية وحدها صلاحية الدعوة إلى ما يعرف بـ"الاستفتاء الحدودي". ويُلزم وزير شؤون إيرلندا الشمالية الدعوة إلى التصويت إذا بدا له أن غالبية الناخبين سترجح كفة الانضمام إلى جمهورية إيرلندا.
وفي حال أيدت غالبية سكان إيرلندا الشمالية الوحدة، لا تصبح الجزيرة موحدة بصورة تلقائية بمجرد إعلان النتيجة، بل ينتقل الأمر إلى عملية سياسية ودستورية بين الحكومتين البريطانية والإيرلندية لتنفيذ هذا الخيار، مع اشتراط موافقة الناخبين في شمال الجزيرة وجنوبها، ولهذا يبقى القرار في جوهره إيرلندياً وبريطانياً.
وتعود حساسية المسألة لتقسيم جزيرة إيرلندا في مطلع عشرينيات القرن الماضي، عندما انفصل معظمها عن المملكة المتحدة، بينما بقيت ست مقاطعات في الشمال ضمن الدولة البريطانية. ومنذ ذلك الحين انقسمت إيرلندا الشمالية بصورة عميقة بين القوميين وغالبيتهم تاريخياً من الكاثوليك والمؤيدين للوحدة مع جمهورية إيرلندا، والوحدويين وغالبيتهم تاريخياً من البروتستانت والداعين إلى استمرار الارتباط بالمملكة المتحدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتحول هذا الانقسام لعقود إلى صراع دموي عرف باسم "الاضطرابات"، قبل أن يضع "اتفاق الجمعة العظيمة" أساساً لتقاسم السلطة ويكرس مبدأ أن الوضع الدستوري لإيرلندا الشمالية لا يمكن تغييره بالقوة أو بقرار خارجي. ولذلك لا يجعل تصريح ترمب الاستفتاء أقرب قانونياً، لكنه قد يمنح دعاة الوحدة زخماً سياسياً جديداً، ويضيف ملفاً حساساً إلى قائمة الخلافات التي تواجهها الحكومة البريطانية.
"نهاية" المملكة المتحدة؟
اعتبرت شبكة "سكاي نيوز" أن الرئيس الأميركي دعا فعلياً إلى "نهاية المملكة المتحدة"، كون إيرلندا الشمالية ليست مجرد إقليم بريطاني، بل واحدة من الدول الأربع المكونة للمملكة المتحدة إلى جانب إنجلترا واسكتلندا وويلز، كما أن الاسم الرسمي للدولة هو "المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية"، من ثم فإن توحيد الجزيرة سيعني خروج إيرلندا الشمالية وانتهاء المملكة المتحدة بتكوينها واسمها الدستوري الحاليين.
وتكتسب تصريحات ترمب أهمية أكبر بالتزامن مع تنامي دعوات الاستقلال عن بريطانيا، فبعد يوم واحد منها، كشفت صحيفة "ذا تلغراف" عن أن قادة اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية سيلتقون غداً الإثنين في كارديف لتوقيع إعلان مشترك يطالب بحق بلدانهم في تقرير المصير وإجراء استفتاءات حول مستقبلها الدستوري، في قمة غير مسبوقة تجمع حكومات يقودها مؤيدون للاستقلال أو الوحدة الإيرلندية.
وللمرة الأولى، باتت الحكومات المحلية الثلاث خارج إنجلترا بقيادة قوى تسعى بدرجات مختلفة إلى تغيير علاقتها بالمملكة المتحدة، ففي اسكتلندا بقي الحزب القومي الاسكتلندي القوة المهيمنة، وفي ويلز أصبح حزب "بلايد كامري" أكبر حزب وتولى زعيمه رون أب إيورث رئاسة الحكومة، بينما تقود ميشيل أونيل من "شين فين" حكومة إيرلندا الشمالية، ولا تعني هذه التطورات أن انفصال الدول الثلاث بات وشيكاً، لكنها تجمع للمرة الأولى قادة يشككون جميعاً في استدامة الصيغة الدستورية الحالية.
وقال رئيس الوزراء الأول في اسكتلندا جون سويني اليوم الأحد، "للمرة الأولى على الإطلاق، تقود اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية حكومات يؤيد رؤساؤها الاستقلال"، مضيفاً أن ذلك دليل على أن "الوضع القائم غير قابل للاستمرار" وأن على وستمنستر الاستعداد لـ"مستقبل ما بعد المملكة المتحدة". وذهب أبعد من ذلك بالقول إن بيرنهام قد يدخل التاريخ باعتباره "آخر رئيس وزراء للمملكة المتحدة".
ومن المقرر أن يوقع القادة مذكرة تفاهم تتناول الاقتصاد والطاقة والعلاقة مع أوروبا والتعاون الدولي وتقرير المصير، وتؤكد رغبتهم في أن تكون دولهم ضمن الاتحاد الأوروبي مستقبلاً، سواء بانضمام اسكتلندا وويلز كدولتين مستقلتين أو بوجود إيرلندا الشمالية ضمن جمهورية إيرلندا. كما يسعون إلى تحويل التعاون بينهم من مواقف منفصلة إلى ضغط سياسي منظم على وستمنستر للاعتراف بحقهم في تقرير مستقبلهم الدستوري.
وستأتي القمة بعد أن فتح بيرنهام الباب، ولو نظرياً، أمام استفتاء اسكتلندي جديد إذا ظهر "توافق واضح" يؤيده، قبل أن تؤكد حكومته أن لا أساس حالياً لإجراء أي من الاستفتاءين. لكن مجرد انتقال النقاش من رفض الاستفتاءات بصورة قاطعة إلى الحديث عن الظروف التي قد تسمح بها وفر للقوى القومية فرصة جديدة للضغط.
النقاشات الدستورية في إيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز ليست وليدة اللحظة وتخضع لترتيبات سياسية وقانونية مختلفة، ولذلك فإن تصريح ترمب ليس فاتحة المسار نحو تفكك المملكة المتحدة، إلا أن أهميته تكمن في تزامنه مع تصاعد الخطاب الانفصالي، إذ أعلن تأييده لوحدة إيرلندا في وقت كانت حكومات اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية تستعد لتنسيق مواقفها في شأن تقرير المصير ومستقبل العلاقة مع وستمنستر.