Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يهدد وصول فاراج إلى السلطة وحدة بريطانيا؟

تمدد "ريفورم" قد يعزز نفوذ الأحزاب الانفصالية في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية

حزب "ريفورم" بقيادة نايجل فاراج حقق فوزا ساحقا في الانتخابات البلدية الأخيرة ببريطانيا (غيتي) 

ملخص

ظهرت أصوات سياسية تحذر من تأثير تمدد حزب "ريفورم" الشعبوي على وحدة المملكة المتحدة، إذ يخشى ساسة ومراقبون من أن يقود وصول زعيم الحزب نايجل فاراج إلى السلطة في لندن عام 2029، إلى تعزيز نفوذ الأحزاب الانفصالية في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، لتستغل جملة من المتغيرات التي يمكن أن تشهدها البلاد في ظل سلطة فاراج.

شهدت الأشهر الأخيرة تحولاً كبيراً في السياسة البريطانية، فقد حقق حزب "ريفورم" بقيادة نايجل فاراج مكاسب كاسحة في الانتخابات البلدية خلال مايو (أيار) 2026، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن "ريفورم" يتقدم على "المحافظين" و"العمال" في النيات الانتخابية، مما قد يمنحه غالبية برلمانية صغيرة تسمح لفاراج بدخول المنزل رقم 10.

بحلول يوليو (تموز) الجاري صعد منافس جديد على يمين فاراج، وتقول التقديرات إن احتمال فوز "ريفورم" بغالبية برلمانية كاملة تراجع قليلاً بعدما بدأ حزب "استعادة بريطانيا" بقيادة روبرت لوي، في اجتذاب جزء من قاعدة فاراج الانتخابية، وعلى رغم ذلك ما زال "ريفورم" في المركز الأول في انتخابات البرلمان المتوقع إجراؤها عام 2029.

المفارقة اللافتة أن اختبار قوة "ريفورم" في مايو الماضي تزامن مع انتخابات اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، ففي انتخابات برلمان إدنبره حافظ الحزب القومي الاسكتلندي على السلطة لولاية خامسة متتالية بقيادة جون سويني، لكنه فشل في الحصول على الغالبية المطلقة بفارق سبعة مقاعد، إذ حصل على 58 مقعداً، غير أن الأهم من حسابات المقاعد الفردية هو أن "القومي الاسكتلندي" وحلفاءه من حزب الخضر الاسكتلندي يمتلكان معاً غالبية 73 من أصل 129 مقعداً في البرلمان، وهي كتلة مؤيدة للاستقلال بصورة صريحة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضغط اسكتلندا

وبالفعل، لم تنتظر حكومة إدنبره الجديدة طويلاً، وفي أول جلسة للبرلمان الاسكتلندي طرح رئيس الوزراء تصويتاً على مطالبة الحكومة البريطانية بإصدار "أمر المادة 30" بموجب قانون اسكتلندا لعام 1998، لتفويض البرلمان الاسكتلندي في حق تنظيم استفتاء على الاستقلال، ومر هذا الطلب بغالبية 72 صوتاً مقابل 55، لكن المشكلة القانونية الجوهرية أن هذا القرار لا قيمة تنفيذية له من دون موافقة الحكومة البريطانية في لندن.

هنا تكمن إشكالية مع "ريفورم"، فموقف الحزب الرسمي هو معارضة إجراء استفتاء ثان في اسكتلندا، وتجميد الأسئلة الدستورية لعقد كامل، لكن فاراج نفسه أبدى مرونة لافتة حين صرح مرة بأنه "لو عادت هذه القضية للواجهة مستقبلاً، فمن المعقول أن تحصل اسكتلندا على حق تنظيم استفتاء للاستقلال"، على رغم تمسكه بمبدأ أن استفتاء 2014 واستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي تلاه بعامين، كانا "لمرة واحدة في كل جيل".

في الـ18 من سبتمبر (أيلول) عام 2014 صوت الناخبون الاسكتلنديون برفض الاستقلال بنسبة 55 في المئة مقابل 45 في المئة، لكن ما يثير قلق الوحدويين اليوم هو أن الاستفتاء جاء بعدما حقق الحزب القومي الاسكتلندي غالبية مطلقة في انتخابات 2011، وهو ما أجبر رئيس الوزراء آنذاك ديفيد كاميرون على الموافقة على إجرائه، أي أن النموذج التاريخي واضح: غالبية قومية في برلمان إدنبره تضغط سياسياً وأخلاقياً على لندن.

سابقة ويلز

شكل عام 2026 سابقة تاريخية أعمق في ويلز، إذ لم يفقد حزب العمال السلطة هناك فحسب، بل خسر مكانته كأكبر حزب للمرة الأولى منذ بدء الحكم الذاتي عام 1999، حين فاز حزب "بلايد كامري" في انتخابات برلمان كارديف بحصوله على 43 من أصل 96 مقعداً، ليشكل الحكومة الويلزية الحالية، وقد وصفت هذه النتيجة بأنها أفضل أداء انتخابي للحزب منذ بدء الحكم الذاتي، بينما حل "ريفورم" ثانياً بحصوله على 34 مقعداً.

و"بلايد كامري" حزب قومي يؤيد استقلال ويلز عن المملكة المتحدة، لكن خطابه أكثر حذراً وتدرجاً من نظيره الاسكتلندي، فقد أعلن زعيمه في مايو 2025 أنه لا توجد خطة لإجراء استفتاء على الاستقلال في الولاية الأولى للحكومة، والحديث في هذا الشأن لن يبدأ قبل عام 2030. يحتفظ الحزب رسمياً بموقف مؤيد للاستقلال، وقد أقر أعضاؤه في مؤتمر أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تشكيل لجنة دائمة لإعداد ورقة بيضاء حول الأمر، شرط أن يبنى عليها لاحقاً إذا فاز "بلايد كامري" في انتخابات 2030 أيضاً.

من الناحية "البرامجية" دعا "بلايد كامري" في بيانه الانتخابي إلى تفويض سلطة تحديد "موعد وآلية وإجراءات أي استفتاء مستقبلي على الاستقلال إلى حكومة كارديف وبرلمانها"، والمفارقة أن "ريفورم" في ويلز لم يتطرق إطلاقاً لمسألة الاستقلال في برنامجه الانتخابي، وهو تناقض لافت مع موقفه الأكثر وضوحاً في اسكتلندا.

 

"الاستفتاء الحدودي"

المسار الثالث الأكثر تعقيداً يتمثل في إيرلندا الشمالية، حيث يقود حزب "شين فين" القومي الجمهوري الحكومة المحلية بعدما أصبحت ميشيل أونيل أول رئيسة وزراء قومية في تاريخ إيرلندا الشمالية مطلع 2024، وقد صرحت بعد توليها المنصب بأنها تتوقع إجراء استفتاء على الوحدة خلال عقد من الزمن، وأصبح "شين فين" أكبر أحزاب إيرلندا الشمالية في برلمان وستمنستر منذ انتخابات 2024.

بموجب اتفاق "الجمعة العظيمة" بين لندن وبلفاست لعام 1998، يملك وزير الدولة لشؤون إيرلندا الشمالية صلاحية الدعوة إلى استفتاء حدودي متى بدا له أن غالبية السكان تؤيد الوحدة مع إيرلندا، وليس البرلمان المحلي هو من يقرر ذلك مباشرة كما في اسكتلندا، والأهم أن أي تغيير دستوري يتطلب موافقة الغالبية في إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا معاً، وهو شرط مزدوج لا وجود لمثيله في الحالة الاسكتلندية.

جرى استفتاء حدودي وحيد في إيرلندا الشمالية عام 1973، وصوتت الغالبية للبقاء ضمن المملكة المتحدة، واليوم، على رغم صعود "شين فين" انتخابياً، تبقى استطلاعات الرأي بعيدة من ترجيح كفة الوحدة بين شقي الجزيرة الإيرلندية، فقد أظهر استطلاع "معهد الدراسات" أن 61.4 في المئة من المستطلعين يفضلون بريطانيا، ارتفاعاً من 59.4 في المئة خلال 2025، بل إن متوسط 13 استطلاعاً منذ 2022 يشير إلى 58 مقابل 42 لمصلحة لندن.

يشير تقرير آخر لذات المعهد إلى أنه لا توجد أي فئة عمرية تشكل فيها الكاثوليكية غالبية تفوق 50 في المئة بحسب تعداد 2021، مما يجعل الوصول إلى تفويض شعبي حاسم للوحدة أمراً بعيد المنال حالياً على رغم الزخم السياسي لـ"شين فين"، وتلفت استبيانات محلية إلى أزمة ثقة أعمق بالحكم الذاتي نفسه، إذ وجد استطلاع "لوسيد توك" مطلع العام أن 71 في المئة يعتقدون أن عودة مؤسسات ستورمونت لم تحقق أثرا إيجابيا في حياتهم.

عوامل داعمة

وصول فاراج إلى السلطة يعني وقوع سابقة تاريخية، إذ ستجتمع سلطة يمينية شعبوية في لندن، مع حكومات قومية انفصالية منتخبة في ويلز واسكتلندا وإيرلندا الشمالية، وحكومة "ريفورم" إن وصلت إلى السلطة بغالبية ضئيلة أو ائتلاف هش كما تشير بعض التوقعات، ستفتقر إلى تفويض شعبي قوي في الدول الثلاث مما يعزز قوة الأحزاب الانفصالية هناك.

الموقف "الغامض" لفاراج تجاه قضايا الانفصال يزيد من قلق استغلال أحزاب الاستقلال لفرصة وصوله إلى السلطة، من أجل الضغط على لندن في قضايا خلافية بين الدول الثلاث وإنجلترا، وبخاصة المسائل ذات الطابع الاقتصادي، مثلما رأينا في قضية حقل غاز "جاكداو" في اسكتلندا، حين اقترح فاراج على سويني الضغط على حكومة كير ستارمر لتشغيل الحقل، وهذا يظهر كيف يمكن للاحتكاكات الاقتصادية بين لندن والعواصم المحلية أن تتحول بسرعة إلى مادة خام للحملات الانفصالية.

نشرت صحيفة "الغارديان" أخيراً خبراً يقول إن صعود فاراج دفع قادة سياسيين في إيرلندا وإيرلندا الشمالية واسكتلندا وويلز إلى التخطيط لما كان يعتبر حتى وقت قريب "أمراً مستحيلا": تفكك المملكة المتحدة، ويستعد الوحدويون الراغبون في إنقاذ الاتحاد والقوميون الراغبون في إنهائه على حد سواء لاضطراب دستوري إذا ما تصدر "ريفورم" المشهد بعد الانتخابات المقبلة، سواء بفاراج رئيساً للوزراء أو زعيما لمعارضة قوية.

ومن أبرز ما كشفه التقرير أن قادة إيرلنديين يعتقدون أن الدعم السنوي الذي تقدمه المملكة المتحدة لإيرلندا الشمالية، والمقدر بما بين 6 و20 مليار جنيه استرليني، قد يتحول إلى ورقة سياسية يستغلها فاراج بأسلوب يشبه ادعاءات حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حول كلفة العضوية الأوروبية، وفي هذا السياق، حذرت زعيمة حزب (SDLP) كلير هانا، قائلة "انتظروا حتى يرى فاتورتنا"، مضيفة أن ظاهرة فاراج لم تعد مجرد "شعلة عابرة" بل باتت سمة راسخة في السياسة البريطانية.

 

رئيس وزراء ويلز السابق مارك دريكفورد، يشارك هانا تخوفها ويقول إن السياسة البريطانية تغيرت بصورة قد لا تترك وقتاً كافياً لنقاش متأنٍّ حول مستقبل المملكة المتحدة إذا وصل فاراج إلى داونينغ ستريت، أو عزز حزبه مقاعده البرلمانية بصورة كبيرة، أما وزير العدل الإيرلندي جيم أوكالاهان فذهب أبعد من ذلك، داعياً دبلن إلى البدء بالتحضير للوحدة بدلاً من انتظار القومية الإنجليزية لتفرض الجدول الزمني، فيما رأى رئيس الوزراء الإيرلندي السابق ليو فارادكار أن حكومة بقيادة فاراج، على رغم استبعاده لاحتمالها، قد "تدفع" إيرلندا نحو استفتاء حدودي لم تستعد له بعد، خصوصاً إذا تبنت هذه الحكومة توجهاً أكثر تشدداً تجاه الانسحاب من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان وأعادت فتح ملف اتفاق الجمعة العظيمة.

في المقابل هناك معطيات جوهرية تضعف فرضية أن وصول فاراج للسلطة سيطلق مباشرة موجة استفتاءات في دول المملكة المتحدة، هناك مثلاً العوائق القانونية صعبة التجاوز، إذ أكدت المحكمة العليا البريطانية في 2022 أن برلمان إدنبره لا يستطيع تشريع استفتاء من دون موافقة وستمنستر، وحكومة فاراج قد ترفض ببساطة منح هذه الموافقة.

هناك أيضاً الموقف الرسمي لحزب "ريفورم" الذي يرفض بصورة قاطعة فكرة تفكك الدولة، كذلك غياب الغالبيات الحاسمة محلياً، فلا الحزب القومي الاسكتلندي حقق غالبية مطلقة في إدنبره، ولا "بلايد كامري" يملك حتى نصف مقاعد السنيد، ولا استطلاعات الرأي في إيرلندا الشمالية تظهر غالبية مؤيدة للوحدة مع إيرلندا، مما يجعل "التفويض الشعبي الحاسم" غائباً في الحالات الثلاث على رغم صعود هذه الأحزاب حكومياً.

قد يبدو عام 2026 محطة فارقة في الجغرافيا السياسية للمملكة المتحدة: تفتت غير مسبوق للنظام الحزبي التقليدي في إنجلترا لمصلحة "ريفورم"، تزامناً مع صعود قومي متزامن في العواصم الثلاث الأخرى. هذا التزامن يخلق أرضية خصبة نظرياً لأزمة دستورية إذا ما وصل فاراج إلى رئاسة الحكومة، لكن الفجوة بين الزخم الانتخابي والتفويض الشعبي الحاسم لا تزال قائمة في الدول الثلاث، وهي الفجوة نفسها التي حالت تاريخياً (في 2014 وفي 1973) دون تحقيق الانفصال حتى في ظروف مشابهة.

سيتوقف المسار الفعلي للمملكة المتحدة إلى حد كبير، على شكل حكومة فاراج نفسها (غالبية مريحة أم ائتلاف هش)، ومدى استعداد وستمنستر للتفاوض بدلاً من الرفض القاطع لإجراء استفتاءات على استقلال الدول الثلاث، وهو ما يجعل التكهن بمصير الوحدة البريطانية في هذه المرحلة أقرب إلى تحليل احتمالات متعددة الأوجه منه إلى نتيجة حتمية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل