ملخص
على مدار أكثر من 200 عام، مرت العلاقة بين المملكة المتحدة وإيرلندا الشمالية بمنعطفات كبيرة، صحيح أن الوحدة بينهما تحصنت باتفاقات راعت العلاقة بين بلفاست ودبلن، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى ازدياد مستمر في نسبة المؤيدين لوحدة الجزيرة الإيرلندية منذ خروج المملكة من الاتحاد الأوروبي عام 2020.
تعود جذور العلاقة بين إيرلندا الشمالية وبريطانيا إلى قانون الاتحاد عام 1800، حين أدمجت مملكة إيرلندا بالكامل مع المملكة المتحدة، لكن الفصل الحاسم جاء عام 1921، حين قسمت الجزيرة الإيرلندية بموجب قانون حكومة إيرلندا 1920، وأسست الدول الـ26 الجنوبية ما أصبح جمهورية إيرلندا، فيما بقيت المقاطعات الست الشمالية ضمن المملكة المتحدة، لتشكل كياناً سياسياً جديداً هو "إيرلندا الشمالية".
بدأ مسار اللامركزية في الجزيرة الإيرلندية عام 1921، حين منحت إيرلندا الشمالية للمرة الأولى سلطات تنفيذية وتشريعية خاصة بها، مما جعلها الجزء الوحيد من المملكة المتحدة الذي عرف اللامركزية قبل عام 1999.
غير أن هذا الترتيب اتسم منذ البداية بالهشاشة، في ظل النظام القائم على الغالبية البسيطة، كان الحزب الوحيد الذي تتشكل منه الحكومة هو الحزب "الاتحادي" الذي يمثل البروتستانت الراغبين في البقاء ضمن المملكة المتحدة، وأدى ذلك إلى تهميش الكاثوليك القوميين الساعين إلى توحيد الجزيرة، وأشعل فتيل توترات عقود متتالية.
في أواخر الستينيات انفجرت الأوضاع، وجرى تعليق برلمان إيرلندا الشمالية في الـ30 من مارس (آذار) 1972 جراء تصاعد العنف من قبل قوات الدولة والميليشيات إثر قمع مطالب الحقوق المدنية للكاثوليك، وفي عام 1973 أُلغي البرلمان كلياً، ودخلت إيرلندا الشمالية بعدها مرحلة الحكم المباشر بدعم من لندن لتدوم ثلاثة عقود.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اتفاق "الأنغلو-إيرلندية"
منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، أبرمت لندن ودبلن اتفاق "الأنغلو-إيرلندية"، متعهدتين بالتعاون في مجالات الأمن والعدالة والتقدم السياسي، جرى توقيع الاتفاق في قلعة "هيلزبره" بإيرلندا الشمالية، عبر رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، ورئيس حكومة إيرلندا غاريت فيتزجيرالد.
جاء الاتفاق في لحظة بالغة الحساسية، إذ كانت حركة "شين فين"، في أعقاب إضراب الجوع الشهير في عام 1981، تخوض انتخابات محلية للمرة الأولى، ونالت حصة واعدة بلغت 11.4 في المئة من الأصوات، فهدف الاتفاق إلى إعطاء الصوت القومي الإيرلندي موقعاً في شؤون الشمال، مقابل وقف صعود "شين فين" هناك.
لعب اللوبي الإيرلندي - الأميركي دوراً محورياً في الاتفاق، إذ ضغط الرئيس رونالد ريغان على تاتشر للتنازل، ولفت مستشارها تشارلز باول في رسالة إليها خلال الـ30 من أكتوبر (تشرين الأول) 1985، إلى أن "عدم المضي في الاتفاق سيخيب آمال الأميركيين".
رفض الموالون للتاج البريطاني الاتفاق واعتبروه "خيانة لإيرلندا الشمالية"، وخرجوا في تظاهرات حاشدة في بلفاست. في المقابل، لم يرحب بها الجمهوريون الإيرلنديون أيضاً في بادئ الأمر، إذ رأى الجيش الجمهوري أنها ترسخ التقسيم وتمنح لندن شرعية للاستمرار في احتلال الشمال، وصوت "شين فين" ضدها، وعلى رغم الاعتراضات حمل الاتفاق بذور تحول سيصبح لاحقاً حجر الأساس في مفاوضات السلام، إذ أقرت مبدأ "أن أي تغيير في وضع إيرلندا الشمالية لا يحدث دون موافقة الغالبية هناك".
في عام 1987، فجر الجيش الجمهوري الإيرلندي قنبلة في "إينيسكيلن" خلال احتفالية ذكرى الحرب، فقتل 11 مدنياً بروتستانتياً وأثار صدمة حتى في أوساط المتعاطفين مع قضيته، لكن في المقابل لم تتوقف عمليات (اللويالستيين) مؤيدي بريطانيا، عن استهداف المدنيين الكاثوليك، مما يجعل الصورة الأمنية مركبة وبالغة الدموية من الجانبين.
بعد ستة أعوام التقى مبعوثا بريطانيا بممثلين عن الجيش الجمهوري، وفي ديسمبر (كانون الأول) 1993، أصدر رئيس وزراء بريطانيا جون ميجور ونظيره الإيرلندي ألبرت رينولدز "إعلان داونينغ ستريت"، الذي أكد حق الشعب الإيرلندي كله في تقرير مصيره بالوسائل السلمية، ومنح "شين فين" فرصة المشاركة في المفاوضات شريطة وقف العنف.
فرصة سلام
في أغسطس (آب) 1994 أعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي وقفا كاملاً لإطلاق النار، أعقبه إعلان مماثل من ميليشيات "الموالين"، بدا العالم يحبس أنفاسه أمام احتمال السلام، غير أن المسيرة اصطدمت بعقبات جوهرية.
أصر البريطانيون على نزع أسلحة الجيش الجمهوري قبل أي مشاركة سياسية لـ"شين فين"، فرفض "الجيش" ذلك واعتبره استسلاماً، وفي فبراير (شباط) 1996 انهارت الهدنة بعد تفجير ميناء (كاناري وارف) في لندن، الذي أودى بحياة شخصين وأوقع عشرات الجرحى.
كان الغضب من تعثر المفاوضات بلغ ذروته، لكن الإدارة الأميركية في عهد بيل كلينتون لعبت دوراً محوريا في إبقاء الأمل حياً، فكان منح جيري آدمز تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة في عام 1994 على رغم الاعتراض البريطاني، رسالة بالغة الوضوح بأن واشنطن تعد "شين فين" شريكاً محتملاً في السلام.
وصل توني بلير إلى رئاسة الحكومة البريطانية في مايو (أيار) 1997 بغالبية ساحقة أعطته رأس مال سياسياً كافياً لدفع مسيرة السلام، وفي يوليو (تموز) من العام نفسه، أعلن الجيش الجمهوري الإيرلندي وقفاً جديداً لإطلاق النار، وهذه المرة غير محدد المدة، ثم دخل "شين فين" إلى طاولة المفاوضات الرسمية للمرة الأولى في تاريخه.
اتفاق "الجمعة العظيمة"
في الـ10 من أبريل (نيسان) 1998، وُقع اتفاق "الجمعة العظيمة"، وكان ثمرة مسيرة شاقة بدأت في "هيلزبورو" عام 1985 وعبر أكثر من 10 أعوام من الدم والمفاوضات والأمل المكسور وإعادة البناء.
كان اتفاق "بلفاست" أو "الجمعة العظيمة" عام 1998 بمثابة تغيير جذري لقواعد اللعبة، واعترف بأن ثلاثة أنواع من العلاقات في حاجة إلى معالجة في آنٍ، بين القوميين والوحدويين، وبين شمال الجزيرة وجنوبها، وبين دبلن ولندن. وأكد أن دور الحكومة البريطانية هو "تشجيع وتيسير وتمكين" العملية السلمية، لا دعم نتيجة بعينها.
النموذج الذي أرساه الاتفاق هو نموذج تقاسم السلطة بين الطائفتين الرئيستين، الوحدوية والقومية، مستلهم من نظرية "الديمقراطية التوافقية" التي صاغها العالم السياسة أرند ليبهارت لمجتمعات ذات تاريخ نزاعي.
تنقسم الصلاحيات إلى ثلاث فئات، الصلاحيات المحولة وتشمل الصحة والتعليم والزراعة والقضاء والشرطة، والصلاحيات المحجوزة التي يملكها البرلمان البريطاني لكن يمكن تحويلها مستقبلاً، والصلاحيات المستثناة حصراً لمصلحة وستمنستر، وتشمل الأمن القومي والعلاقات الخارجية والهجرة والدستور.
بعبارة أخرى تقرر لندن لإيرلندا الشمالية الدفاع والجنسية والسياسة الخارجية والاقتصاد الكلي والضرائب الرئيسة والبث العام، فيما تدير ستورمونت المستشفيات والمدارس والبيئة والإسكان والشرطة والقضاء المحلي، والمشترك بينهما في صنع القرار بعض جوانب البنية التحتية والمياه. يصدر البرلمان البريطاني التشريعات لإيرلندا الشمالية في مجالات تخصص لندن، بينما تتمتع بلفاست بتمثيل في البرلمان البريطاني بواقع 18 مقعداً في مجلس العموم.
تأثير "بريكست"
أحدث الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي اضطراباً عميقاً في هذا التوازن الدقيق. في استفتاء "بريكست" 2016، صوت 56 في المئة من سكان إيرلندا الشمالية لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، خلافاً للمملكة المتحدة ككل. وكانت حماية الحدود المفتوحة على جزيرة إيرلندا أولوية مشتركة للمفاوضين البريطانيين والأوروبيين.
النتيجة كانت "بروتوكول إيرلندا الشمالية" الذي خلق واقعاً قانونياً لم يسبق له مثيل، إذ استمرت إيرلندا الشمالية في الامتثال لمعايير منتجات الاتحاد الأوروبي واللوائح الجمركية، وباتت عمليات التفتيش الجمركية تجري على البضائع العابرة للبحر بين بريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية بدلاً من الحدود البرية مع جمهورية إيرلندا.
رأى الوحدويون في ذلك خطاً بحرياً يفصل إيرلندا الشمالية عن بقية المملكة المتحدة. وقاطع حزب "الوحدويين الديمقراطيين" الجمعية التشريعية في ستورمونت منذ يناير (كانون الثاني) 2022، محتجاً على البروتوكول الذي قال إنه "يدق إسفيناً بين إيرلندا الشمالية وبقية المملكة المتحدة"، مما أعاق التصويت على قرارات تمويلية كبرى ومسائل حيوية.
بقي الأمر هكذا حتى أعلن عن "اتفاق وندسر" في فبراير (شباط) 2023، بين رئيس وزراء بريطانيا السابق ريشي سوناك ورئيسة المفوضية الأوروبية أرسولا فوندر لاين، وقُدم الاتفاق في بعض الأوساط باعتباره فجراً جديداً لعلاقة بلفاست مع بروكسل ولندن.
أحدث "اتفاق وندسر" نظاماً مزدوجاً للبضائع يتمثل في "المسار الأخضر" للبضائع الوافدة إلى إيرلندا الشمالية كوجهة نهائية، و"المسار الأحمر" للبضائع العابرة إلى جمهورية إيرلندا والاتحاد الأوروبي. ويمنح مجلس ستورمونت أداة "الفرملة" التي تتيح له الاعتراض على قوانين أوروبية جديدة وفق شروط محددة.
شمل الإطار تخفيفاً لمتطلبات التصديق على تنقل بعض البضائع الاستهلاكية، وتسهيلاً لانتقال بعض النباتات والمعدات الزراعية، وترتيبات تسمح للمستهلكين بإرسال الطرود بين بريطانيا وإيرلندا الشمالية دون إقرارات جمركية.
غير أن الأثر الاقتصادي ظل يثير جدلاً، إذ أشارت بيانات رسمية إلى أن قيمة مبيعات البضائع من بريطانيا العظمى إلى إيرلندا الشمالية انخفضت بنسبة 2.4 في المئة عام 2022، في حين ارتفعت قيمة الواردات من جمهورية إيرلندا والاتحاد الأوروبي وبقية العالم.
وحدة إيرلندا
في فبراير 2024، وبعد عامين من تعليق مؤسسات اتفاق "الجمعة العظيمة"، عادت الحكومة المحلية إلى إيرلندا الشمالية برئاسة أول وزيرة أولى من "شين فين" على ضوء تفاهم بين الحكومة البريطانية وحزب "الوحدويين" حول "اتفاق وندسر".
على صعيد السؤال الوجودي في شأن مستقبل وحدة إيرلندا، تكشف أحدث استطلاعات الرأي عن مشهد بالغ التعقيد. وفي فبراير 2025، أشار استطلاع "لوسيد توك" إلى أن 41 في المئة من سكان إيرلندا الشمالية سيصوتون للوحدة في حال إجراء استفتاء، مقابل 48 في المئة يرفضونها، وتكشف بيانات الاتجاه عن تحول ملحوظ، إذ ارتفع المؤيدون للوحدة من 25 في المئة عام 2019 إلى 36 في المئة عام 2024، بينما تراجع الرافضون من 51 في المئة إلى 42 في المئة خلال الفترة ذاتها.
بموجب اتفاق "الجمعة العظيمة"، يحق لوزير شؤون إيرلندا الشمالية الدعوة إلى استفتاء الحدود "إذا بدا له أن غالبية المصوتين ستعبر عن رغبتها في أن تتوقف إيرلندا الشمالية عن كونها جزءاً من المملكة المتحدة".
تقف إيرلندا الشمالية اليوم في مفترق طرق فريد من نوعه، كيان يجمع في آنٍ بين السيادة البريطانية والخصوصية الإيرلندية والحضور الأوروبي الاستثنائي، و"بريكست" لم يبسط هذه المعادلة بل أضاف إليها طبقة جديدة من التعقيد جعلت إيرلندا الشمالية، بصورة واضحة، الجزء الأكثر انفتاحاً على الاتحاد الأوروبي في مملكة متحدة غادرته. ومع تصاعد الصوت القومي وتراجع الوحدوي بصمت يبقى الغموض الدستوري هو الثابت الوحيد في هذه العلاقة المتشابكة.