ملخص
ظهر أشخاص وصفهم المواطنون بأنهم عناصر أمن وأفراد من الباسيج يرتدون ملابس عمال المساحات الخضراء التابعين للبلدية ويراقبون المواطنين داخل المتنزه.
قبل أربعة أعوام، في الـ13 من سبتمبر (أيلول) 2022، اعتقل عناصر "شرطة الإرشاد" مهسا أميني، الشابة الكردية البالغة من العمر 22 سنة والمنحدرة من مدينة سقز في كردستان، أثناء زيارتها طهران برفقة عائلتها، ونقلوها إلى مقر شرطة الأمن الأخلاقي في شارع وزراء. وبعد ساعات، نقلت إلى مستشفى كسرى في حالة حرجة، وهي تعاني مؤشرات إصابة دماغية خطرة، قبل أن تعلن وسائل الإعلام، في الـ16 من سبتمبر، وفاتها.
وأثارت وفاة مهسا أميني عقب اعتقالها من جانب شرطة الأمن الأخلاقي، وفي وقت كانت فيه الأشهر السابقة قد شهدت تصاعداً في ملاحقة النساء بسبب الحجاب الإجباري والاعتقالات في الشوارع، موجة من الغضب الشعبي أفضت إلى انتفاضة إيرانية واسعة النطاق. ونزلت النساء والرجال إلى الشوارع في عشرات المدن الإيرانية، متحدين الحجاب الإجباري والسياسات القمعية للنظام الإيراني. وفي الوقت ذاته، بدأت أعداد كبيرة من النساء عصياناً مدنياً من خلال التخلي عن الحجاب الإجباري في الشوارع والأماكن العامة، واتسعت هذه الظاهرة إلى درجة أن النظام لم يتمكن، حتى بعد القمع الواسع للاحتجاجات، من إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سبتمبر 2022.
في المقابل، طالب مسؤولون وتيارات حكومية مراراً بتشديد الإجراءات ضد النساء اللواتي لا يلتزمن بالحجاب الإجباري. وإلى جانب استخدام أساليب مثل الاستدعاء وفتح ملفات قضائية وإرسال الرسائل النصية ومصادرة السيارات وإغلاق الأنشطة التجارية بالشمع الأحمر، مرر النظام في البرلمان أيضاً مشروع القانون المعروف باسم "دعم الأسرة من خلال تعزيز ثقافة العفاف والحجاب". ومع ذلك، أدت المقاومة الواسعة من جانب النساء والمخاوف من التداعيات الاجتماعية والسياسية لتطبيق هذا القانون إلى وقف إبلاغه ووضعه موضع التنفيذ.
"شرطة الإرشاد"
والآن، عشية الذكرى الرابعة لوفاة مهسا أميني، تشير تقارير وشهادات ميدانية من بعض مناطق إيران إلى تصاعد جديد في المواجهات بالشوارع على خلفية الحجاب الإجباري. وتتحدث بعض هذه الشهادات عن اعتقال نساء والتعامل معهن بعنف، فيما يشير مواطنون في شهادات أخرى إلى عودة سيارات "شرطة الإرشاد"، وانتشار عناصرها في الأماكن العامة، وتجدد التشدد في الدوائر الحكومية والمصارف.
وبحسب روايات بعض سكان إسلام شهر، تجمعت خلال الأيام الأخيرة مجموعات من النساء المحجبات بالشادور في الأماكن العامة، ووجهن تحذيرات إلى النساء الرافضات للحجاب الإجباري.
وفي قم، وردت رواية من متنزه علوي تكشف عن أسلوب مختلف في انتشار القوات الحكومية. وبحسب هذه الرواية، ظهر خلال الأيام القليلة الماضية أشخاص وصفهم المواطنون بأنهم عناصر أمن وأفراد من قوات الباسيج، يرتدون ملابس عمال المساحات الخضراء التابعين للبلدية، ويراقبون المواطنين داخل المتنزه. وأفاد مواطنون في المدينة بأن التدخلات لا تقتصر على حجاب النساء، بل تشمل أيضاً ركوب النساء الدراجات الهوائية، وحتى ممارسة الرجال الرياضة وهم يرتدون سراويل قصيرة.
كذلك أفاد مواطن من نيشابور، عبر منصة "إكس"، بعودة متزامنة لعناصر الباسيج وسيارات "شرطة الإرشاد" إلى الشوارع. وقال إن العناصر، إلى جانب اعتراضهم الفتيات والشبان وتوجيه تحذيرات بشأن الحجاب، يوقفون أيضاً راكبي الدراجات النارية. ووصف المواطن أجواء المدينة بأنها "أمنية للغاية"، مشيراً إلى إقامة نقاط تفتيش في مناطق مختلفة وتفتيش السيارات.
ووردت رواية مماثلة من مشهد، إذ كتب أحد سكان المدينة أن الإجراءات المشددة تصاعدت مجدداً خلال الأيام الأخيرة، وأن سيارات "شرطة الإرشاد" عادت للظهور في شوارع المدينة.
ولا تقتصر الضغوط لفرض الحجاب الإجباري على الشوارع والأماكن العامة. فقد أفاد مواطن في رشت بتجدد التشدد في بعض الدوائر الحكومية والمصارف، وقال إن النساء اللواتي لا يلتزمن بالحجاب الذي يفرضه النظام يواجهن صعوبات في الحصول على الخدمات.
ومن بين المدن التي استؤنفت فيها اعتقالات "شرطة الإرشاد"، تبدو الأوضاع في أصفهان أكثر إثارة للقلق. وبدأ ذلك بعدما نظمت مجموعة من أنصار الحجاب الإجباري تجمعاً في المدينة في 25 أغسطس (آب) الماضي، وطالبت بتطبيق قانون الحجاب واتخاذ إجراءات ضد النساء اللاتي لا يلتزمن بالزي الذي يفرضه النظام الإيراني.
وبعد أيام، تكرر مطلب اتخاذ إجراءات ضد النساء من المنبر الرسمي لصلاة الجمعة في أصفهان. ففي الرابع من سبتمبر الجاري، أكد حسين محمدي، إمام الجمعة الموقت في أصفهان، أن حديث المسؤولين الإيرانيين عن ضرورة الحفاظ على "التماسك الاجتماعي" لا يعني التخلي عن قضية الحجاب والعفاف، وأن هذه القضية يجب أن تظل موضع متابعة. وفي الوقت ذاته، حذر من أن الإجراءات "غير المدروسة والعاطفية" تضر بالتماسك الاجتماعي.
قانون "العفاف والحجاب"
وعقب هذه المواقف، أفاد مواطنون بعودة سيارات "شرطة الإرشاد" وعناصر بملابس مدنية واعتقال نساء في مناطق مختلفة. وكتب أحد المواطنين، في وصفه للأوضاع بعد مسيرة أنصار الحجاب على منصة "إكس"، أن سيارات "شرطة الإرشاد"، برفقة أعداد كبيرة من العناصر بملابس مدنية، بعضهم يرتدي أقنعة سوداء، انتشرت عند التقاطعات والنقاط الرئيسة في المدينة، وبدأت بتوقيف النساء واعتقالهن. كذلك نصبت في أنحاء المدينة لافتات تحمل تهديدات للنساء الرافضات للحجاب الإجباري.
وتتعلق رواية أخرى بمجمع "برواز" في أصفهان، إذ أفاد مواطن قال إنه شاهد وجود العناصر داخل المجمع باعتقال أعداد كبيرة من النساء، ووصف الأجواء التي سادت المكان بأنها "مرعبة".
كذلك وردت شهادات أخرى من مواطنين في منطقة مرداويج بأصفهان، وبحسب إحداها، دخلت العناصر عدداً من المقاهي في المنطقة، وأغلقت بعضها واعتقلت عدداً من الفتيات.
وكتب مواطن آخر على منصة "إكس" أنه شهد، خلال بضع ساعات فقط، عدة حالات اعتقال لنساء في مناطق مختلفة من مدينة أصفهان.
وتكشف مواقف المسؤولين السياسيين الإيرانيين تجاه قضية الحجاب الإجباري عن تناقضات واضحة. فبعضهم يطالب علناً باتخاذ إجراءات قسرية ضد النساء الرافضات للحجاب الإجباري، فيما يرى آخرون أن الظروف الراهنة ليست مواتية للإجراءات المتشددة، لكن كلا الفريقين متفق على استمرار فرض الحجاب الإجباري.
ولهذا يمكن القول إن استمرار تعليق تنفيذ القانون المعروف باسم "العفاف والحجاب" لا يعني تراجع النظام الإيراني عن مبدأ الحجاب الإجباري، بل يعود إلى أن جزءاً من السلطة، على الأقل، لا يرى الظروف السياسية والاجتماعية والأمنية الراهنة مناسبة لتشديد الإجراءات ضد النساء، ويخشى أن يؤدي فرض ضغوط واسعة بسبب الحجاب إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وتهيئة الأرضية لاندلاع احتجاجات جديدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وجاء التصريح الأكثر وضوحاً في هذا الشأن على لسان غلام علي حداد عادل، عضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية ومجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي قال في التاسع من سبتمبر الجاري إن النظام الإيراني، بسبب ظروف الحرب، لا يستطيع في الوقت الراهن دخول جبهة الحجاب كما ينبغي. ووصف حداد عادل، في التصريحات ذاتها، الوضع الراهن للحجاب بالنسبة إلى النظام بأنه أصعب بكثير مما كان عليه في عام 1981.
كذلك شدد حسين طائب، رئيس منظمة الباسيج، في الـ11 من سبتمبر الجاري، مستخدماً خطاباً مماثلاً، على أولوية الحفاظ على التماسك الداخلي. وقال إن "الولايات المتحدة تسعى إلى إثارة الخلاف بين التيارات داخل البلاد، وإن على النظام الإيراني التعامل مع قضايا مثل الحجاب وغيرها من المسائل الثقافية مع الحفاظ على التماسك والوحدة الداخلية، وألا يسمح لهذه القضايا بالإخلال بالتماسك الداخلي.
وأقر مجيد أنصاري، نائب الرئيس للشؤون القانونية، في التاسع من سبتمبر الجاري أيضاً بمخاوف الحكومة من تداعيات تطبيق قانون الحجاب الإجباري. وكان قد اتضح سابقاً أن وقف إبلاغ القانون لم يكن يعني إلغاءه، وإنما جاء إثر تدخل المجلس الأعلى للأمن القومي.
وتظهر مجمل هذه المواقف أن الخلاف القائم داخل بنية النظام الإيراني لا يدور حول مبدأ الحجاب الإجباري بقدر ما يتعلق بكلفة فرضه وتوقيته والأسلوب المتبع في ذلك. ومع ذلك، تتمتع التيارات الأكثر تشدداً في بعض المدن، مثل أصفهان، بنفوذ أكبر، وقد دخلت الميدان لقمع النساء الرافضات للحجاب الإجباري بضوء أخضر من أجهزة النظام.
وعلى رغم أن السلطات تسعى، من خلال تكثيف الاعتقالات، إلى استعادة السيطرة على المشهد، فإن ما يجعل إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سبتمبر 2022 أمراً صعباً بالنسبة إليها هو مقاومة النساء اللواتي، على رغم الاعتقال والاستدعاء والغرامات ومصادرة السيارات والحرمان من الخدمات والضغوط على الأنشطة التجارية، لم يقبلن بالعودة إلى ما قبل وفاة مهسا أميني. وبعد أربعة أعوام على وفاة مهسا والانتفاضة الواسعة، لا تزال النساء في مدن كثيرة يظهرن من دون الحجاب الإجباري في الشوارع ومراكز التسوق والمقاهي والجامعات وغيرها من الأماكن العامة.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"