Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قائدا أوركسترا وصراع تجاوز حدود الموسيقى

البعد السياسي في الموسيقى من خلال فيلم تلفزيوني استعاد تاريخاً منسياً

حقبة تاريخ الفن الموسيقي في الربع الثاني من القرن الـ20 ساد خلالها "الصراع التنافسي" الذي شغل عالم الأوركسترات (اندبندنت عربية)

ملخص

القائدان لم ينتظرا وصول موسوليني وهتلر إلى الحكم في روما وبرلين كي يتحمل كل منهما نصيبه في المعركة الفكرية التنافسية وصولاً حتى نيويورك، فإذا كان فورتفانغلر سبق زميله اللدود الإيطالي إلى قيادة أوركسترا الحاضرة الأميركية الفلهارمونية خلال النصف الأول من أعوام القرن الـ20، فإنه سرعان ما بارحها غاضباً في 1926 حين وصل إليها الإيطالي معززاً مكرماً، فيقسم أنه لن يعود لتلك المدينة ما دام أن توسكانيني يقود فيها الأوركسترا نفسها.

قبل أسابيع قليلة عرضت قناة "ميتزو" الثقافية الفرنسية- الألمانية فيلماً تلفزيونياً تجاوز زمن عرضه الساعة ونصف الساعة مع أنه دار أساساً حول سؤال لا يمكن اعتباره جديداً في عالم الفن الموسيقي، سؤال يتعلق بما إذا كان ينبغي أو لا ينبغي للسياسة أن تقوم بدور في عوالم الأداء الموسيقي.

ولقد أحسن صانعو الفيلم إذ دنوا من تلك المسألة الشائكة، عادة، من خلال حقبة من تاريخ الفن الموسيقي هي الربع الثاني من القرن الـ20، ساد خلالها ذلك "الصراع التنافسي" الذي شغل عالم الأوركسترات والألحان إذ "اندلع" بين كبيرين من قادة الأوركسترا في تلك المرحلة، أولهما أرتورو توسكانيني والثاني فيلهلم فورتفانغلر.

والطريف أن الأول كان آتياً لغز العالم من بيئة نظام فاشستي يحكم وطنه الإيطالي، فيما كان الثاني آتياً، والغاية نفسها، من بيئة نظام نازي يحكم وطنه الألماني، والمهم في الأمر أن "الصراع" بين قائدي الأوركسترا الكبيرين سبق وصول الفاشية من ناحية والنازية من الناحية الأخرى إلى الحكم في كل من البلدين.

لكن المسألة كانت مطروحة مسبقاً وتدور حول سؤال كان عالم الموسيقى يطرحه منذ زمن بعيد ويتعلق كما نوهنا بهل يمكن لفن الموسيقى أن يعيش ويؤثر في معزل عن السياسة؟ أم أنه لا بد من أن يجد نفسه محاصراً بها، بالتالي يتعين عليه تدبير شؤون في التعامل معها؟

والحقيقة أن هذا الموقف الأخير كان موقف فيلهلم فورتفانغلر (1954- 1886)، بينما كان توسكانيني (1957 - 1867) يتمسك بالموقف الأول، فهذا الأخير، بإيطاليته المفرطة وعشقه الخالص للموسيقى جاء من عالم الأوبرا واشتهر بالدقة والانضباط والوضوح والتزامه المطلق بالنص الموسيقي، أما زميله الألماني فأتى من عالم السيمفونية وعالم بيتهوفن وبروكنر وبرامس ليرى في قائد الأوركسترا نوعاً من "مبدع يعيد خلق العمل في كل أداء".

السياسة في الانتظار

خلال أزمنة عادية كان يمكن لذلك التفاوت بين القائدين الكبيرين أن يعالج كمسألة إبداعية تقنية، ولكن في زمن الصعود الفاشي والصراع بين "عالم الحرية" و"عالم الأيديولوجيا"، بحسب التعابير السائدة في ذلك الحين كما عكسها الفيلم التلفزيوني، وانطلاقاً من انتماء المبدعين الكبيرين، وهما المتجايلان تقريباً، إلى بلدين تسودهما سجالات شديدة العمق حول دور الفن في المجتمع، كان من الحتمي أن تنتقل المجابهة من عالم الفن والاستعراض إلى عالم السياسة والأيديولوجيا، ليبدو توسكانيني كبطل لحرية الفن لخوضه المعركة ضد النازية والفاشية ومن لف لفهما.

ويظهر فورتفانغلر بوصفه "مهادناً" لهتلر أي ممالئاً للممارسات الفاشية النازية المتطرفة حتى وإن كان، كما يخبرنا عدد من المشاركين في الفيلم التلفزيوني، تصدى للنظام "الهتلري" الذي كان هو من أصحاب القرار الفني فيه، حين راح هذا النظام يضطهد فنانين يهوداً.

 

 

والحقيقة أن القائدين لم ينتظرا وصول موسوليني وهتلر إلى الحكم في روما وبرلين كي يتحمل كل منهما نصيبه في المعركة الفكرية التنافسية وصولاً حتى نيويورك، فإذا كان فورتفانغلر سبق زميله اللدود الايطالي إلى قيادة أوركسترا الحاضرة الأميركية الفلهارمونية خلال النصف الأول من أعوام القرن الـ20، فإنه سرعان ما بارحها غاضباً في 1926 حين وصل إليها الايطالي معززاً مكرماً، فيقسم أنه لن يعود لتلك المدينة ما دام أن توسكانيني يقود فيها الأوركسترا نفسها.

ومنذ ذلك الحين، كما يخبر المؤرخون صانعي الفيلم المذكور، طُرحت المسألة بحدة وجدية مع ميل عام في أميركا لتبني مواقف توسكانيني، وفي أوروبا لمناصرة ما كان فورتفانغلر ينادي به.

تمايزات بين مبدعين

خلال القسم الأكبر من زمن عرضه، وبدقة شديدة الألمانية إنما بحماسة شديدة الإيطالية، يحكي لنا الفيلم قصة ذلك الثنائي الذي انتهى الأمر بطرفيه، واحد للوصول إلى قمة المجد وتحوله إلى ظاهرة عالمية بأريحيته ومرحه، والثاني إلى السجن والمحاكمة بعد سقوط النازية، فصار الأول مبجلاً فيما حمل الثاني لعنة التاريخ.

تلك النتيجة لم تنعكس تماماً في المكانة التي راح كل منهما يحتلها، علماً أن المنافسة لم تكتفِ بأن تكون نظرية طبعاً، بل انعكست في حياة الاثنين ونشاط كل منهما الإبداعي، فكان فورتفانغلر يُحترم لانضباطه وتمسكه بالتقاليد الموسيقية الصارمة العميقة حتى إن كان قد تمسك دائماً بفكرة أن كل أداء لعمل موسيقي ومهما كان كلاسيكياً إنما هو إعادة خلق للعمل، بينما كان توسكانيني يرى أن على الفن أن يقف ضد النظام السياسي إن حاول هذا أن يجبره على اتباع خطواته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا الإطار كان هذا القائد يصر على أن الفنان لا يمكنه أن ينفصل عن النظام السياسي إن هو وضع نفسه في خدمته أو عمل تبعاً للشروط التي يمليها النظام، وفي المقابل كان فورتفانغلر يرى أن التعايش ممكن، ولا سيما في عالم الموسيقى الذي كان يعتقد بأنه يتجاوز السياسة تماماً ويمكنه أن يضعها جانباً.

لنلاحظ هنا أن فورتفانغلر الذي تعايش مع "الهتلرية"، لم يكُن في لحظة من حياته عضواً في الحزب النازي، ومع ذلك كان مجرد بقائه في ألمانيا خلال الحكم النازي وصمة عار تصمه وتؤلب الرأي العام العالمي ضده، والحقيقة أن ذلك التفاوت بين الإيطالي والألماني وصل إلى ذروة حدته عام 1937 إبان عقد مهرجان سالزبورغ، أي حين تواجه الفنانان الكبيران، كما يفيدنا الفيلم، بصورة مباشرة.

حين انسحب توسكانيني

يومها تفاقم الصراع بين الرجلين حول ذلك المهرجان النمسوي الذي كان توسكانيني يشارك فيه معتبراً إياه فضاء ثقافياً مستقلاً، غير عابئ بمشاركة فورتفانغلر، على رغم أن هذا كان في الوقت نفسه مرتبطاً بمهرجان بايروت ذي السمة النازية الخالصة، ولكن في العام التالي وبعد احتلال هتلر للنمسا وهيمنة النازيين فيها، بات من الواضح أن توسكانيني لم يعُد قادراً على احتمال ما يحدث.

وهكذا انسحب نهائياً منذ دورة ذلك العام بينما لم يتورع زميله اللدود عن قيادة الأوركسترا في حفل ضخم أقامه المهرجان، حضره كبار أعيان النظام النازي، وعلى هذا النحو لم تعُد المسألة المطروحة تتعلق بأمور نظرية أو جمالية أو بأي من الرجلين هو الأكبر كقائد أوركسترا، فباتت المسألة سياسية بصورة مباشرة وانطلقت من سؤال في غاية الأهمية، هل يمكن للموسيقى ومهما كانت حياديتها المبدئية أن تبقى على نقائها حين تصبح الدولة التي تقدمها دولة استبدادية؟

والحقيقة أن مجرد طرح هذا السؤال بالتواكب مع انسحاب توسكانيني والحفل الصاخب الذي قدمه فورتفانغلر، كان يعني أن الإيطالي ربح ليس فقط المعركة، بل الحرب أيضاً، ولم يعُد في إمكان من يقود الأوركسترا فيصفق له المجرمون النازيون، لم يعُد في إمكانه أن يستند إلى أية حجج في ممارسة باتت تتجاوز المواقف والتبريرات.

وهكذا، خرج توسكانيني منتصراً من دون أن يتردد في مواقفه ولو مرة طوال الأعوام التالية وحتى نهاية الحرب واندحار النازية، حتى إن كان لم يفُتْه أن يتحسر بين الحين والآخر على مصير فورتفانغلر الذي تأرجح بين السجن والمحاكم ولعنات التاريخ، وحتى إن لم يتوقف عن "الزعم" طوال السنوات الأخيرة من حياته، بأن غاياته كانت فنية و"إنقاذية" لا أكثر.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة