Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نينو روتا في حياته "المجهولة"

عاش موسيقياً خارج السينما قبل ارتباطه بفلليني حيث موسق إنجازات "المايسترو" إلى درجة نسي معها الجميع معظم أوبراته الكبرى

نينو روتا (1911 - 1979) (غيتي)

ملخص

في ذلك الحين كان المسرح الأوبرالي الهزلي يحتضر لمصلحة طغيان الكوميديا الموسيقية الآتية من برودواي مدعومة باقتباسات سينمائية رائعة. وكان روتا من قلب الآية، مما يدفعنا إلى القول إنه هنا، في خضم تلك الوضعية الأقرب إلى الاحتضار، يكمن إنجاز روتا "الما - قبل - سينمائي".

منذ رحل نينو روتا عن عالمنا في عام 1979، أي قبل سنوات من رحيل ذلك السينمائي الكبير الذي ارتبط اسمه به وباتت موسيقاه جزءاً من عالمه السينمائي الكبير، فدريكو فلليني، بات من المستحيل أن يذكر روتا من دون أن تذكر علاقته الفنية والرفاقية مع صاحب "فلليني روما" و"أبحرت السفينة" وغيرها من شامخ فن السينما الإيطالية.

لقد ارتبط الاسمان ترابطاً لا ينفصم. ومن هنا إذا كان روتا قد خرج من الحياة العملية ليدخل عالم الأسطورة منذ ذلك الحين، فإنه لم يدخلها إلا بوصفه الأنا/ الآخر الموسيقي للمايسترو. هو الذي رضي على أي حال بأن يلعب ذلك الدور الذي أسبغ عليه شهرة عالمية مما كان من شأنه أن يحظى بها لولا الموسيقى التي كتبها لأعمال فللينية من طينة "لا سترادا" و"الحياة اللذيذة" وغير ذلك من أفلام عرف كيف يموسقها بصورة جعلت ألحانه لها جزءاً من بنيتها العضوية، لا مجرد استكمال ميلودي لها، وآية ذلك أنه ندر لهاوٍ موسيقي حقيقي أن يتذكر مشهداً من فيلم "لا سترادا" ("الطريق") على سبيل المثال، من دون أن يجد نفسه مغموراً بلحن الكلارينيت المعبر عن شجن "جلسومينا" لحظة تخلي حبيبها الأرعن "زامبانو" عنها.

ومع ذلك ومنذ سنوات، في غمرة تكريمات لا تنتهي لنينو روتا واستذكاره في مناسبات تتوالى، لا يعدم الأمر أن يطلع من يذكرنا بأن "روتا لم يكن صناعة فلليني، بل كان فناناً كبيراً ومبدعاً استثنائياً حتى قبل تعرفه على المايسترو بزمن طويل"، وأن الأقرب إلى الحقيقة هو أن فلليني وجد روتا جاهزاً للتعاون معه من موقع الند للند منذ لجأ إليه للمرة الأولى ليكتب له موسيقى فيلمه الأول "الشيخ الأبيض" ليقول لنا بعد ذلك إنه حين فاتحه بالأمر كان يرتجف خوفاً من "أن يرفض الموسيقي الكبير طلبي".

طريق مستحيل

لكن "الموسيقي الكبير" لم يرفض. بل تعامل مع المخرج الناشئ الشاب بكل تواضع وأريحية تعاوناً دام طويلاً، بل شمل سينمائيين إيطاليين كباراً آخرين على رأسهم لوكينو فيسكونتي الذي لن ينسى أحد الموسيقى التي وضعها له لما لا يقل عن فيلمين كبيرين من أفلامه، "روكو وإخوته" ثم بالتأكيد، التحفة التي لا تنسى، "الفهد" عن رواية دي لامبيدوزا ومن تمثيل بيرت لانكاستر وكلوديا كاردينالي وآلان ديلون.

 

ومرة أخرى لا بد أن نذكر هنا أن نينو روتا، عندما بدأ خطواته الأولى في عالم الموسيقى السينمائية، كان يحقق في الوقت ذاته إنجازاً تاريخياً في عالم الموسيقى. إنجازاً من الطريف أنه حمل عنواناً شديد البساطة يبدو عادياً للوهلة الأولى، ولا علاقة له بالسينما، بل بالمسرح. وتحديداً بالمسرح الغنائي القريب من الأوبرا الهزلية التي كانت تلفظ أنفاسها في ذلك الحين: كان العنوان "قبعة قش من إيطاليا"، وهو كما لا يخفى علينا، العنوان الذي تحمله واحدة من أشهر هزليات الكاتب الفرنسي أوجين لابيش، تلك التي لفت العالم وباتت منذ عقود في ذلك الحين واحدة من لزوميات المسرح الهزلي في أي بلد من بلدان العالم وفي كل زمن من أزمنته (وهي وصلت كما نعرف إلى اللبناني شوشو ومسرحه الشعبي في حقبة ازدهاره الكبرى، في سنوات الـ60).

في ذلك الحين كان المسرح الأوبرالي الهزلي يحتضر لمصلحة طغيان الكوميديا الموسيقية الآتية من برودواي مدعومة باقتباسات سينمائية رائعة. وكان روتا من قلب الآية، مما يدفعنا إلى القول إنه هنا، في خضم تلك الوضعية الأقرب إلى الاحتضار، يكمن إنجاز روتا "الما - قبل - سينمائي". وكان عنوانه على أي حال بالغ الشعبية ولكن في مضمار غير المضمار الذي خاضه الموسيقي الذي كان حينها قد بلغ الـ44 من عمره، ولا يزال يبحث عن طريق ما يساير مواهبه في عالم الموسيقى. كان المضمار مسرحياً لكن روتانا خاض المغامرة رغم نصائح أصدقائه مؤكدين له أن النوع الذي يخوضه انتهى.

حياة جديدة

ربما يكون ما قالوه له صحيحاً. لكنه تعنت وقرر خوض المغامرة. وهكذا ولدت على يديه وتحديداً في مدينة باليرمو، البعيدة جداً من مسقط رأسه ميلانو، تلك الأوبرا الهزلية التي اقتبسها من مسرحية لابيش محولاً اسمها بعض الشيء ليصبح "قبعة قش من فلورنسا"، ليقدم العرض الأول ذات يوم وكل الذين حوله مشفقون عليه متنبئين له بالفشل.

والأدهى من ذلك أن الموسيقي الذي كان عليه، في الأقل، أن يسير على خطى النوع الجديد المستورد من برودواي ممتزجاً مع ما هو آت من هوليوود، آثر بدلاً من ذلك، أن يغوص في الموسيقى الهزلية الإيطالية، أي تلك التي كان أصدقاؤه يؤكدون له أنها لم تعد تصلح إلا لتوضع في المتاحف، "لقد انتهى زمن إنجازات بوتشيني وروتسيني الكبرى في هذا المجال، بل حتى إنجاز فيردي الكبير في (فالستاف) عفا الدهر عليه" أكدوا له وهم يتأملون عناده بإشفاق، لكنهم سرعان ما سيبدون مخطئين جميعاً ويظهر نينو روتا منذ العرض الأول في باليرمو وكأنه هو الذي كان على حق. وأن الجمهور العريض، الجمهور الذي يفهم الفن متعة ودرساً أخلاقياً في وقت واحد، لا يمكنه إلا أن يتذوق الفن البديع حين يقدم إليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدا واضحاً منذ تلك الأمسية أن ما يقدمه الموسيقي الأربعيني فن حقيقي ورائع ويصل مباشرة إلى شغاف القلوب. وذلك منذ النوتات الافتتاحية الأولى التي لن يفوت المتفرجون أن يلمحوا من خلالها أولى نوتات يعرفونها من "عرس فيغارو" أو حتى "حلاق إشبيليا" العملين اللذين خطرا في البال على اعتبار أن "قبعة القش" إنما تأتي لتستكمل معهما ثلاثية عابرة للأزمنة.

ولادة غير متوقعة

بل كان ثمة من بين النقاد من سيذكر بكل ثقة في اليوم التالي لذلك العرض، كيف أن هذا الأخير قد نقل إلى المتفرجين شعوراً بأنهم أمام عرض سينمائي بقدر ما هم أمام خشبة مسرح غنائي. ولا شك أن هذه الإشارة عرفت في لحظتها كيف تصل إلى فدريكو فلليني.

ومن هنا ما سيبدو واضحاً من أن نينو روتا لم يكسب في تلك اللحظة رهانه المبدئي، بل أكثر من ذلك: خلق ذلك الاهتمام من السينمائيين الأكثر وعياً في إيطاليا، بأهمية الموسيقى السينمائية. وذلك بدءاً، إذاً، من فلليني الذي كان، في الوقت ذاته يبحث عن جديد يدخله في عالم السينما، الجديد عليه هو الآخر. وهكذا التقت الموهبتان، والتقى النوعان الفنيان ليتوحدا، تحديداً لدى كبار السينمائيين، في إيطاليا وخارجها، إلى درجة لن يكون غريباً معها أن ذلك "اللقاء" سوف يبدو جديداً حتى في هوليوود نفسها مع أن هذه الأخيرة كانت تعرفه منذ أزمنة مبكرة.

 

لكن، بما أن الموضة هي الموضة، وكبار الهوليووديين يعيشون ظمأ دائماً لكل ما يأتي من أوروبا والحواضر السينمائية فيها، كان لا بد لذلك المستورد الأوروبي من أن يعود مرة أخرى سالكاً طريق هوليوود - روما أو هوليوود - باريس، لتعيش الموسيقى السينمائية المتجددة الحضور، تلك الحياة الجديدة التي كان من بين أوهامها، أن كبيراً من طينة نينو روتا، ثم إينيو موريكوني (في تحف سيرجيو ليوني على الأقل) وبينهما الفرنسي موريس جار (في أضخم أعمال دافيد لين من "لورانس" إلى "دكتور جيفاغو")، كان من نتاجاتها، غير أن نموذج روتا الذي يبدو لنا الأكثر فصاحة، يأتي هنا ليذكرنا بأن السينما اتكلت على مبدعي الموسيقى لتبني جزءاً من كينونتها وليس العكس. وما هذا سوى درس عميق لا ينبغي تناسيه، في التأريخ الحقيقي للفنون، على أي حال.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة