ملخص
يدخل المشهد السياسي في ليبيا اختباراً حاسماً مع بدء مهلة الـ30 يوماً الممنوحة لمجلسي النواب والأعلى للدولة لاعتماد اتفاق لجنة الحوار المصغرة "4+4"، وسط تباين واضح في مواقف المؤسستين، إذ يلتزم عقيلة صالح موقفاً محتاطاً يربط التوافق بالإعلان الدستوري، بينما يشهد مجلس الدولة انقساماً بين رفض رئيسه محمد تكالة وتأييد أعضاء آخرين للوثيقة. وفي حال انقضاء المهلة من دون اعتماد رسمي، تبرز "الآلية الوطنية الموسعة" كخيار بديل ترعاه بعثة الأمم المتحدة لحشد القوى الاجتماعية والسياسية وتجاوز الرفض المؤسسي، وسط لوحات ضغط قد تنتقل إلى مجلس الأمن الدولي لوضع المعرقلين تحت طائلة العقوبات وضمان العبور نحو الانتخابات.
بين توقيع الاتفاق النهائي للجنة "4+4" وانقضاء مهلة الـ30 يوماً الممنوحة لمجلسي النواب والدولة لاعتماده، تدخل الأزمة الليبية اختباراً جديداً ربما يكون أكثر حساسية من الاتفاق نفسه.
فالمسألة لم تعُد محصورة في مضمون القوانين الانتخابية أو إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بل انتقلت إلى سؤال أكبر يتعلق بمصدر الشرعية، ماذا يحدث إذا رفض المجلسان الاتفاق؟ وهل تستطيع بعثة الأمم المتحدة، عبر آلية وطنية موسعة وبدعم من مجلس الأمن، تمرير تسوية لم تمنحها المؤسسات الليبية القائمة موافقتها؟
الاتفاق الذي خرجت به لجنة الحوار المصغرة يستهدف استكمال أولى خطوات خريطة الطريق السياسية، من خلال معالجة الملفات الخلافية المرتبطة بالقواعد الانتخابية وإدارة الاستحقاق المقبل، وصولاً إلى انتخابات رئاسية وتشريعية وإنهاء المراحل الانتقالية.
لكن الوثيقة وضعت في الوقت ذاته مساراً بديلاً في حال تعثر اعتمادها، مما يحوّل مهلة الشهر من مجرد إجراء شكلي إلى فاصل بين مسارين، الأول يمر عبر المؤسستين التشريعيتين القائمتين، والثاني قد ينتقل إلى فضاء أوسع تتولى فيه البعثة الأممية البحث عن شرعية سياسية بديلة.
غموض في موقف البرلمان
في الشرق، حتى الآن لا يبدو أن مجلس النواب أغلق الباب نهائياً أمام الاتفاق، لكنه لم يمنح ضوءاً أخضر نهائياً لتنفيذه، فرئيس المجلس عقيلة صالح أبدى تأييده للمبادرات التي تقود إلى الانتخابات، لكنه ربط الموقف النهائي بما يقرره النواب عند عرض الاتفاق عليهم، مشدداً على "ضرورة توافق أية ترتيبات جديدة مع الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي"، وهو موقف يمنح المجلس مساحة واسعة للمناورة، فلا يرفض الوثيقة بصورة مسبقة، لكنه لا يمنحها كذلك تفويضاً مفتوحاً.
هذا الغموض في حسم الموقف النهائي من الاتفاق قبل التصويت عليه تحت قبة البرلمان برز في تصريحات بعض أعضائه، إذ قال النائب سعيد مغيب إن "التوقيع خطوة لكن التنفيذ هو الاختبار الحقيقي، فاتفاق 4+4 الذي تم التوقيع عليه أخيراً لا يزال يحمل بعض الغموض، وهذا أمر طبيعي، ويفتح الباب أمام الاجتهاد والتفسيرات، بين من يراه خطوة مهمة نحو الحل، ومن يتخوف من صعوبة تنفيذه أو من عدم الوصول إلى النتائج المرجوة منه".
وتابع "إذا نُفذ الاتفاق بجدية ووفق ما جرى التفاهم عليه، فستكون تلك خطوة إيجابية يمكن أن يستفيد منها الجميع، وقد تفتح الطريق أمام توحيد مؤسسات الدولة والوصول إلى الانتخابات، أما إذا تعثر التنفيذ أو لم يتم التزام ما اتُفق عليه، فإن واقع مناطق سيطرة القيادة العامة للجيش والحكومة المنبثقة من مجلس النواب لن يتغير، وستبقى الترتيبات القائمة على الأرض حاضرة إلى أن تتوافر ظروف سياسية جديدة تسمح بتغيير حقيقي وشامل".
انقسام في مجلس الدولة
أما المجلس الأعلى للدولة، فتبدو الصورة داخله أكثر تعقيداً، إذ إن رئيس المجلس محمد تكالة أبدى اعتراضات على المسار وطريقة إنتاج الاتفاق صراحة، واتخذ موقفاً متحفظاً من الاجتماع المصغر ومخرجاته ورفض حتى التوقيع المبدئي عليها.
في مقابل هذا الاتجاه، برزت أصوات داخل المجلس تدفع نحو قبول المخرجات وعدم إهدار فرصة سياسية جديدة، ودعا عضو مجلس الدولة منصور الحصادي، مجلسي النواب والدولة إلى "التعاطي الإيجابي واعتماد الاتفاق النهائي للجنة الحوار المصغرة"، مطالباً المجلسين في الوقت نفسه بإلزام البعثة الأممية استكمال الخطوات التأسيسية لخريطة الطريق وفق "توافق وطني واسع ومسار شفاف وجدول زمني ملزم".
ويرى المحلل السياسي أكرم الشلماني أن "تباين المواقف في مجلس الدولة يكشف عن أنه قد لا يدخل جلسة الحسم بكتلة سياسية واحدة، فبين تيار يشكك في شرعية المسار وآليات عمل اللجنة، وآخر يرى أن الاتفاق يمكن أن يشكل مدخلاً للخروج من الجمود إذا جرى تحصينه بضمانات وجدول زمني، يمكن أن تتحول مهلة الـ30 يوماً إلى معركة داخل المجلس على بناء الغالبية المطلوبة لاعتماد الاتفاق".
الخطة البديلة
وبحسب بنود الاتفاق الذي وقع قبل أيام، إذا انقضت مهلة الشهر من دون اعتماد الاتفاق، تبدأ المنطقة الأكثر ضبابية في خريطة الطريق اعتماد "الآلية الوطنية الموسعة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهذه الفكرة تقوم على الانتقال من التفاوض بين مؤسسات سياسية محددة إلى إطار أوسع يضم قوى سياسية واجتماعية وأمنية وربما بلديات وأحزاباً وشخصيات وطنية ومكونات شبابية ونسائية، بهدف صناعة كتلة وطنية مؤيدة للمضي نحو الانتخابات.
الشلماني يعلق على الغموض الذي يحيط بهذه الآلية البديلة، قائلاً إن "المعضلة الأساسية ستكون في السؤال عن مصدر صلاحيات هذه الآلية، فقد يكون التمثيل داخلها أكثر اتساعاً من مجلسي النواب والدولة، لكنها لا تتمتع تلقائياً بسلطة دستورية تمكنها من تعديل القوانين أو إلغاء اختصاصات المؤسسات القائمة، ومن هنا يمكن أن تنتقل الأزمة من الخلاف حول اتفاق 4+4 إلى خلاف جديد حول من يملك حق اعتماد الاتفاق".
ويشير إلى أن "التمثيل السياسي الواسع يمنح الآلية قوة سياسية، لكنه لا يحسم بصورة تلقائية المسألة القانونية، مما يجعل تصميمها وطريقة اختيار أعضائها وطبيعة القرارات الصادرة عنها عناصر حاسمة في تحديد فرص نجاحها".
مواجهة خيارات صعبة
من جهته يتخوف الصحافي الليبي سراج الفيتوري من أن "تجد بعثة الأمم المتحدة نفسها، إذا رفض المجلسان الاتفاق، أمام معادلة شديدة الحساسية، فإذا تراجعت عن المضي في المسار، فإنها تمنح المجلسين عملياً حق النقض على خريطة الطريق بأكملها، وربما تعيد العملية السياسية لنقطة الصفر، أما إذا تجاوزتهما، فستواجه اتهامات بأنها تحاول إنتاج شرعية سياسية من خارج المؤسسات الليبية، وهو اعتراض يتكرر كلما حاولت الأمم المتحدة إنشاء أجسام أو آليات سياسية جديدة لمعالجة حال الانسداد".
وقال "من هنا قد يكون السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استخدام ’الآلية الوطنية الموسعة‘ ليس كبديل مباشر وفوري للمجلسين، بل كورقة ضغط سياسية عليهما، فكلما اتسعت دائرة المؤيدين للاتفاق داخل الأحزاب والمجتمع المدني والبلديات والقوى المؤثرة على الأرض، ارتفعت الكلفة السياسية لرفضه، وأصبح بإمكان البعثة القول إن مؤسسات المرحلة الانتقالية هي التي تمنع الوصول إلى الانتخابات".
ورقة مجلس الأمن
أما إذا تعذر الحل داخلياً، فيرجح الفيتوري أن "ينتقل الملف إلى المستوى الدولي، تحديداً إلى مجلس الأمن، ومن المحتمل أن يكون الهدف الأول من نقل الاتفاق إلى المجلس الحصول على دعم سياسي دولي صريح لمخرجات ’4+4‘ وخريطة الطريق ومطالبة الأطراف الليبية بعدم تعطيل تنفيذها، ويمكن لمجلس الأمن أن يذهب أبعد من ذلك عبر التلويح بإجراءات ضد الأطراف التي يعتبرها معرقلة للعملية السياسية أو الانتخابات، بما في ذلك العقوبات الفردية مثل تجميد الأصول وحظر السفر".
والذهاب في هذا المسار، بحسب الفيتوري، يطرح عند اللجوء إليه سؤالاً قانونياً وسياسياً، هل يستطيع مجلس الأمن أن يمنح الاتفاق شرعية لا تمنحه إياها المؤسسات الليبية؟ ويوضح أن "الإجابة تختلف بين مستويين، فعلى المستوى الدولي يستطيع المجلس توفير غطاء سياسي قوي للاتفاق وحشد الاعتراف الدولي بالمؤسسات والترتيبات التي قد تنتج منه، لكن على المستوى الداخلي لا يعني ذلك بالضرورة إزالة الاعتراضات الدستورية أو إجبار المؤسسات الليبية بصورة عملية على تنفيذ كل بنوده".