ملخص
تكشف مجموعة من الوثائق الأميركية التي رفعت عنها السرية كيف راقبت الاستخبارات الأميركية صعود الإمام موسى الصدر قبل اختفائه، فرأت فيه عام 1975 زعيماً شيعياً يتمتع بـ"استقلال سياسي". وبعد اختفائه في ليبيا عام 1978، تغيرت لغة التقارير تدريجاً، من وصفه بـ"المفقود"، إلى الحديث عن اختفاء "لم يُفسر بالكامل".
في الـ31 من أغسطس (آب) 1978، اختفى رجل الدين الشيعي اللبناني موسى الصدر في ليبيا ومعه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، ومنذ ذلك اليوم لم يظهر دليل حاسم يجيب عن السؤال الذي رافق القضية لنحو نصف قرن: ماذا جرى للثلاثة بعد آخر ظهور معروف لهم في طرابلس؟
الرواية الليبية قالت إنهم غادروا إلى روما، فيما لم تثبت السلطات الإيطالية وصولهم، لتتحول الرحلة إلى واحد من أكثر ألغاز الشرق الأوسط استعصاءً.
في ملف الصدر وطوال 48 عاماً، بقي السؤال الأهم واحداً وهو ماذا حدث في ليبيا في الأيام الأخيرة من أغسطس (آب) 1978؟ لكن ثمة سؤالاً آخر ظل أقل حضوراً وفيه ماذا كانت تعرف الولايات المتحدة عن الرجل قبل اختفائه، وكيف قرأت الاستخبارات الأميركية مصيره بعد ذلك؟
الإجابة لا تقدمها وثيقة أميركية واحدة، ولا تحمل الأوراق الأميركية التي رفعت عنها السرية حتى الآن رواية حتى مبدأية لما جرى في طرابلس، ولا دليلاً منشوراً يحسم كيف انتهت رحلة الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. لكنها، حين تقرأ بترتيبها الزمني، ترسم مساراً لافتاً في نظرة أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى الرجل الذي لعب دوراً بارزاً في مرحلة حساسة ومصيرية من تاريخ لبنان.
وفي ذكرى اختفائه، تنشر "اندبندنت عربية" أبرز ما جاء في الوثائق الأميركية التي رفعت السرية عنها تباعاً وتذكر الصدر وإن بشكل مقتضب وعلى مراحل متفرقة، قبل اختفائه وبعده.
زعيم الطائفة الشيعية اللبنانية الذي يتمتع باستقلال سياسي
في عام 1975، قبل اختفائه بثلاثة أعوام، لم يكن موسى الصدر بالنسبة إلى واشنطن مجرد رجل دين يتقدم داخل الطائفة الشيعية. كانت وكالة "الاستخبارات المركزية الأميركية" تنظر إليه بوصفه زعيم الطائفة الشيعية اللبنانية الذي يتمتع باستقلال سياسي، بل وضعته إلى جانب الزعيم السني ورئيس الحكومة السابق رشيد كرامي والزعيم الدرزي الذي ناصر الفلسطينيين كمال جنبلاط عند دراسة الشخصيات التي قد تهيمن على سلطة لبنانية بديلة في حال انهيار النظام القائم.
في 25 مايو (أيار) 1975، وفيما كان لبنان يدخل سريعاً في المجهول، بعد أسابيع من اندلاع الحرب الأهلية (1975 – 1990)، كان القلق في واشنطن يتزايد من أن يتحول الانفجار اللبناني إلى أزمة إقليمية.
في ذلك اليوم، رفع مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك وليام كولبي مذكرة استخباراتية بعنوان "آفاق لبنان" إلى هنري كيسنجر، الذي شغل حينها منصب مساعد الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي".
صنفت الوثيقة على أنها مذكرة إنذار استخباراتي، وفيها حذرت "السي آي أي" من أن الصراعات الداخلية اللبنانية وصلت إلى مستوى خطر يحمل تداعيات محتملة على المنطقة، وسط هذا المشهد ظهر اسم موسى الصدر.
كانت حكومة نور الدين الرفاعي تواجه معارضة شديدة، ودرست الوكالة الأميركية الأوراق التي يمكن لرئيس الحكومة العسكرية استخدامها للخروج من المأزق. وهنا سجلت الوكالة ملاحظة بالغة الدلالة عن الصدر، إذ أتى في نص الوثيقة "الرفاعي سيحاول الاستفادة من الوضع السياسي الصعب الذي يواجهه ياسر عرفات (الزعيم الفلسطيني)، ومن شعور حزب الكتائب (الحزب المسيحي الأقوى حينها) بالنصر، وكذلك من الاستقلال السياسي لزعيم الطائفة الشيعية في لبنان الإمام موسى الصدر، بهدف تفكيك جبهة المعارضة والحصول على قبول، ولو على مضض، بحكومته".
وهنا اختيار عبارة "الاستقلال السياسي" لم يكن تفصيلاً في نص المذكرة الأميركية، إذ كان الصدر لاعباً يمتلك هامشاً سياسياً خاصاً به، يمكن أن يجعله قابلاً للتحرك بصورة مستقلة عن بقية القوى المعارضة.
الصدر زعيم قد يتولى حكومة يسارية
كذلك تذهب الوثيقة نفسها أبعد من ذلك. إذ وفي معرض سردها للأخطار المحدقة بالبلاد، وتحديداً احتمال سقوط نظام الحكم اللبناني التقليدي، حاول محللوها رسم صورة لما يمكن أن يحل محله، وقد قدرت الوكالة أنه في حال تم إسقاط النظام القائم في بيروت، فإن الاحتمال الأرجح سيكون ظهور حكومة يسارية يغلب عليها المسلمون، أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين وما وصفته الوثيقة بـ"الدول العربية الراديكالية".
وأتى في النص "يمكن أن تهيمن على حكومة يسارية شخصيات متباينة مثل رئيس الوزراء السابق رشيد كرامي، والزعيم الاشتراكي كمال جنبلاط، أو الإمام الشيعي موسى الصدر".
إذاً في حسابات الاستخبارات الأميركية، كان الصدر في ربيع 1975 قد أصبح شخصية من الحجم الذي يجعل اسمه يظهر إلى جانب كرامي وجنبلاط عند رسم سيناريوات من قد يتصدر السلطة إذا انهار النظام اللبناني التقليدي.
وقدرت الوثيقة أن حكومة كهذه ستكون مرشحة لاعتماد سياسة خارجية "أقل تأييداً للغرب والولايات المتحدة" من النهج التقليدي للبنان. لكن التقرير لم ينسب هذا الموقف إلى الصدر شخصياً، بل إلى طبيعة الحكومة المفترضة ككل.
وهكذا، قبل اختفائه بثلاثة أعوام، كانت صورة الصدر في الملفات الأميركية واضحة إلى حد بعيد، إذ نظرت إليه على أنه زعيم شيعي مستقل، يمتلك ثقلاً يتجاوز طائفته، واسم لا يمكن تجاهله عند التفكير في مستقبل السلطة اللبنانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
1978: الرحلة التي بقيت تفاصيلها غامضة
في الـ31 من أغسطس 1978 اختفى الإمام موسى الصدر ورفيقاه خلال زيارة إلى ليبيا، ومن هنا تتغير طبيعة الوثائق الأميركية التي بين أيدينا. فالرجل الذي كانت "السي آي أي" تدرس قبل ثلاثة أعوام موقعه في المعادلة السياسية اللبنانية أصبح موضوعاً مختلفاً تماماً، وحوله سؤال واحد "أين أصبح موسى الصدر؟".
ولا تقدم الوثائق التي راجعتها "اندبندنت عربية" حتى الآن برقية أميركية من الأيام الأولى للاختفاء تجيب عن السؤال. لذلك لا يمكن استنتاج ما عرفته واشنطن في الساعات أو الأسابيع الأولى من القضية، لكن الأوراق اللاحقة تكشف كيف أخذ التقدير الأميركي يتشكل.
فبعد أقل من ثلاثة أعوام على اختفائه، ظهر الصدر في وثيقة ذات مستوى أمني أعلى بكثير.
تحديداً في يونيو (حزيران) 1981، أعدّ المركز الوطني للتقييمات الخارجية ورقة بحثية بعنوان "معارضو العراق"، وكانت مصنفة "سري للغاية"، والنسخة التي رفعت عنها السرية من هذه الوثيقة لا تكشف سوى جزء من التقرير، فيما تشير إحدى صفحاتها إلى حجب 19 صفحة إضافية عن النشر.
موسى الصدر لم يكن موضوع التقرير، أقله في الجزء الذي رفعت عنه السرية ولم يحجب، لكن اسمه ظهر عند الحديث عن شبكة علاقات شخصيات المعارضة الشيعية العراقية.
وفي معرض الحديث عن المرجع الديني الشيعي في العراق محمد باقر الحكيم، سجل التقرير أن الأخير كانت له علاقات وثيقة بـ"الزعيم الديني الشيعي اللبناني المفقود موسى الصدر"، وهنا كانت هذه اللغة التي كانت تستخدمها الوثيقة الأميركية في التعريف عن الصدر، مفقود ولا قتيل أو مغتال، فيما لم يبرز أي ترجيح معلن لمصيره في هذه الورقة.
اختفاء لم يفسر بالكامل
ثم بعد عام واحد، أصبحت اللغة الأميركية أكثر تحديداً.
ففي أغسطس 1982 أصدرت مديرية الاستخبارات في CIA تقييماً استخباراتياً مصنفاً سرياً بعنوان "لبنان: الطائفية... قوة فاعلة"، فيه لم يرد الصدر عرضاً، بل ضمن تحليل تفصيلي للتحولات التي شهدها المجتمع الشيعي اللبناني.
وقال التقييم الأميركي إن المجتمع الشيعي بدأ خلال العقد السابق يدرك تدريجاً قدراته على التأثير في التطورات اللبنانية والإقليمية، وربط هذا التحول ببروز الإمام موسى الصدر، واصفاً إياه بأنه زعيم ديني ومن دعاة النهوض الذاتي للشيعة، وبدأ توحيد المجتمع الشيعي وتعبئته في أواخر الستينيات.
وسجلت الوثيقة تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1969، ثم "حركة المحرومين"، في سياق تحول الصدر إلى أحد أبرز محركات التعبئة السياسية الشيعية.
لكن بعد ذلك تأتي العبارة المتعلقة بليبيا، إذ يذكر النص "اختفاء موسى الصدر في أغسطس 1978 أثناء زيارته ليبيا – والذي لم يُفسر بالكامل قط – وفر نقطة تجمع للطائفة الشيعية ومحفزاً إضافياً للتعبئة السياسية".
والخلاصة الأقوى من هذا المقطع الصغير أنه بعد أربعة أعوام إذاً كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تحدد مكان الاختفاء بوضوح وهو ليبيا، لكنها لا تقول في هذه الوثيقة إن الصدر قتل، ولا تحمل الزعيم الليبي معمر القذافي المسؤولية عنه.
وفي جدول منفصل للقوى السياسية اللبنانية عام 1981، ضمن الوثيقة نفسها، وضعت الوكالة تحت حركة "أمل" عبارة "الإمام موسى الصدر، مفقود منذ سبتمبر 1978".
وهنا ثمة اختلاف صغير داخل الوثيقة نفسها يستحق التسجيل، إذ إن متن التقييم يحدد الاختفاء في أغسطس 1978، بينما يستخدم الجدول عبارة "مفقود منذ سبتمبر 1978". ولا تقدم الوثيقة تفسيراً لهذا التفاوت، لذلك لا يمكن البناء عليه للقول إن لدى معلومة عن بقاء الصدر حتى سبتمبر، لكنها ملاحظة تستحق أن نتوقف عندها.
من "المفقود" إلى "الاغتيال المرجح"
هنا لربما نصل إلى النقطة الأكثر أهمية في تتبع القراءة الأميركية. ففي وثيقة صدرت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1984 بعنوان "لبنان: آفاق الطائفة الشيعية"، وتحمل التصنيف رقم CIA-RDP85T00314R000300050006-9، تذكر عبارة لافتة مرتين وهي "انهار التضامن الشيعي مع اختفاء الزعيم الشيعي الكاريزماتي الإمام موسى الصدر، واغتياله المرجح في ليبيا عام 1978".
وفي مقطع آخر يذكر نص الوثيقة "عام 1969 وحتى اختفائه واغتياله المرجح في منتصف عام 1978، نجح الصدر في حشد السكان الشيعة في لبنان وتحويلهم إلى قوة سياسية".
إذاً بحلول عام 1984، كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد انتقلت في توصيفها لمصير الصدر إلى الحديث صراحة عن "اختفائه واغتياله المرجح في ليبيا عام 1978"، من دون نشر تفاصيل تؤكد الأمر أو الجهة التي تقف وراء عملية القتل والاغتيال.