ملخص
تكشف مصادر مقربة من رئيس الجمهورية أن للتأجيل وجهين لا وجهاً واحداً. الأول شكلي بروتوكولي: فعندما اقترح الجانب الإسرائيلي يومي الـ15 والـ16 من سبتمبر موعداً للجولة، أبلغ الرئيس عون وزارة الخارجية الأميركية رفضه لهذا التوقيت، كونه يتعارض مع مؤتمر باريس ويحول دون متابعته المفاوضات من قصر بعبدا كما جرت العادة في الجولات السابقة، بينما هو في فرنسا. وقد تفهم الجانب الأميركي هذه الملاحظة، وطُرحت فكرة تحديد موعد جديد يلي مؤتمر باريس واستحقاقات الجمعية العامة. أما الوجه الثاني، وهو الأهم، فمرتبط مباشرة بالوضع الميداني: استمرار الخروقات الإسرائيلية والتفجيرات على الأرض جعل من غير المقبول لبنانياً الذهاب إلى طاولة تفاوض، بينما إسرائيل تواصل اعتداءاتها من دون رادع.
في زيارة مفاجئة إلى مدينة النبطية، حرص الرئيس اللبناني جوزاف عون على توجيه رسالة سياسية مزدوجة، فيها طمأنة لأهالي الجنوب الذين يعيشون تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي المتواصل، وتوضيح لموقف الدولة من مسار التفاوض مع إسرائيل. فقد أكد الرئيس، بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل وقادة الأجهزة الأمنية، أنه "لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الراهن"، مشدداً على أن أي مسار تفاوضي مقبل يبقى مرتبطاً بموقف الدولة اللبنانية وسيادتها الكاملة. وربط عون، في تصريحه المقتضب، استمرار أي تفاوض بتحقيق ثوابت وطنية ثلاثة لا تراجع عنها: الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة الأسرى والنازحين، وإعادة إعمار الجنوب.
كلام الرئيس عون جاء في وقت حساس يتقاطع فيه المسار الدبلوماسي المتعثر مع تصعيد ميداني غير مسبوق منذ اتفاق الإطار، وقد ترافق مع معلومات عن تأجيل الجولة الثامنة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي كان مزمعاً عقدها في سبتمبر (أيلول) الجاري، وسط تضارب في قراءة أسباب التأجيل بين من يعدها شكلية لها علاقة بالتضارب في المواعيد بين مؤتمر باريس والجمعية العامة للأمم المتحدة وأعياد دينية إسرائيلية، وبين آخرين يرون أن التعثر في تطبيق ما اتُّفق عليه وعدم الرهان على تقدم جديد هما السببان الحقيقيان.
الجولة الثامنة إلى أكتوبر لكن لا موعد بعد
تزامن كلام الرئيس جوزاف عون بأنه "لا مفاوضات جديدة في الوقت الراهن" مع إعلان مسؤول أميركي تأجيل الجولة الثامنة من المحادثات اللبنانية –الإسرائيلية، التي كانت مقررة الأسبوع المقبل في روما، إلى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لأسباب لوجيستية، كما قال. وبحسب مصادر دبلوماسية في واشنطن، فإن أسباب التأجيل شكلية في ظاهرها، وترتبط بتضارب المواعيد المقترحة مع استحقاقات يتابعها لبنان حالياً: أولها المؤتمر التحضيري لدعم الجيش المقرر انعقاده في باريس في الـ16 من سبتمبر الجاري بحضور رئيس الجمهورية وبمشاركة أميركية، وهو الموعد نفسه الذي كان الجانب الإسرائيلي قد اقترحه لجولة روما الثامنة، قبل أن يرفضه لبنان. وتعذر اعتماد الأسبوع الأخير من سبتمبر بديلاً، بسبب انشغال عدد من المعنيين بالمفاوضات بأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تنطلق في الـ21 منه في نيويورك، إضافة إلى انشغال الجانب الإسرائيلي بأعياد دينية. وعلى هذا الأساس، يسري الحديث عن تأجيل جولة روما الثالثة إلى بداية أكتوبر، علماً أن الموعد النهائي لم يُحسم بعد.
وأوضحت المصادر نفسها أن وزارة الخارجية الأميركية استدعت سفيرة لبنان ندى حمادة معوض وسفير إسرائيل يحيئيل ليتر في واشنطن لعقد اجتماع، تفادياً لأي تفسير سلبي وتأكيداً على أن المفاوضات مستمرة ولم تنقطع، وإن على مستوى مختلف. وأبلغت الوزارة السفيرين بعقد اجتماع يُحدد موعده الإثنين المقبل، على أن يتقرر حينها إن كان الاجتماع افتراضياً أو حضورياً. ولن يمثل هذا الاجتماع، برعاية أميركية، جولة تفاوض جديدة بين السفيرين، بل هو بمثابة اجتماع تقني قد يُتفق خلاله على موعد الجولة المقبلة من المفاوضات في روما. إلا أن المصادر أكدت أن السفيرين سيستكملان بحث النقاط العالقة من اتفاق الإطار، وفي مقدمها المناطق التجريبية والجهة التي ستُكلف التدقيق في تنفيذ خلوها من السلاح، فضلاً عن ملف ما بعد "اليونيفيل" والورقة المقترحة من إيطاليا وفرنسا وسبل دمجها مع اتفاق الإطار، وسائر المواضيع الأخرى ذات الصلة.
رسالة ضغط لبنانية
في المقابل، تكشف مصادر مقربة من رئيس الجمهورية أن للتأجيل وجهين لا وجهاً واحداً. الأول شكلي بروتوكولي: فعندما اقترح الجانب الإسرائيلي يومي الـ15 والـ16 من سبتمبر موعداً للجولة، أبلغ الرئيس عون وزارة الخارجية الأميركية رفضه لهذا التوقيت، كونه يتعارض مع مؤتمر باريس ويحول دون متابعته المفاوضات من قصر بعبدا كما جرت العادة في الجولات السابقة، بينما هو في فرنسا. وقد تفهم الجانب الأميركي هذه الملاحظة، وطُرحت فكرة تحديد موعد جديد يلي مؤتمر باريس واستحقاقات الجمعية العامة. أما الوجه الثاني، وهو الأهم، فمرتبط مباشرة بالوضع الميداني: استمرار الخروقات الإسرائيلية والتفجيرات على الأرض جعل من غير المقبول لبنانياً الذهاب إلى طاولة تفاوض، بينما إسرائيل تواصل اعتداءاتها من دون رادع. فاختار لبنان، وفق مصادر بعبدا، تحويل التأجيل إلى رسالة ضغط موجهة أساساً إلى الجانب الأميركي، لحمله على ضبط التصعيد الإسرائيلي ووضع حد له، إذ لم يعد مجدياً في نظر بعبدا خوض جولة تفاوضية جديدة، فيما المطالبات المتكررة بوقف الاعتداءات وتفجير المنازل تصطدم كل مرة بعدم الالتزام الإسرائيلي. وتلمح أوساط الرئاسة إلى أنه من المستبعد، قبل التزام إسرائيلي أوضح بمندرجات الاتفاق، أن تُعقد جولة جديدة من المفاوضات، وإن كان لبنان الرسمي، رئاسةً وحكومةً، لا يزال يكرر تمسكه بالمسار التفاوضي بوصفه الحل الوحيد المتاح.
التأجيل ليس الأول
تعثر المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ليس الأول من نوعه. فالمسار الذي بدأ بخمس جولات في واشنطن أفضى إلى اتفاق إطار يتضمن ترتيبات مرتبطة بسلاح "حزب الله"، وانسحاباً إسرائيلياً تدرجياً من مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي جنوب الليطاني، إلى جانب انتشار الجيش اللبناني بدءاً من منطقتين تجريبيتين، كانت زوطر الغربية أولاهما. غير أن الجولات اللاحقة، من الخامسة حتى الثامنة، تعثرت مراراً على خلفية تمسك "حزب الله" بسلاحه ورفضه التعاون، إضافة إلى نزاع مرتفعات "علي الطاهر"، وملفات تفتيش المنازل، وتحديد المناطق التجريبية الإضافية، وصولاً إلى رفض إسرائيل تنفيذ انسحابات إضافية من مناطق جرى الاتفاق مبدئياً على إخلائها، وخلافات حول آلية التدقيق في مدى جدية التنفيذ وإدارة هذه المناطق بعد الانسحاب منها. ولم تنجح مظاهر انتشار الجيش اللبناني في النبطية في تبديد شكوك إسرائيلية حول جدية الدولة اللبنانية، طالما أن "حزب الله" متمسك بسلاحه وأنه يتلطى خلف الجيش للدخول مجدداً إلى المناطق الجنوبية، كما حصل في زوطر الغربية.
انتخابات الكنيست عامل ضغط
ترى مصادر دبلوماسية في واشنطن أنه لا يمكن فصل توقيت تأجيل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل عن استحقاقين انتخابيين متتاليين يخيمان على المشهد: انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في الـ27 من أكتوبر المقبل، تليها مباشرة الانتخابات النصفية الأميركية. فقد سبق لوزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أن أعلن، مطلع أيلول، أن الجولة الثامنة ستُعقد في روما "مطلع أيلول"، من دون تحديد موعد نهائي، مما ترك القرار الفعلي بيد الراعي الأميركي وحده باعتباره الجهة الوحيدة المخولة توجيه الدعوة إلى استئناف المحادثات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب مصادر وزارية لبنانية معنية بالملف، فإن تحديد الموعد النهائي يرتبط بمدى إصرار واشنطن على إحداث خرق حقيقي في الملف قبل أن تصبح أي جولة "الأخيرة" قبل الانتخابات الإسرائيلية. وهذا ما يغذي مخاوف لبنانية جدية من أن يبقى الملف برمته معلقاً إلى ما بعد الاستحقاقين الانتخابيين، أي حتى مطلع العام المقبل في الأقل، خصوصاً أن مؤشرات عدة تظهر أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي لن يخوض انتخابات على وقع حرب مدمرة أو موسعة، لن يقبل أيضاً بتقديم تنازلات قد تنعكس ضده في صناديق الاقتراع.
التصعيد الميداني يسبق التأجيل
سبقت إعلان التأجيل موجة تصعيد إسرائيلي لافتة في جنوب لبنان، أبرز محطاتها إعلان الجيش الإسرائيلي، الخميس الماضي، تفجير شبكة أنفاق واسعة تابعة لـ"حزب الله" في مرتفعات "علي الطاهر" الاستراتيجية، باستخدام أكثر من 1100 طن من المتفجرات، بحسب مصادر إسرائيلية، في تفجير سُجلت آثاره كهزة أرضية بلغت نحو 4.1 درجة على مقياس ريختر، وهي أعلى من الهزة المسجلة عند تفجير أنفاق قلعة الشقيف قبل نحو شهر ونصف. وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، أن العملية تُكمل ما وصفاه بـ"تنظيم المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، وأن البنية المستهدفة شكلت على مدى نحو عقدين مقراً قيادياً كان معداً، بحسب الرواية الإسرائيلية، ليكون قاعدة انطلاق محتملة ولمراقبة مستعمرتي المطلة وكريات شمونة واستهدافهما.
ونقلت تقارير إسرائيلية أن الجيش أعلن لاحقاً استكمال العملية والانسحاب إلى خطوط خلفية في منطقة الشقيف بعد تحقيق ما وصفه بـ"السيطرة النارية" على المرتفعات، فيما تحدثت تقارير عن مقتل عدد من عناصر "حزب الله" الذين كانوا متحصنين داخل الموقع.
ولم يقتصر التصعيد على "علي الطاهر"، إذ طاولت الغارات والعمليات مناطق أخرى في قضاء النبطية وبلدة المنصوري، وسط تهديدات متكررة من كاتس باستمرار استهداف "حزب الله" ومواقعه. وبدأت تظهر مخاوف لبنانية جدية من احتمال أن تسعى إسرائيل إلى فتح جبهة جديدة في مرتفعات سجد والريحان بقضاء جزين، بما قد يهدد بقطع التواصل الجغرافي بين الجنوب والبقاع الغربي، في وقت لا يزال فيه "حزب الله" يلتزم الصمت حيال ما آلت إليه المرتفعات ومصير مقاتليه فيها، رافضاً الالتزام بتسليم سلاحه انسجاماً مع قرارات الحكومة المتعلقة بحصر السلاح بيد القوى العسكرية الشرعية.