ملخص
بعد إعادة فتح السفارة السورية لدى طرابلس إثر 14 عاماً من القطيعة، يرى مراقبون أن "سوريا الجديدة تسعى إلى استعادة حضورها العربي والإقليمي، وليبيا بدورها تحتاج إلى توسيع دائرة علاقاتها وعدم حصرها في محور واحد".
إثر 14 عاماً من القطيعة الدبلوماسية، حطت طائرة تقل وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني يوم الأحد الماضي، رفقة وفد دبلوماسي في العاصمة الليبية طرابلس، حيث التقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، وجرى بحث المصالح المشتركة والتعاون العملي ومعالجة الملفات العالقة بين البلدين.
ووقع الشيباني مع المكلف تسيير أعمال وزارة الخارجية التابعة لحكومة الدبيبة، الطاهر الباعور، اتفاقاً لتفعيل "اللجنة العليا الليبية - السورية المشتركة"، لتتوج الزيارة بإعادة افتتاح السفارة السورية لدى طرابلس بعد إغلاق دام لأكثر من عقد كامل.
علاقات تاريخية
سبق وصول الشيباني إلى طرابلس زيارة وفد ليبي إلى سوريا، رأسه وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حيث التقى عدداً من المسؤولين في الإدارة السورية الجديدة التي تشكلت إثر سقوط نظام بشار الأسد.
وسبق أن وجد الليبيون في سوريا ملاذاً خلال فترة الاحتلال الإيطالي لبلادهم في أكتوبر (تشرين الأول) 1911، واستقرت العائلات الليبية داخل مدن سورية عدة، أهمها العاصمة دمشق التي شهدت تأسيس "الجنة التنفيذية للجاليات الطرابلسية البرقاوية" المعروفة بـ"جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي"، إثر الغزو الإيطالي لليبيا. وقاد هذه الحركة السياسية بشير السعداوي خلال عام 1925.
ومع بدء الأحداث داخل سوريا في عام 2011، اختار قسم من السوريين ليبيا للاستقرار، ويُقدر عددهم بنحو 200 ألف شخص يتوزعون خصوصاً في طرابلس وبنغازي ومصراتة وعدد من المدن الليبية الأخرى، بحسب تقديرات وزارة الخارجية السورية.
وجاءت زيارة الشيباني مباشرة إثر تنظيم مجموعات من المقاتلين السوريين الموجودين في غرب ليبيا احتجاجات وتظاهرات مسلحة داخل العاصمة طرابلس، للمطالبة بمستحقاتهم المالية المتأخرة، باعتبارهم يعملون كمقاتلين في صفوف المعسكر الغربي.
وأعادت هذه التحركات إلى الواجهة سؤالاً عن التغيرات التي من الممكن أن تحدثها عودة العلاقات السورية - الليبية، في موازين العلاقات والمصالح على المستويين المحلي والدولي؟
افتتح وزير الخارجية والمغتربين السيد أسعد حسن الشيباني سفارة الجمهورية العربية السورية في العاصمة الليبية طرابلس، بحضور المكلف بتسيير أعمال وزارة الخارجية في دولة ليبيا السيد الطاهر الباعور،
— وزارة الخارجية والمغتربين السورية (@syrianmofaex) August 30, 2026
ووزير الدولة لشؤون رئيس الوزراء الليبي السيد محمد بن غلبون، ومشاركة واسعة من رؤساء… pic.twitter.com/Wa9AchcyuM
تحالفات
وحول دلالات إحياء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، قال المتخصص في العلاقات الدولية خالد الحجازي إن إعادة فتح السفارة السورية لدى طرابلس بعد أكثر من 14 عاماً من القطيعة ليست مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة، خصوصاً أنها تزامنت مع تفعيل "اللجنة العليا الليبية – السورية المشتركة"، وبحث ملفات اقتصادية وأمنية ومكافحة الإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة. وأضاف أن "ما يجري بين دمشق وطرابلس يستحق القراءة من زاوية أوسع من مجرد عودة العلاقات الثنائية"، إذ إن "عودة العلاقات تأتي في ظل حركة واسعة لإعادة تشكيل العلاقات والتحالفات في المنطقة".
وأوضح الحجازي أن "سوريا الجديدة تسعى إلى استعادة حضورها العربي والإقليمي، وليبيا بدورها تحتاج إلى توسيع دائرة علاقاتها وعدم حصرها في محور واحد"، مؤكداً أن "الموقع الجغرافي للبلدين يجعل التعاون بينهما ذا أبعاد تتجاوز حدودهما، فسوريا بوابة المشرق وليبيا بوابة شمال أفريقيا والمتوسط وبينهما ملفات عابرة للحدود، بدءاً بالإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب، إلى الهجرة غير النظامية والطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار".
وتابع أن "العلاقة تحمل بعداً اقتصادياً واضحاً، إذ يجري بحث التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار، إلى جانب إعادة تفعيل الأطر المؤسسية المشتركة".
وفي الشأن الليبي الداخلي، قال الحجازي إن "السؤال الأهم بالنسبة إلى ليبيا هو هل ستكون العلاقة مع دمشق علاقة دولة، أم علاقة حكومة؟ هذه نقطة جوهرية في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي بين شرق البلاد وغربها"، موضحاً أن "نجاح طرابلس في تقديم العلاقة باعتبارها سياسة خارجية ليبية جامعة، وليست اصطفافاً سياسياً، سيمنحها شرعية أكبر ويقلل فرص استخدامها في الصراع الداخلي".
وأضاف أن "الإشارة إلى إعادة فتح القنصلية السورية في بنغازي تكتسب أهمية سياسية تتجاوز بعدها القنصلي، فهي قد تكون مؤشراً إلى رغبة دمشق في تمدد العلاقات إلى مختلف الجغرافيا الليبية، لا أن تبقى محصورة في طرابلس".
وتابع الحجازي أن "موقف القيادة العامة في شرق ليبيا يأتي كعامل لا يمكن تجاهله"، مشيراً إلى أن "التقارب مع دمشق لن يكون مكتمل الأبعاد إذا بقي محصوراً في التواصل مع حكومة طرابلس، خصوصاً أن الشرق يمتلك وزناً عسكرياً وسياسياً وأمنياً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات وطنية طويلة المدى".
وأضاف أن "نجاح العلاقة قد يتطلب مستقبلاً فتح قنوات اتصال مع مختلف المؤسسات والقوى الليبية، وفق مبدأ التعامل مع ليبيا كدولة واحدة ومصالحها كأولوية فوق الاستقطاب الداخلي".
مكافحة الإرهاب
وعن الجانب الأمني، قال الحجازي إن "الملف الأمني قد يكون أكثر الملفات حساسية، إذ تواجه دمشق وطرابلس تحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب المخدرات والأسلحة والبشر والهجرة غير النظامية"، منوهاً بأن "أعوام الحرب السورية والليبية شهدت انتقال مقاتلين سوريين إلى الساحة الليبية، مما راكم ملفات أمنية تحتاج إلى معالجة مؤسساتية".
وتوقع أنه "من الممكن أن يتحول التقارب إلى تبادل معلومات وتنسيق بين الأجهزة المتخصصة وملاحقة الشبكات العابرة للحدود، وذلك يتطلب اتفاقات واضحة وضمانات مؤسساتية، حتى لا يتحول التعاون الأمني إلى أداة في الصراع السياسي الليبي".
وختم الحجازي بأن "عودة العلاقات السورية – الليبية قد تبدو في ظاهرها عودة سفارات واتصالات دبلوماسية، لكنها تحمل فرصاً لإعادة بناء علاقة استراتيجية تشمل السياسة والاقتصاد والأمن".
ونوه المتخصص في العلاقات الدولية إلى أن "الاختبار الحقيقي ليس في دمشق ولا في طرابلس وحدهما، بل في قدرة ليبيا على جعل هذه العلاقة علاقة وطنية شاملة، وفي قدرة الطرفين على تحويل الاتفاقات إلى مؤسسات وآليات عمل دائمة".
وشدد على أنه "إذا نجحت العلاقة في تجاوز الانقسام الليبي، وامتدت إلى الشرق والغرب، وتحولت من البروتوكول إلى تعاون اقتصادي وأمني حقيقي، فقد تصبح عودة العلاقات السورية – الليبية جزءاً من إعادة رسم شبكة العلاقات داخل المنطقة، أما إذا تحولت إلى ورقة جديدة في الصراع الداخلي، فقد تفقد أهم ما يمكن أن تمنحه للبلدين، علاقة دولة بدولة، لا حكومة بحكومة ولا محور بمحور".
ترتيب النفوذ
من جهة أخرى، قال عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة نالوت، إلياس الباروني، إن "عودة العلاقات السورية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إعادة فتح للسفارة أو زيارة دبلوماسية، بل كجزء من إعادة تشكيل شبكة العلاقات العربية مع سوريا الجديدة، ومحاولة ليبيا توسيع هامشها الدبلوماسي".
وتابع أن "الخطوة تمثل إعلاناً سياسياً بانتهاء مرحلة القطيعة، وتعكس تعاملاً سياسياً وعملياً مع السلطة القائمة في دمشق"، مشيراً إلى أن "زيارة الوفد السوري إلى طرابلس ليست بداية العلاقة، وإنما تتويج لمسار بدأته طرابلس مبكراً تجاه القيادة السورية الجديدة منذ نهاية عام 2024".
واعتبر الباروني أن "العلاقة تقوم على حسابات سياسية متبادلة، إذ بادرت طرابلس إلى التواصل مع دمشق في مرحلة كانت سوريا الجديدة تبحث فيها عن الاعتراف العربي، فيما تعود دمشق اليوم إلى توسيع شبكة علاقاتها ومصالحها"، منوهاً بأن "حكومة الوحدة الوطنية تسعى من خلال تعزيز العلاقة إلى تثبيت موقع طرابلس كعاصمة للتواصل العربي والدولي، وكل زيارة رسمية أو إعادة فتح سفارة تمنح الحكومة رصيداً إضافياً في ملف الشرعية والتمثيل الدولي".
وأضاف أن "التقارب بين طرابلس ودمشق لا ينبغي فصله عن إعادة ترتيب خريطة النفوذ في المتوسط، وقد يتحول مستقبلاً من علاقة ثنائية إلى جزء من شبكة إقليمية أوسع".
تكامل بين البلدين
وأكد الباروني أن "دمشق تريد الانتقال من مرحلة الاعتراف السياسي إلى مرحلة المصالح، فهي في حاجة إلى الاستثمارات والأسواق وإعادة الإعمار والعلاقات المصرفية والتجارية وعودة الشركات وحركة رجال الأعمال، وهذا أمر يجعل ليبيا مهمة بالنسبة إلى سوريا".
وأبرز أن "هناك تكاملاً واضحاً بين البلدين، فسوريا لديها الخبرات البشرية والشركات والأطباء والمهندسين والفنيين والحرفيين، في حين تمتلك ليبيا المال والنفط والسوق وتحتاج إلى الخدمات والخبرات والعمالة والشركات"، موضحاً أن "هذه المعادلة يمكن أن تتحول إلى علاقة تكاملية إذا انتقلت من الزيارات الرسمية إلى مشاريع فعلية".
وأوضح أن "حكومة الوحدة الوطنية تسعى أيضاً إلى استثمار العلاقة مع سوريا الجديدة اقتصادياً، في ظل حاجة ليبيا إلى الشركات المتخصصة والأيدي العاملة والخبرات الفنية والخدمات الهندسية وقطاع المقاولات والخدمات الطبية والتعليمية، بينما تحتاج سوريا إلى رأس المال والأسواق والاستثمارات".
"كذلك تفتح إعادة العلاقات ملف المستحقات والديون، والعقود القديمة، وملفات الشركات والحقوق العمالية والمصرفية والقنصلية"، وفق الباروني الذي شدد على أن "بناء شراكة جديدة يتطلب أولاً معالجة الملفات التي تراكمت خلال 14 عاماً".
وقال إن "ليبيا تسعى إلى حجز موقع مبكر في مرحلة إعادة إعمار سوريا، التي تتطلب ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والإسكان والكهرباء والاتصالات والطرق والموانئ والصحة والتعليم والطاقة"، موضحاً أن "الدول التي تدخل مبكراً إلى السوق السورية ستكون لديها أفضلية".
بوابة شمال أفريقيا
وحول إمكانية تحول ليبيا إلى بوابة اقتصادية لسوريا نحو شمال أفريقيا، قال الباروني "إن ذلك ممكن، لكنه ليس تلقائياً، لأنه يرتبط بوجود بنية تحتية واتفاقات ومؤسسات مستقرة"، مشيراً إلى أن "موقع ليبيا الجغرافي وساحلها الطويل على المتوسط يجعلانها نقطة اتصال بين المشرق والمتوسط وشمال أفريقيا إضافة إلى الساحل الأفريقي".
ولتحقيق ذلك، اشترط الباروني "تطوير الموانئ والنقل البحري والمناطق الحرة والتخزين والخدمات اللوجيستية والنقل البري، إلى جانب وجود نظام مصرفي واتفاقات تجارية مناسبة".
وأوضح الباروني أن "السوق الليبية نفسها تمثل فرصة مهمة للشركات السورية، خصوصاً في البناء والتشييد والصحة والصناعات الغذائية والأدوية والخدمات الهندسية والاستشارية والتعليم والتدريب المهني، قبل الانتقال إلى أسواق تونس والجزائر ومصر ودول الساحل".
ونوه إلى أن "أبرز الفرص تكمن في الجمع بين رأس المال الليبي والخبرة السورية، من خلال شركات ومصانع واستثمارات مشتركة في المقاولات والخدمات الطبية والصناعات الغذائية والبرمجيات والمناطق الحرة"، موضحاً أن "الأفضل هو الانتقال من مجرد الاستيراد والتصدير إلى الإنتاج والاستثمار المشترك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، حذر الباروني من تأثير الانقسام السياسي الليبي الذي يمثل عقبة أمام بناء بوابة تجارية إقليمية حقيقية، لأن المستثمر يحتاج إلى معرفة من يضمن العقد والتحويلات والملكية والاستثمار وتطبيق القانون".
وقال إن "النظام المصرفي يبرز هو الآخر كعقبة، إذ تحتاج التجارة إلى التحويلات والاعتمادات والتأمين والضمانات، كما أن سوريا نفسها ما زالت في مرحلة انتقال وتحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها وبنيتها التحتية".
وأكد الباروني أن "الفرصة الحقيقية لا تكمن في أن تصبح ليبيا مجرد سوق للمنتجات السورية، وإنما في أن تتحول إلى منصة للاستثمار والإنتاج والتوزيع السوري – الليبي على المتوسط، يمكن أن تمتد منها الشركات السورية إلى أسواق شمال أفريقيا، شرط أن تنتقل ليبيا نفسها من اقتصاد الاستيراد والإنفاق الحكومي إلى اقتصاد الإنتاج والاستثمار واللوجيستيات".
استراتيجياً
واعتبر الباروني أنه "لا ينبغي فصل عودة العلاقات السورية – الليبية عن إعادة ترتيب خريطة النفوذ في المتوسط، حيث تقع ليبيا في نقطة تتقاطع فيها مصالح تركيا ومصر وأوروبا ودول الخليج والولايات المتحدة وروسيا، فيما تقع سوريا الجديدة أيضاً في نقطة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية عدة".
وأبرز أن "التقارب بين طرابلس ودمشق يمكن أن يتحول مستقبلاً من علاقة ثنائية إلى جزء من شبكة إقليمية أوسع، في ظل سعي سوريا الجديدة إلى توسيع شبكة علاقاتها ومصالحها، في حين يتركز هدف ليبيا على توسيع هامشها الدبلوماسي والاقتصادي".
وأوضح أن "الدبيبة يريد من سوريا الجديدة اعترافاً عملياً بطرابلس كشريك سياسي واقتصادي، بينما ترنو دمشق إلى أن تكون ليبيا إحدى بوابات عودتها إلى المجال العربي والمتوسطي والأفريقي"، معتبراً أن "العلاقة الثنائية يمكن أن تتحول إلى شراكة متوسطية عربية ذات امتداد أفريقي، لا أن تبقى مجرد علاقة دبلوماسية ثنائية، بشرط حسن استثمارها بين الطرفين". وأضاف أن "سوريا الجديدة تريد إعادة بناء علاقاتها مع محيطها على أساس مختلف عن المرحلة السابقة، والتعامل مع ليبيا يتيح لها التواصل مع دولة متوسطية وأفريقية وغنية بالطاقة، وذات سوق يحتاج إلى إعادة إعمار وتطوير"، معتبراً أن "هذه التركيبة جذابة بالنسبة إلى دمشق".