ملخص
تسعى مبادرة "الشريك الأدبي" إلى نقل الأدب من الصالونات والمؤسسات المغلقة إلى المقاهي والمساحات العامة، وتوسيع دائرة المشاركة الثقافية في السعودية. وبعد 5 مواسم يتركز الجدل حول قدرتها على تحويل كثافة الفعاليات إلى أثر معرفي مستدام، ومنع إعادة إنتاج النخبوية بصور جديدة، مع الحفاظ على جودة المحتوى وعمق الحوار
قبل قرن تقريباً، كان الوصول إلى العقاد أو طه حسين أو مي زيادة يقتضي عبور أبواب صالونات أدبية مغلقة لا يدخلها إلا الصفوة. أما اليوم، ففي السعودية، يمكن أن تبدأ مناقشة رواية جديدة على طاولة مقهى، بين طالب جامعي وطبيب ومهندس وربّة منزل، بينما يجلس الكاتب بينهم بلا منصة ولا بروتوكول. هذه هي الفلسفة التي قامت عليها مبادرة "الشريك الأدبي"، التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، لكنها في الوقت ذاته فجرت أحد أكثر النقاشات الثقافية حساسية: هل نحن أمام نهضة ثقافية شعبية، أم مجرد انتقال للنخبة من القاعات إلى المقاهي؟
فبعد خمسة مواسم، لم تعد المبادرة تُقرأ بوصفها برنامجاً لتنظيم الفعاليات، بل باعتبارها تجربة اجتماعية أعادت رسم العلاقة بين الكاتب والقارئ، وكسرت الصورة التقليدية للأدب بوصفه نشاطاً نخبوياً محصوراً داخل الأندية والجامعات. وفي المقابل، يرى منتقدون أن الاتساع السريع لا يعني بالضرورة عمقاً معرفياً، وأن بعض الفعاليات تحولت إلى مناسبات اجتماعية أكثر منها فضاءات لإنتاج المعرفة والنقد.
من البرج العاجي إلى أسلوب حياة
تعرف هيئة الأدب والنشر والترجمة المبادرة بأنها مشروع يسعى إلى "جعل الثقافة أسلوب حياة"، عبر بناء شراكات مع المقاهي والمكتبات والمساحات المجتمعية، بهدف "تعزيز قيمة الأدب في حياة الفرد، ودعم انتشار الكتاب السعودي، وإلهام الأفراد للإنتاج الأدبي والثقافي"، في محاولة لنقل النشاط الأدبي إلى الأماكن التي يرتادها الناس يومياً، بدلاً من انتظار حضورهم إلى المؤسسات الثقافية.
ومع الانتقادات التي طُوق بها ترجمة القطاع لتلك المفاهيم إلى واقع ملموس، فإن تلك الرؤية لا تزيد على أن عادت بالتقاليد الثقافية إلى أصولها الأقدم، يوم كان الشعراء والخطباء يرتادون نوادي الناس وأسواقهم في "عكاظ" وسواها، فيما كان الفقهاء وعلماء اللغة والأدب يتخذون نقاط التجمعات المضمونة، مثل الجوامع موطناً لبث فنونهم في حلق الحرمين العلمية والأزهر والقرويين والزيتونة والرصافة.
وترى الروائية السعودية أميمة الخميس أن الإنجاز الأهم للمبادرة يتجاوز عدد الفعاليات أو الشركاء، معتبرة أنها أسست لما تسميه "المنبر الرابع". وتقول إن صناعة الرأي العام في المملكة ظلت لعقود محصورة بين "المنبر الرسمي والمنبر الوعظي والمنبر الرياضي"، قبل أن يأتي "الشريك الأدبي" بوصفه "محاولة جادة لصنع زخم معرفي، وتحريك المسلمات المنغلقة على يقينياتها، متطلعاً إلى جمهور يتجاوز نخبوية العمل الثقافي". وتؤكد أن من يحاكم المبادرة بلغة الأرقام "فاته أن مخرجات هذا النوع من الأنشطة تحتاج إلى أعوام، إن لم يكن أجيالاً، من عمر الشعوب".
حين تتحوّل المبادرات إلى أثر، ويتحوّل الأثر إلى حالة أدبية تنمو بالشراكات مع مبادرة #الشريك_الأدبي#هيئة_الأدب_والنشر_والترجمة pic.twitter.com/t1Qnuemx5S
— هيئة الأدب والنشر والترجمة (@LPTC_MOC) August 26, 2026
ويذهب الأكاديمي والناشط الثقافي عبدالله العمري إلى أن المبادرة صنعت ما يصفه بـ"هجرة ثقافية داخلية"، أعادت توزيع النشاط الأدبي على المدن والقرى، وأسهمت في بناء حراك اجتماعي يجمع مختلف الأجيال والجنسيات المقيمة في المملكة، في وقت لم تعد الثقافة حكراً على المؤسسات التقليدية.
لكن القارئ لتاريخ النوادي الثقافية في البلاد، خصوصاً في الرياض وجدة خلال العقود الثلاثة الماضية، سيفاجأ بأن المبادرات الثقافية المستقلة من المهتمين، ظلت دائماً موجودة، وأحياناً أكثر استدامة وتأثيراً من نظيرتها الرسمية، فهي تتسم بالمرونة وحرية النقاش وتنوع الضيوف، مثلما ظل معروفاً في خميسية العلامة حمد الجاسر، واثنينية المربي عثمان الصالح، وأحدية المفكر راشد المبارك في الرياض، واثنينية عبدالمقصود خوجة، وثلوثية محمد سعيد طيب، وندوات بيت نصيف في جدة، وأخرى جاءت بعدها.
الكاتب والإعلامي خالد الباتلي يشير إلى أن المبادرة عوضت جانباً من الفراغ الذي خلفته الأندية الأدبية بعد أعوام من العمل "وفق دوائر محدودة وبرامج لا تصل إلا إلى جمهور ضيق"، معتبراً أن نقل اللقاءات إلى المقاهي والمكتبات جعل الكاتب أقرب إلى قارئه، والثقافة أكثر حضوراً في الحياة اليومية. ويشير إلى أن توسع عدد الشركاء من نحو 80 إلى أكثر من 220 شريكاً يعكس تحول الثقافة من نشاط نخبوي إلى أحد مكونات جودة الحياة، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على "استدامة الأثر" لا مجرد اتساع الحضور.
هل كسرت المبادرة احتكار النخبة؟
لكن هذه الصورة المتفائلة لا تحظى بإجماع الوسط الثقافي.
فالناقدة منى العيبان تذهب إلى أن المبادرة نجحت بالفعل في بناء حراك ثقافي واضح، غير أنها تقف اليوم أمام تحدٍ أكثر تعقيداً يتمثل في الانتقال "من الاتساع إلى العمق". وتقول إن القيمة الحقيقية لا تتحقق "بكثرة الأمسيات"، وإنما عندما يخرج القارئ "بمفاهيم جديدة وأدوات لقراءة النص"، محذرة من أن تتحول بعض الفعاليات إلى "جلسات تعارف أو استعراض للتجارب الشخصية"، بدلاً من أن تكون منصات للنقد والحوار وإنتاج المعرفة.
أما مدير الملتقى الثقافي في جدة سعد البلادي، فيعتقد أن المبادرة بدأت "واعدة وجميلة"، لكنها فقدت شيئاً من بريقها مع مرور الوقت، بعدما تحولت، بحسب رأيه، لدى بعض الجهات من صناعة المشهد الثقافي إلى "تحقيق المنفعة المالية". ويقول إن عدداً من الأدباء ابتعدوا عن المشاركة، فيما لجأت بعض المقاهي إلى استقطاب أشخاص "لا تربطهم بالثقافة علاقة حقيقية" لاستكمال متطلبات البرنامج، الأمر الذي أفقد التجربة جزءاً من هويتها الأولى.
ويطرح الأكاديمي والناقد سعد البازعي زاوية مختلفة للنقد، إذ يتوقف عند الحضور الكثيف للأسماء واللافتات الإنجليزية في عدد من المقاهي الثقافية، مؤكداً أن هذا المشهد يتناقض مع رسالة مؤسسة يفترض أنها معنية بازدهار اللغة العربية. ويقارن ذلك بتجربته في ألمانيا، حيث يقول إنه وجد صعوبة في العثور على صحيفة أو قائمة طعام باللغة الإنجليزية، رغم المكانة العالمية للغة، متسائلاً عن أسباب التساهل مع هذا الحضور داخل فضاءات يفترض أنها تحتفي بالعربية.
من صالون العقاد إلى مقاهي الرياض
فكرة نقل الأدب من المؤسسات إلى الفضاءات العامة ليست جديدة في التاريخ الثقافي. فقد عرفت باريس منذ القرن الـ19 مقاهي مثل Café de Flore وLes Deux Magots، التي تحولت إلى ملتقيات للفلاسفة والروائيين والشعراء، فيما شكل صالون مي زيادة في القاهرة، ولقاءات العقاد وطه حسين، أحد أهم مراكز إنتاج الأفكار العربية خلال النصف الأول من القرن الـ20، إلى جانب الصوالين السعودية الأكثر تأثيراً في بيئتها المحلية، إذ كانت سياسة المجالس أو "الأبواب المفتوحة"، درجت عليها تقاليد البلاد على مستوياتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
وقد كانت المجالس، إلى عهد قريب، أحد روافد صناعة التأثير في البلاد، إذ على رغم طابع بعضها الاجتماعي والسياسي، فإنها لا تخلو عادة من تناول المسائل الثقافية، في بعدها التاريخي أو الديني والفكري الخالص، حتى قيل على سبيل المبالغة، إنها في الماضي، شكلت "الجامعة الأم" التي تخرج القادة، وتمنح روادها الجدد منابر، يقدمون منها أنفسهم أمام صناع القرار، أو المقربين منهم. فيحضر على سبيل المثال مجالس أمير منطقة الرياض لخمسة عقود (الملك حالياً) سلمان بن عبدالعزيز مختلف طبقات المجتمع في منزله مرتين في الأسبوع، ويومياً في مجلس حكمه بالإمارة.
ودون عدد من المثقفين السعوديين، تجاربهم في تلك المجالس ومشاهداتهم، ومن أولئك عضو مجلس الشورى السابق عبدالعزيز الثنيان، الذي روى في عدد من كتبه ومقالاته، مواقف من تلك المجالس، يراها لافتة.
عند العودة إلى التجارب الدولية، فإنها على رغم تأثيرها الكبير، بقيت تدور في الغالب داخل دوائر المثقفين والنخب. أما التجربة السعودية، فتسعى إلى نقل الأدب إلى الجمهور اليومي، بحيث يصبح جزءاً من نمط الحياة، لا مناسبة موسمية أو امتيازاً اجتماعياً. وفي هذا المعنى، لا تكتفي المقاهي بدور توفير الحيز الجغرافي، بل تتحول إلى وسيط ثقافي يلتقي فيه الكاتب بالقارئ، والكتاب بالقهوة، والنقاش بالحياة اليومية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من واقع تجربة يحدثني مؤسس ورئيس صالون نُبل الثقافي، منصور الزغيبي عن قصة مبادرة الشريك الأدبي، بوصفها "تحولاً في فلسفة العمل الثقافي"، لأنها نقلت الثقافة "من مفهوم النشاط الموسمي إلى مشروع مجتمعي مستدام، ومن النخبة المحدودة إلى فضاء المجتمع الواسع". ويضيف أن قيمتها الأعمق تكمن في أنها "لم تُنزِل الثقافة من برجها العاجي فحسب، بل أعادتها إلى مكانها الطبيعي… في قلب المجتمع"، مشيراً إلى أن المبادرة منحت المؤسسات الثقافية الأهلية مساحة للابتكار وربط الأدب بالفنون والتراث والتطوع والرياضة.
من الفعالية إلى الأثر
وربما لا يكون السؤال الحقيقي بعد خمسة مواسم هو ما إذا كانت مبادرة "الشريك الأدبي" نجحت أو أخفقت، بل ما إذا كانت الثقافة السعودية دخلت بالفعل مرحلة جديدة، انتقلت فيها من انتظار القارئ داخل المؤسسات إلى البحث عنه في المقهى والحديقة والمكتبة والحي السكني. وإذا كانت الصالونات الأدبية قد صنعت نخب القرن الـ20، فإن الرهان اليوم يبدو مختلفاً: صناعة مجتمع قارئ، لا مجرد نخبة قارئة.
ويبقى التحدي الذي يتفق عليه المؤيدون والمنتقدون معاً هو أن تنتقل المبادرة من نجاح الحضور إلى نجاح التأثير، ومن تنظيم الفعاليات إلى بناء قارئ أكثر وعياً، كي لا تتحول المقاهي إلى قاعات مغلقة جديدة، تعيد إنتاج النخبة بأسماء مختلفة، وإنما إلى فضاءات تخلق أصواتاً جديدة، وتعيد الأدب إلى وظيفته الأولى: أن يكون جزءاً من الحياة اليومية، لا امتيازاً ثقافياً لمن يملكون مفاتيح الدخول إلى الصالونات.
السجال الذي أحيطت به التجربة أخيراً، يظهر جانباً من تأثيرها في المشهد الثقافي، على نحو يذكّر بآخر أحيطت به ظواهر ثقافية سبقت، مثل المراكز الصيفية، والمنتديات الإلكترونية، وحوارات القنوات الفضائية الشعرية والثقافية، وغرف "البالتوك"، وأخيراً مساحات "إكس". إلا أنها جميعاً تركت أثراً لا ينكر، وإن خضع بعضها لتقويم وتهذيب في بعض المحطات.