ملخص
مبنى "ريزيدانسيا بيلغوارد"، وتعني باللغة الكاتالونية "الإقامة الجميلة"، هو واحد من أحلام المعماري الإسباين أنطوني غاودي الكبرى، وواحد من إنجازاته الأكثر ارتباطاً بأبعاد سياسية من المعروف عادة أنها نادراً ما ترتبط بهذا الفن نفسه، فن العمران
حدثان كبيران يعيشهما عالم العمران الأوروبي في صيف هذا العام 2026، أولهما الاحتفال بالمئوية الأولى لرحيله في المستشفى في برشلونة متأثراً يوم الـ10 من يونيو (حزيران) 1926 بحادثة صدم تعرض لها، من ناحية، ومن ناحية ثانية إعلان إنجازات بالغة الأهمية تتعلق باستكمال عمران صرحه - وصرح مدينته برشلونة - الأكبر والأجمل، "كاتدرائية العائلة المقدسة" (لا ساغرادا فاميليا)، التي لا يزال العمل جارياً، وإنما متقطعاً، لإنجازها منذ ما قبل رحيل ذلك المعماري الأكبر والأشهر والأكثر غرابة، هو وفنه، في تاريخ القرن الـ20: أنطوني غاودي.
ونعرف أن مجمل إنجازات هذا المبدع الكبير، تجعل إنجازاته تتسم بقدر لا يضاهى من الغرابة والتجديد، جعلت منه الأب الشرعي لكل ضروب الجنون الخلاق التي سيطرت على القرن الـ20، ولا تزال تفعل بعد مرور قرن بأكمله على رحيله.
ونعرف أيضاً أن ذلك الرحيل عن 73 سنة يومها قد حرم البشرية من عدد من الإنجازات الإبداعية التي كانت لا تزال في جيبة الرجل حين صدمته سيارة في ساحة رئيسة من ساحات برشلونة واضعة حداً لإبداعه، مدخلة إياه عالم الأسطورة. وذلك بنحو 20 إنجازاً لا تزال تدرس حتى اليوم، انطلاقاً من عبقرية الجنون الكامنة في خلفيتها.
غير أن الصرح الذي نتحدث عنه هنا بعدما تحدثنا قبل أشهر عن إنجازاته المتعلقة بالعائلة المقدسة لمناسبة تلك الذكرى، قد يقل أهمية عن هذا الصرح الأخير بكثير، لكنه يتسم بقوة تعبيرية معنوية للشكل. فالمبنى نفسه واحد من أحلام غاودي الكبرى، وواحد من إنجازاته الأكثر ارتباطاً بأبعاد سياسية من المعروف عادة أنها نادراً ما ترتبط بهذا الفن نفسه، فن العمران.
ونتحدث هنا تحديداً عن المبنى المسمى "ريزيدانسيا بيلغوارد"، وتعني باللغة الكاتالونية "الإقامة الجميلة".
آخر الملوك
غير أن علينا منذ البداية أن نتنبه إلى أن الاسم يقصر كثيراً عن استيعاب مكانة هذا المبنى في تاريخ المدينة الكاتالونية، وبالتالي عن دلالته التاريخية التي كانت هي ما جعل تاريخ غاودي وسيرته يعتبرانه، هو المبني على مربع لا يزيد طول ضلعه عن 15 متراً، ذلك الحلم الذي شغل بال غاودي منذ صباه المبكر فتمسك به واندفع يحققه ما أن جرت مفاتحته في الأمر.
فالأرض التي أقام عليها المعماري الكبير ذلك المبنى ليست سوى تلك التي كان يشغلها في بدايات القرن الـ15 الملك مارتين الأول الملقب بالإنساني، الذي كان آخر ملوك كاتالونيا من ورثة عرش أراغون. فهو مات من دون وريث بعدما رحل وليده في طفولته، وانتهى به حكم آل أراغون للمنطقة التي كانت تعتبر مستقلة وأقرب إلى فرنسا منها إلى إسبانيا التي كانت خارجة لتوها في ذلك الحين، من عصرها الأندلسي كما من قرونها الوسطى. وبات حلم كل كاتالوني منذ ذلك الحين الاستقلال عن العرش الإسباني، حتى ولو اقتضى الأمر الالتحاق بفرنسا.
وأنطوني غاودي، بوصفه ابن برشلونة وكاتالونيا، كان يشارك أبناء منطقته حلم الاستقلال والتمسك بأمجاد ذلك الماضي العريق، إلى درجة أنه حين عرض عليه أن يبني على أطلال القصر المهدم العائد إلى مارتين الأول، قصراً يتسم بذلك الطابع الرمزي، سارع إلى الاستجابة بقدر هائل من الحماسة ليمضي سنوات عديدة من حياته خلال العقد الأول من القرن الـ20 منهمكاً في تشييد ذلك المبنى بعد إزالة الأطلال القديمة، غير آبه بضيق المساحة معوضاً على ذلك بجعل أعلى نقطة في المبنى على ارتفاع 33 متراً - "على عدد سنوات العمر التي عاشها السيد المسيح" ـ، كما كان يحلو له أن يقول مبتسماً.
مشروع وطني معلن
أما من عرض عليه ذلك، منذ الأشهر الأولى من القرن الـ20، فكان مطران المدينة الذي كلفه تبعاً لوصيته بأن يتولى تشييد المقر المطراني لمنطقة أستورغا، بشرط أن تباع تلك المنشآت ليبنى بعائدها كلية. وكان غاودي قد توافق مع المطران شفاهية، بأن يبنى في المكان نفسه وفوق الأطلال المتراكمة للقصر القديم، وتحديداً المطلة على زقاق سان جرفيه، بديلاً للقصر الملوكي القديم تذكاراً للملك الراحل قبل نصف ألفية، وذلك كنوع من التكريم لعرش آل أراغون المنقرض منذ ذلك الحين تاركاً لأهل المنطقة ذكرى طيبة. وبالتالي وسط مشاغله العديدة خلال السنوات الـ10 الأولى من القرن الـ20، حرص غاودي على إنجاز تلك المهمة التي اعتبرها مهمة وطنية، أي معبراً من خلال إنجازها على خير ما يكون وبأسرع ما يكون، عن تحيته لكاتالونيا القرون الوسطى، حتى وإن كان من المتفق عليه الآن أن يكون المبنى قصراً صيفياً للأرملة فيغويراس، صاحبة الملكية التي كانت قد آلت مع مرور الزمن إلى تلك العائلة الصناعية الذواقة.
وبهذا تمكن غاودي من أن ينجز مأثرة فنية على سجيته، انطلاقاً من حلم غوطي يكاد يعكس اليوم، وبقدر ما تفعل مختلف مشاريعه المتنوعة، نظرته الحرة إلى فنون العمران، تصميماً وبناء وتزييناً، وصولاً إلى ألوان الطلاء وقبضات الأبواب وزجاج النوافذ، بحيث يبدو المبنى بشتى عناصره وسماته، وكأنه كاتالوغ للفنون العمرانية الرمزية وفي تفاصيل التفاصيل، على رغم ضيق مساحته وكونه في نهاية المطاف قد بات مقراً صيفياً لأرملة، لا قصراً منيفاً لملك تحول مع الزمن إلى أسطورة ورمز استقلالي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تأويل حر
صحيح أن هذا القصر يتم التعامل اليوم معه بوصفه مشروع عمران غوطي، لكننا نعرف أن التصنيفات ما إن تمر بمصهر مبدع كغاودي، تفقد دلالتها المتعارف عليها لتكتسي دلالات بالغة الجدة.
ومن هنا ما يمكن ملاحظته منذ الإطلالة الأولى، ومن بعيد على المبنى، كيف أن غاودي قد مارس هنا، ومن جديد، حريته المطلقة في تأويل العناصر المختلفة، ثم المؤتلفة، التي تبرر توصيف الغوطي لهذا المبنى. وبالتالي لا ريب أن أول ما يلاحظه الناظر إلى المبنى أنه ينتمي إلى عوالم غاودي بأكثر كثيراً من انتمائه إلى العمران الغوطي. وذلك بدءاً من اختفاء الزوايا القائمة تماماً في أية نقطة من نقاطه، وبعد ذلك من خلال الإيقاع المتوتر لتدرجات المكان في خارج المبنى كما في داخله.
غير أن الأهم من هذا إنما هو التجريبية التي سلكها غاودي في تجميع التفاصيل الصغيرة وتوزيعها على الطبقات والجدران والسقوف، وبخاصة النوافذ والأبواب التي تحولت هنا إلى قطع متحفية تزاوج فيها الخشب مع ما اعتاده غاودي من اشتغال على قضبان حديدية مشغولة غالباً لتشكل رابطاً بين عناصر تبدو أولاً وأخيراً أنها إنما وجدت هنا للزينة لا أكثر، لكن قيمتها الاستعمالية لا تلبث أن تظهر بصورة تؤكد بعداً وظيفياً يبدو للوهلة الأولى جزءاً من جنون غاودي، ليبدو لاحقاً كنوع من "جنون ذي وظيفة عملية محددة". وتلكم كما نعرف خاصية من خواص فن هذا المبدع الذي يمكن مقارنته بكبار مبدعي السينما (هيتشكوك، أو فلليني على سبيل المثال) من أولئك الذين وأنت تشاهدهم يعملون منقبين عن تفاصيل صغيرة لا تبدو أول الأمر ذات أهمية خاصة، ستكتشف ما أن يكتمل العمل أن ذلك العمل ما كان ليعني شيئاً من دون تلك التفاصيل.
ومن هنا ما يقال اليوم من أنك إن أردت أن تدخل عالم غاودي حقاً، دعك من إنجازاته الكبرى وحدق في تلك الإنجازات الصغرى، على غرار هذا القصر الصيفي، لتكتشف عوالم السحر وأسرار تلك الأعمال الأيقونية بأهدأ ما يكون.