Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بن غفير والفاشية الإسرائيلية بين الانهيار والانتصار

تصرفاته وتصريحاته المتطرفة تضع المنظومة القانونية الدولية أمام اختبار لقيمها الأيديولوجية

تصريحات بن غفير تعكس نهج اليمين المتطرف، وتهدف لتعزيز شعبيته والضغط على نتنياهو (رويترز)

ملخص

ترتبط دعوة بن غفير إلى القتل اليومي برؤية أوسع تهدف إلى جعل قطاع غزة بيئة غير قابلة للحياة، لتسهيل مخططات التهجير الطوعي أو القسري وإعادة الاستيطان، ومن ثم استخدام مصطلحات تنفي الصفة البشرية عن الفلسطينيين وتعكس تبني "عقيدة الإبادة"، وهي استراتيجية تعتمد على تبرير القتل الجماعي أمام الرأي العام الإسرائيلي، وبكل تأكيد تهدف هذه التصريحات إلى تطبيع فكرة "الاغتيالات العشوائية المستمرة" كسياسة روتينية دائمة، بدلاً من كونها عمليات عسكرية استثنائية مرتبطة بظروف ميدانية.

تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير التي دعا فيها إلى قتل عشرات الفلسطينيين يومياً، ذات أبعاد وأهداف أيديولوجية واستراتيجية ممنهجة تهدف بالدرجة الأولى للحفاظ على قاعدته الانتخابية اليمينية المتطرفة، وإظهار نفسه بديلاً أكثر حزماً من القيادات العسكرية الحالية.

ومن جهة أخرى يرى بعض المحللين الإسرائيليين هذه التصريحات أداة ضغط علنية على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لابتزازه سياسياً من خلال التهديد بتفكيك الائتلاف الحكومي إذا تراجعت حدة العمليات العسكرية.

وعلى كل حال ليس مستغرباً أن تخرج هذه التصريحات من بن غفير الذي يمثل تيار الصهيونية الدينية المتطرفة، وهو تيار يدمج بين النصوص التوراتية والقومية الإسرائيلية المتشددة (حزب عظمة يهودية) بالعبرية "عوتسما يهوديت"، ويقوم على أيديولوجية تعنى بفرض السيادة اليهودية الكاملة على أرض فلسطين التاريخية، ورفض أي تسوية سياسية أو إقامة دولة فلسطينية، معتمداً على رؤية تؤمن بقرب مجيء "المخلص" الديني أي تحقيق الخلاص الإلهي من خلال العمل البشري الفعلي على الأرض، وهي القاعدة الفلسفية التي يؤمن بها هذا التيار بشكل خاص.

تيار عقيدة الإبادة الإسرائيلي وظاهرة اليمين الراديكالي في العالم

المتأمل في مسألة التاريخ السياسي لبعض الدول وإشكالية سيطرة الأحزاب ذات التوجه القومي أو العقائدي الإقصائي أنها تنتهي لتشكل لدينا دول استبدادية تماماً في تعاطيها مع مختلف القضايا وتستغل الظروف بشتى الطرق الوحشية في تحقيق مبادئها، ونموذج الحزب المُستحوذ "الليكود" حالياً نموذج مثالي لتمثيل هذه العقيدة إذ نلاحظ استغلال الخطاب السياسي المؤدلج والتلويح به تحدياً لتصفية الحسابات مع الداخل الإسرائيلي عبر المطالبة بحظر حركات السلام ومنظمات حقوق الإنسان، لتوحيد الجبهة الداخلية خلف رؤيته المتطرفة.

 

ترتبط دعوة بن غفير للقتل اليومي برؤية أوسع تهدف إلى جعل قطاع غزة بيئة غير قابلة للحياة، لتسهيل مخططات التهجير الطوعي أو القسري وإعادة الاستيطان، وبالتالي استخدام مصطلحات تنفي الصفة البشرية عن الفلسطينيين وتعكس تبني "عقيدة الإبادة"، وهي استراتيجية تعتمد على تبرير القتل الجماعي أمام الرأي العام الإسرائيلي، وبكل تأكيد تهدف هذه التصريحات إلى تطبيع فكرة "الاغتيالات العشوائية المستمرة" كسياسة روتينية دائمة، بدلاً من كونها عمليات عسكرية استثنائية مرتبطة بظروف ميدانية.

ومن منطلق المقولة الشهيرة "التوراة هي دستور إسرائيل، وهي الحمض النووي للدولة اليهودية"، التي وردت على لسان يسرئيل سدان مؤسس الأكاديمية العسكرية التحضيرية الدينية نرى الآن السعي الحثيث إلى ضم كامل الضفة الغربية وإعادة احتلال قطاع غزة ورفض إقامة دولة فلسطينية بالمطلق، وتنفيذ إجراءات ضم تدريجي لأراضي الضفة كتمهيد للضم الرسمي الكامل، إضافة إلى إحكام السيطرة الإسرائيلية على القدس، والمطالبة بفتح المسجد الأقصى بشكل دائم للمصلين اليهود.

هذا، مع اعتبار الفلسطينيين في داخل إسرائيل تهديداً استراتيجياً لـ"يهودية الدولة"، والدعوة للتعامل مع هذا التهديد من خلال إجراءات عنيفة، كحظر الأحزاب أياً كانت وتجريدها من السلاح، وإنزال وحدات عسكرية إسرائيلية للمدن والبلدات الفلسطينية في الداخل من أجل التصدي لمظاهرات مستقبلية وقمع القيادات الفلسطينية في الداخل وترحيل من يتم وصفهم بـ"مؤيدي الإرهاب" ومنهم بعض أعضاء الكنيست، وطرد العرب غير المخلصين للدولة.

وعلى هذا النحو يمكن اعتبار حزب "عظمة يهودية" نموذجاً موازياً ومشابهاً لحزب "البديل من أجل ألمانيا في إطار ظاهرة "اليمين الراديكالي العالمي"، لكنهما يفترقان جوهرياً في المرجعية التأسيسية وآليات العمل داخل الدولة.

نقاط الالتقاء والاختلاف بين الحزبين

يشير المركز الأوروبي لدراسات الشعبوية (ECPS) في دراسة أخيرة أجريت العام الماضي إلى أن هناك دائماً نقاط التقاء بين الأحزاب التي تتبنى النزعة القومية والعقائدية في كونها تتبنى فكر الأيديولوجيا الإقصائية، إذ يشترك الحزبان في تعريف الدولة بناء على نقاء الهوية (عرقي/ثقافي في ألمانيا، وديني/قومي في إسرائيل)، وكلاهما يرى الأقليات المهاجرين والمسلمين في ألمانيا، والعرب والفلسطينيين في إسرائيل كتهديد ديموغرافي وثقافي مباشر لوجود الدولة.

ويتبنى الطرفان خطاباً يهاجم النخب السياسية والقضائية التقليدية، فحزب "البديل" يتهم النخبة الألمانية في برلين وبروكسل بـ"خيانة الشعب"، بينما يهاجم بن غفير النخبة "الليبرالية" والمؤسسة الأمنية والقضائية الإسرائيلية، مدعياً تمثيل "الهامش المغيب"، كما يعتمد الحزبان على استراتيجية كسر "التوابو" السياسي (Political Taboos).

 

تصريحات بن غفير الاستفزازية حول الترحيل والسيطرة والقتل الممنهج بدافع ديني بحق الفلسطينيين تقابلها تصريحات قادة حزب "البديل" التي تحاول إعادة صياغة التاريخ الألماني والتقليل من عقدة الذنب التاريخية، ولكن يختلفان في المرجعيات فحزب "عظمة يهودية" هو حزب ثيوقراطي (ديني متطرف) يستند إلى تأويلات توراتية تمنح الحق الحصري للأرض، ويسعى إلى صبغ الدولة بالهوية الدينية، وفي المقابل، حزب "البديل" قومي علماني/محافظ، يركز على الثقافة الأوروبية الغربية والسيادة الوطنية ضد العولمة، من دون الاستناد إلى نص ديني.

ونرى على نطاق العمل وتموضع يختلفان في أن حزب بن غفير يعمل في بيئة صراع مسلح مباشر، ويركز خطابه على التسلح والأمن الميداني ودعم الاستيطان المسلح، بينما يتحرك حزب "البديل" في بيئة ديمقراطية أوروبية مستقرة نسبياً، ويركز على السياسات البرلمانية والقوانين الاقتصادية ومناهضة التكتلات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي.

وعلى كل حال حزب بن غفير وحزب "البديل" هما تجليان لظاهرة "اليمين المتطرف الصاعد"، ويستخدمان أدوات شعبوية متطابقة لإثارة المخاوف الديموغرافية والأمنية، ومع ذلك، يظل حزب بن غفير نموذجاً أكثر راديكالية وعنفاً لكونه يعمل في بيئة صراع وجودي ومسلح، ويمتلك نفوذاً تنفيذياً مباشراً داخل الدولة، في حين يظل حزب "البديل" محاصراً داخل المؤسسة البرلمانية الألمانية حتى الآن من دون القدرة على قيادة الجهاز التنفيذي للدولة.

الفاشية الناشئة في الائتلاف الإسرائيلي وردود الفعل الدولية

 وشهدت الأروقة السياسية الدولية والمحلية ردود فعل متباينة على خلفية التصريحات المتتالية لوزير الأمن الوطني الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، التي بلغت ذروتها بالدعوة الصريحة إلى "إعدام الأسرى الفلسطينيين بنصب المشانق أو بإطلاق النار على الرؤوس"، والمطالبة بتصفية ما بين 30 و50 مدنياً كل ليلة"، إلى جانب تهديداته بحرق الجبهات الإقليمية المقاومة للوجود الإسرائيلي.

ويذكر المؤرخ وأستاذ التاريخ الإسرائيلي- الأميركي يوآف دي كابوا في أبحاث تاريخية وسياسية منشورة مُسبقاً حذر فيها من أن ما يسمى "العقيدة الإبادية" (Genocidal Ideology)، وأن هذه الاندفاعة الخطابية تجاوزت مربع "المناكفة السياسية" لتضع المجتمع الدولي، وحلفاء تل أبيب التاريخيين، "أمام مواجهة مباشرة مع فكر فاشي بات يمتلك مفاصل القرار التنفيذي داخل الدولة العبرية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حقيقة الأمر لا يمكن عزل تصريحات بن غفير عن البنية الفكرية لحزبه "عظمة يهودية"، إذ لم تعد التصريحات الراديكالية لوزير الأمن الوطني الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، مجرد وقود للتعبئة الانتخابية المحلية، بل تحولت إلى أزمة استراتيجية مزدوجة تضرب مفاصل الدولة العبرية في كونه يتحرك وفق محددات واضحة حيث نجح الحزب في تحويل خطاب "محو الآخر" من هوامش الشارع المتطرف إلى أروقة التشريع والحكومة، ومن ثم يتلاقى بن غفير مع حليفه بتسلئيل سموتريتش رئيس حزب "الصهيونية الدينية" وصاحب تصريح "تجويع مليوني فلسطيني في غزة قد يكون عادلاً وأخلاقياً"، ليشكل الطرفان "محور الإبادة والتهجير الممنهج" داخل الحكومة ويضع هذا التيار الفلسطينيين أمام خيارات متوازية هي العيش كتابعين بلا حقوق، والتهجير القسري، أو الموت الميداني، وهي جينات فكرية تلتقي مباشرة مع مبادئ الفاشية.

وعلى صعيد تحليل ردود الفعل كما ذكرت أحدثت هذه المواقف شروخاً عميقة في الساحات الدولية والمحلية وفي الداخل الإسرائيلي أيضاً، إذ نجد أن قرب حلفاء إسرائيل في واشنطن والعواصم الأوروبية يواجهون اليوم معضلة أخلاقية وقانونية غير مسبوقة، ففي النزاعات الدولية، غالباً ما تجد المحاكم صعوبة في إثبات "نية الإبادة" لكن خطابات بن غفير العلنية دفعت بالمنظمات الحقوقية في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية للتحرك الجاد صوب فرض عقوبات فردية مباشرة على بن غفير تشمل حظر السفر وتجميد الأصول، في محاولة بائسة للفصل بين دعم بقاء الدولة مكروهة وتغطية نوازع يمينها الفاشي.

أما في الداخل تجد المؤسسة التقليدية الإسرائيلية المدنية والعسكرية على حد سواء أن بن غفير وتصريحاته حول الأسرى خطر داهم يعمق العزلة الاستراتيجية للدولة، ويعوق صفقات التبادل، ويضع ضباط الجيش تحت مقصلة الملاحقة الجنائية الدولية كمرتكبي جرائم حرب، مما دفع نتنياهو في أكثر من لقاء سياسي إلى أن يتبرأ من تصريحات وزرائه المتطرفين لاسترضاء البيت الأبيض والمنظومة القانونية، لكنه يرفض اتخاذ أي إجراء عقابي أو إقالة بحقهم، لكون بن غفير وسموتريتش وزيران لشريان مهم داخل الائتلاف الحكومي لحزبه، وبسقوطهما تسقط الحكومة.

وفي نهاية الأمر يمثل إيتمار بن غفير وحزبه "فاشية السلطة الناشئة" التي أعادت صياغة مفهوم الأمن على أساس التصفية العرقية، ورغم نجاح ردود الفعل الدولية في عزل بن غفير دبلوماسياً وتطويقه قانونياً، فإن هذه الإجراءات تظل قاصرة وعاجزة عن كبح ممارساته الميدانية التي أضحت غزة اليوم الهدف الصريح ومن ثم موضوع فاشية بن غفير لا تخص مستقبل الفلسطينيين وحدهم، بل تضع المنظومة القانونية الدولية برمتها أمام اختبار الانهيار أو الانتصار لقيمها الإيديولوجية الفاشية بامتياز.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل