ملخص
أخطر ما يواجه السلطة الانتقالية في نيامي في المرحلة المقبلة ليس تهديداً خارجياً بالمعنى التقليدي، بل تآكل تدريجي في الثقة الداخلية بقدرتها على حماية حتى رمزها الأعلى أي القصر الرئاسي نفسه. فحين يتكرر استهداف العاصمة ثلاث مرات خلال عام واحد، يصبح من الصعب على الخطاب الرسمي الاستمرار في تصوير كل هجوم باعتباره حادثاً معزولاً جرى احتواؤه بنجاح.
في فجر السبت 29 أغسطس (آب)، استيقظت نيامي على دوي انفجارات وتبادل إطلاق نار كثيف طاول محيط مطارها الدولي "ديوري حماني"، ووصل هذه المرة إلى محيط القصر الرئاسي ذاته، في تطور نوعي يكسر نمطاً كان يحصر الاشتباكات في أطراف البلاد الحدودية بمنطقة الحدود الثلاثة مع مالي وبوركينا فاسو.
اللافت أنّ مصادر أمنية تحدّثت عن محاولة اختراق محيط الحراسة الرئاسية نفسها، في وقت لزمت السلطات الصمت ساعات من دون بيان رسمي، بينما وضعت الثكنات العسكرية في العاصمة في حالة تأهب قصوى. هذا الحادث ليس معزولاً، بل هو الثالث من نوعه الذي يستهدف مطار العاصمة والقاعدة الجوية 101 الملاصقة له خلال عام واحد فقط، بعد هجوم تنظيم داعش في يناير (كانون الثاني) الماضي وهجوم "جماعة النصرة" المرتبطة بـ"القاعدة" في يونيو (حزيران)، وهو ما يفتح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة المجلس العسكري الحاكم في النيجر برئاسة الجنرال عبد الرحمن تياني على الإيفاء بالوعد الذي بُني عليه انقلاب يوليو (تموز) 2023، أي استعادة الأمن.
حين أطاح الجنرال تياني الرئيس المنتخب محمد بازوم في يوليو 2023، جاء تبريره الأساسي هو فشل الإدارة المدنية في مواجهة التمدد الإرهابي، ووعد بمقاربة أمنية أكثر حزماً تستعيد هيبة الدولة في مناطق الأطراف. وعلى هذا الأساس أعاد النيجر ترتيب تحالفاته الخارجية بالكامل، فطرد القوات الفرنسية نهاية 2023، وأنهى التعاون مع القيادة العسكرية الأميركية "أفريكوم"، وفتح الباب واسعاً أمام موسكو، إذ وصل مدربون ومعدات عسكرية روسية ابتداءً من أبريل (نيسان) 2024، ثم تعمّق التعاون عبر ما يعرف بـ"أفريكا كوربس" الذي حلّ محل مجموعة فاغنر السابقة.
غير أنّ حصيلة عام 2026 وحده تكشف مفارقة صعبة على هذا الخطاب: ففي يناير هاجم تنظيم "داعش" قاعدة 101 العسكرية الملاصقة لمطار نيامي بأربعين مسلحاً تقريباً، وفي فبراير (شباط) سقط 36 جندياً على الأقل في هجوم لـ"جماعة النصرة" على موقع عسكري بماكالوندي، وفي يونيو تجدد استهداف محيط المطار نفسه، وفي يوليو سقط 16 جندياً في كمين بمنطقة تيلابيري، ثم 17 آخرين في منطقة ديفا جنوب شرقي البلاد، قبل أن يأتي حادث فجر الـ 29 من أغسطس ليطاول للمرة الأولى محيط القصر الرئاسي ذاته. هذا التصاعد الجغرافي من الأطراف الحدودية نحو قلب العاصمة يمثل تطوراً نوعياً خطيراً، ذلك أن العاصمة كانت تعتبر تقليدياً الحصن الأخير الآمن نسبياً مقارنة بمناطق تيلابيري وديفا الحدودية.
أيضاً دلالة الموقع المستهدف تحديداً، فمطار ديوري حماني ليس منشأة مدنية عادية، بل يضم القاعدة الجوية 101 التي كانت تستضيف سابقاً القوات الفرنسية قبل طردها نهاية 2023، وتحوّلت لاحقاً إلى مقر عمليات مشترك للتعاون الأمني بين دول تحالف الساحل، فضلاً عن كونها موقع تخزين لشحنات من اليورانيوم، أحد أهم موارد النيجر الاستراتيجية، الذي كان محور نزاع سابق مع باريس. استهداف هذا الموقع تحديداً، وليس أي منشأة عسكرية أخرى، يحمل بعداً رمزياً يتجاوز الحصيلة البشرية للهجوم ذاته، إذ يضرب في العمق رمزية "السيادة المستعادة" التي بنت عليها السلطة الانتقالية جزءاً كبيراً من خطابها الشعبي منذ طرد القوات الغربية.
ربما تكون المفارقة الأكثر دلالة هي أن التقارب مع موسكو، الذي جرى تقديمه للرأي العام النيجري بديلاً "سيادياً"، وأكثر فاعلية من الشراكة الغربية السابقة، لم يترجم بعد إلى تحول حاسم في موازين المعركة ضد الجماعات الإرهابية. فالعناصر الروسية الموجودة في قاعدة 101 تنحصر مهامها غالباً في الصيانة الفنية للمعدات والتدريب والاستخبارات، ولا تشارك في العمليات الميدانية المباشرة إلى جانب الوحدات النيجرية، وقد أشاد الجنرال تياني علناً بدور العناصر الروسية في الدفاع عن "قطاعها الأمني" في أثناء هجوم يناير، لكن هذا الدور المحدود جغرافياً لم يمنع تكرار الهجمات وتوسع نطاقها لاحقاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بعبارة أخرى، يبدو أن الشراكة مع موسكو منحت النظام غطاءً سياسياً وسرديات سياسية وإعلامية أكثر مما منحته تفوقاً عسكرياً فعلياً على الأرض، وهي فجوة بين الخطاب والواقع الميداني تزداد اتساعاً مع كل هجوم جديد.
في مقابل تعثر الأداء الأمني، مضت السلطة الانتقالية بخطى واسعة في تكريس قبضتها السياسية الداخلية. فقد حُلت 172 حزباً سياسياً، وعُلقت خمس نقابات عمالية، ولا يزال الناشط الحقوقي موسي تشانغاري رئيس منظمة "ألترناتيف" رهن الاعتقال. أما الرئيس المخلوع محمد بازوم فبعد انقضاء ولايته الرسمية في أبريل 2026 من دون محاكمة أو تهمة رسمية على رغم رفع الحصانة عنه، وعلى رغم قرار غير ملزم للبرلمان الأوروبي بغالبية 524 صوتاً يطالب بإطلاق سراحه، لا يزال محتجزاً مع زوجته في جناح بالقصر الرئاسي من دون أفق واضح لحل قضائي أو سياسي.
اللافت أن هذا الملف، على رغم الزخم الدولي حوله، لم يتحول إلى ضغط داخلي فعلي مؤثر على شرعية النظام، ما يعكس نجاح السلطة في تحييده عبر خطاب سيادي يصوّر أي تدخل خارجي بشأنه باعتباره وصاية أجنبية مرفوضة، في وقت يبدو أن مصدر التآكل الحقيقي للشرعية الداخلية ينتقل تدريجياً من الملف السياسي إلى الملف الأمني نفسه.
في خضم هذا المشهد، مضت نيامي في تدشين مسار مؤسسي بديل عبر تحالف دول الساحل "الأليانس" الذي يضمها مع مالي وبوركينا فاسو. ففي الـ 24 من أغسطس، قبل خمسة أيام فقط من حادث القصر الرئاسي افتتح في نيامي البرلمان الكونفيدرالي للتحالف بمشاركة 45 نائباً معينين بالتزكية من الدول الثلاث من دون انتخاب مباشر، في خطوة وصفتها السلطات بأنها استكمال للبنية المؤسسية للتحالف. هذا التزامن بين الاحتفاء بمؤسسة إقليمية جديدة وتجدد الهجمات في قلب العاصمة يكشف عن منطق مزدوج تتبناه السلطة الحاكمة: بناء شرعية بديلة على المستوى الإقليمي والسيادي في وقت تتعثر القدرة على تقديم الإنجاز الأمني الملموس.
ولا تبدو حالة النيجر استثناءً معزولاً في محيطها، بل تكاد تكرر نمطاً رُصد سابقاً في تجربتي مالي وبوركينا فاسو، إذ جاء العسكريون إلى السلطة بوعود أمنية مماثلة، وأقاموا شراكات موازية مع موسكو، ومع ذلك لم تنحسر وتيرة العمليات الإرهابية في البلدين، بل تمددت في بعض المناطق، إذ لم يكن الوجود الروسي في جوهره إعادة تموضع جيوسياسي أكثر منها حلاً أمنياً ناجزاً. وهو ما يجعل من مسار البرلمان الكونفيدرالي المشترك، على رغم رمزيته السياسية غير كافٍ بذاته لسد هذه الفجوة ما لم يقترن بتحوّل ملموس في الأداء الميداني لقوات الدول الثلاث مجتمعة.
وهكذا، يضع حادث فجر السبت الأخير النظام الحاكم في النيجر أمام مفترق طرق حقيقي. فمن جهة يصعب على المجلس العسكري الاستمرار في تسويق الخطاب الأمني بوصفه الإنجاز الأكبر لثلاث سنوات من الحكم، حين يطاول الاشتباك محيط مقر الرئاسة ذاته.
ومن جهة أخرى، فإنّ أي محاولة لتصعيد القبضة الأمنية الداخلية أكثر، أو لتعميق الرهان الحصري على الشراكة الروسية من دون نتائج ميدانية حاسمة، قد يعمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش، خصوصاً في ظل التكلفة البشرية المتصاعدة بين صفوف الجيش النيجري نفسه. كما يبقى السؤال قائماً حول مدى تماسك الجبهة الداخلية في ظل تضييق سياسي مستمر، وحول ما إذا كان مسار التكامل مع دول الساحل الأخرى قادراً فعلاً على تعويض الفجوة الأمنية أم أنه سيبقي بناء مؤسسياً مواز لواقع ميداني متدهور. وبقدر ما يمثل هذا الملف امتحاناً داخلياً للنيجر، فإنه يحمل أيضاً دلالات أوسع على مستقبل تجربة الحكم العسكري في منطقة الساحل ككل، التي راهنت على المقاربة الأمنية الحازمة والابتعاد عن الشراكات الغربية التقليدية كبديل استراتيجي شامل.
ولعل أخطر ما يواجه السلطة الانتقالية في نيامي في المرحلة المقبلة ليس تهديداً خارجياً بالمعنى التقليدي، بل تآكل تدريجي في الثقة الداخلية بقدرتها على حماية حتى رمزها الأعلى أي القصر الرئاسي نفسه. فحين يتكرر استهداف العاصمة ثلاث مرات خلال عام واحد، يصبح من الصعب على الخطاب الرسمي الاستمرار في تصوير كل هجوم باعتباره حادثاً معزولاً جرى احتواؤه بنجاح، كما دأبت البيانات الرسمية على فعله عقب كل واقعة سابقة. وفي غياب أي مؤشر على استعداد السلطة لمراجعة نهجها الأمني أو لفتح نقاش داخلي حقيقي حول جدوي الشراكة الروسية الحالية، يبدو أن نيامي مُقبلة على مرحلة تُختبر فيها قدرتها على الجمع بين تشديد القبضة الداخلية من جهة، وتقديم إنجاز أمني ملموس يبرر استمرار شرعيتها من جهة أخرى، وهو رهان لم يعد تأجيل الاستحقاق فيه ممكناً.