ملخص
تتناول رواية "أهلاً أميركا" للكاتب الكتالوني مارتي غيل، سيرة سيفرينو كاريون، المهاجر الإسباني الذي هرب من الحرب والملاحقة إلى الولايات المتحدة، ليعيد اختراع ذاته بأسماء متعددة وينجح في عالم المطاعم، ويصبح عبر علاقاته بالرؤساء ونجوم هوليوود الوجه الآخر للحلم الأميركي، حين تقابل النجاح والشهرة تضحيات مؤلمة بالعائلة وحتى بالحياة الشخصية.
تحكي رواية "أهلاً أميركا" (دار العربي، ترجمة محمد أحمد حسين عن الإسبانية)، سيرة رجل الأعمال الكتالوني سيفرينو كاريون الذي اختار لنفسه لاحقاً اسم جان ليون (1928-1996). ويتتبع غيل رحلة مواطنه الشاقة من إسبانيا في أعقاب الحرب الأهلية الإسبانية إلى أميركا، بحثاً عن حياة أفضل، بعدما دُمّر منزل عائلته في الحريق الذي التهم سانتاندير عام 1941، وفقدان والده عقب قصف مركبة كان يستقلها. ومع استمرار تداعيات الحرب وبدء ملاحقته تمهيداً للتجنيد الإجباري، يقرر الفرار إلى أميركا.
وعبر رحلة شاقة يصل إلى فرنسا، ومن أحد موانئها يتسلل إلى سفينة عابرة للمحيط، فيكشفه أحد أفراد طاقمها، لكنه يتعاطف معه ويرفض الإبلاغ عنه، مدركاً أن مصيره إن كشف أمره سيكون الإلقاء في مياه المحيط. ويقبع الشاب أياماً في مخبأ مظلم داخل السفينة، قبل أن تنتهي رحلته الشاقة بالوصول إلى "أرض الأحلام"، حيث عمل في كثير من المهن البسيطة، قبل أن ينجح في شق طريقه في عالم المطاعم، ليصبح واحداً من أشهر رجال الأعمال في هذا المجال، وتتحول مطاعمه وجهة يقصدها كبار الساسة ونجوم هوليوود.
تجمع الرواية بين أدب السيرة وأدب المطاعم، إن صحّ التعبير الذي يكشف عن جوانب من الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الأميركي في المرحلة التي تدور فيها الأحداث.
ويبرز في الرواية سؤال الهوية بمعناه الواسع، بين الهوية الشخصية والهوية الوطنية. وهو أمر بديهي في رواية تقدم سيرة رجل شغلت حياته كثراً، إذ ظل جان ليون حاضراً في ذاكرة مدينته الأصلية، فأطلقت بلدية سانتاندير اسمه على أحد شوارعها تكريماً له. كذلك، كتب المؤرخ سيباستيان مورينو سيرته التي تناولت رحلته من إسبانيا إلى الولايات المتحدة وصعوده في عالم المطاعم، تحت عنوان "ملك بيفرلي هيلز". واستلهم المخرج السينمائي الوثائقي أغوستي فيلا قصته الشخصية في فيلم "3055. جان ليون" (2006)، متتبعاً مسيرته الاستثنائية من الهجرة والمطاردة إلى النجاح والشهرة. ثم يأتي مواطنه الكتالوني مارتي غيل ليعيد تقديم هذه السيرة روائياً، فتفوز الرواية بـ"جائزة رامون لول" الأدبية الرفيعة.
تقدم الرواية هوية متشظية لشاب حمل أكثر من اسم، وكل اسم منها يحمل رؤية مختلفة وعالماً خاصاً. ففي بداية حياته الأميركية، يضطر إلى انتحال اسم "جاستون رامون"، هرباً من الملاحقة داخل مجتمع المهاجرين الذي عاش فيه. اسم لشخص حقيقي لكنه لا يستطيع الحركة منحته له أمه لتسهل حركته في أميركا. وخلال هذه المرحلة يختبر العنصرية الأميركية عندما يهم بركوب الحافلة، فيجد السائق يوبخه ويفهم الأمر على الفور، البيض يجلسون في المقدمة والسود في المقاعد الخلفية. يتماهى "سيفي" مع عالم المهاجرين إلى أن يجد نفسه مضطراً إلى الهرب مرة أخرى عندما يُطلب للتجنيد في الجيش الأميركي مع اقتراب اشتعال حرب فيتنام. فيهرب إلى هوليوود تحت اسم جديد هو "جان ليون"، الاسم الذي سيتلصق به إلى الأبد.
ثلاثة أسماء
تكشف الأسماء الثلاثة التي حملها عن التحولات التي طرأت على شخصيته، وعن محاولته المستمرة لإعادة اختراع ذاته مع كل طارئ. فكل هوية من هذه الهويات تحمل عالماً مختلفاً من حياته. الأول يربطه بكتالونيا وإسبانيا، والثاني بأرض العالم الجديد التي يدك متناقضاتها "أدرك حينها أن كل شيء في أميركا يأتي بالجملة وضخماً وبلا حدود. كل شيء باستثناء ضيق الأزقة الجانبية وضيق بعض العقول المتعصبة. ولكنه لم يشأ لتلك الأفكار أن تعكر عليه أهمية اللحظة عندما تطأ قدماه تلك الأرض الجديدة العامرة بالفرص" (صفحة 17).
أما الاسم الثالث، فيختاره بإرادته الحرة جرياً وراء حلمه، لكن مع مرور الزمن تعود هويته القديمة لتطارده، فيظهر ممزقاً بين أكثر من انتماء، فلا يعود قادراً على تحديد أيها يمثل حقيقته الأصلية. فبعد أن عبر المحيط يفكر في العودة لهويته القديمة بعدما استحالت، ويصف السارد هذه الحال قائلاً "الحقيقة هي أن سيفرينو كاريون الذي وصل من سانتاندير وهرب من برشلونة كان بعيداً جداً لدرجة أنه لم يعد يتعرف إلى نفسه، على رغم أن شيئاً ما بقي من ذلك الشاب القادر على التحمس لمشروع أو حلم، والقادر على استثمار كل طاقته الممكنة لتحقيقه.
ومن ذلك سيفي الذي وصل إلى الولايات المتحدة برغبة في التهام العالم، احتفظ بالعناد وقوة الإرادة للشروع في أية مقامرة، والرغبة التي لا تشبع في صنع مكان لنفسه في العالم، وكان عليه أن يعترف بالحاجة إلى أن يكون محبوباً ومعترفاً به من قبل الأشخاص الذين طالما أعجب بهم والذين انعكسوا عليه في بناء شخصيته" (صفحة 214).
المطاعم والسلطة
تكشف الرواية كذلك عن العلاقة بين السلطة والمطاعم، من خلال مطعم "لا سكالا" في بيفرلي هيلز الذي ارتبط بنخبة المجتمع الأميركي من ساسة وفنانين وصناع رأي. علامة تجارية فخمة صنعها ليون في وقت اعتبر المحيطون به أنها منذورة للفشل لأن المشاهير حددوا الأماكن التي يحبون الجلوس فيها في العاصمة. لكن ليون استطاع بفضل سماته الشخصية أن يحظى بثقة النخبة ويشاركهم موائدهم وأسرارهم. فكان صديقاً شخصياً للرئيس الأميركي رونالد ريغان الذي بدأ حياته ممثلاً، وتنبأ لسيفي ولنفسه بمصيرهما قبل أن يصبح أي منهما على ما صار عليه لاحقاً.
ففي وقت كان سيفي يعمل نادلاً في أحد المطاعم، قال له ريغان "لك نبيذ رائع يا جان، ولجيمي مسيرة مليئة بالنجاحات، لكما معاً مطعم، ولي رئاسة الولايات المتحدة الأميركية". وفي الـ20 من يناير (كانون الثاني) عام 1981، يأتي ريغان إلى مأدبة في مطعم "لا سكالا"، ويذكّر جان بتلك النبوءة التي تحققت تقريباً كاملة. فقد أصبح جان صاحب المطعم الشهير، وأصبح ريغان رئيساً للولايات المتحدة، وخابت نبوءته في جيمي الذي كان ينتظر مستقبلاً واعداً قبل أن تضع وفاته المفاجئة بحادثة سباق سيارات حداً لطموحه.
مقر النجوم
دفعت الخصوصية التي وفرها مطعم ليون، نجوم المجتمع إلى التعلق بمطعمه "كانت المحصلة واضحة في ستة أسماء تركت فيه أثراً لا يُمحى: جيمس دين وفرانك سيناترا ومارلين مونرو وكينيدي وإليزابيث تايلور ورونالد ريغان، في المجموع أربعة ممثلين ورئيسان" (صفحة 236).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكشف هذه الأسماء عن المكانة التي احتلها جان ليون داخل المجتمع الأميركي، فبين زبائنه وأصدقائه جيمس دين (1931-1955) الذي أصبح أحد رموز هوليوود بعد بطولته في فيلم "متمرد بلا سبب" ووفاته المفاجئة بحادثة سيارة، وفرانك سيناترا (1915-1998)، المغني والممثل والمنتج الأميركي وأحد أبرز رموز الثقافة الشعبية في القرن الـ20، ومارلين مونرو التي ارتبط بها جان بعلاقة وثيقة وكان آخر من زارها قبل انتحارها بساعات.
وإضافة إلى نجوم السينما والغناء، تبرز علاقته بالرئيسين الأميركيين اللذين ارتبط بهما شخصياً، وكان مطعمه يستضيف حفلاتهما ومآدبهما، فيتحول "لا سكالا" من وظيفته الأساسية كمطعم إلى مكان تتقاطع داخله السلطة السياسية مع الشهرة الفنية والمال والإعلام. فالمائدة التي يجتمع حولها تقدم الطعام وتتيح بناء العلاقات وتبادل النفوذ وصناعة الصورة الاجتماعية، مما يجعل المطعم في الرواية مدخلاً للكشف عن البنية الخفية للمجتمع الأميركي.
ضريبة النجاح
مقابل هذا النجاح الكبير الذي حققه سيفي والذي جعله جزءاً من عالم الأشخاص الذين كان يراهم من قبل خلف شاشات السينما، ترصد الرواية ما تخلى عنه في سبيل الوصول إلى هذا الحلم. ويذكّره أحد أصدقائه القدامى بهذا التحول قائلاً "من كان يقول إن سيناترا الذي رأيناه معاً في تلك الليلة في السينما مع إيفا ماريا سيصبح في النهاية صديقك؟" (صفحة 220). وتكشف هذه الجملة عن المسافة الهائلة التي قطعها سيفي من موقع المتفرج على عالم النجوم إلى موقع من يجلس معهم إلى المائدة ويصبح واحداً من دائرتهم.
لكن هذا الصعود لم يكُن بلا ثمن، ففي طريقه إلى النجاح ضحى بما يعتبره كثير من الناس أثمن الممتلكات، العائلة القريبة المتمثلة في زوجته وأطفاله، والعائلة البعيدة، أمه وأخواته في برشلونة الذين انقطعت صلته بهم فترة طويلة. كذلك، تخلى عن هواياته الشخصية، وفي مقدمتها الفن والموسيقى التي كانت تحتل مكانة مهمة في حياته عندما كان يعيش في فرنسا. وابتعد كذلك من أولئك المجهولين الذين ساعدوه خلال أصعب مراحل حياته، ثم نسيهم عندما أصبح محاطاً بالنجوم. وتبرز الرواية الوجه الآخر للحلم الذي سعى إليه سيفي، فكلما تقدم خطوة في سلم النجاح، ضحى بشيء مقابله.
ويركز مارتي غيل في الرواية على اللحظات الفارقة في حياة مواطنه وعلى النكبات التي تعرض لها والشخصيات المؤثرة والنجوم الذين أحاطوا به والمواقف التي تكشف عن سمات كاريون وإصراره على الوصول إلى حلمه مهما كلفه ذلك. ويتوقف أيضاً عند شغفه بعالم المطاعم وبحثه المستمر عن كل جديد في هذا المجال في العالم كله، من أجل تقديم أطباق رئيسة داخل مطاعمه الفاخرة.
ولا يسير السرد زمنياً بصورة مستقيمة، وإنما ينتقل غيل بين مراحل مختلفة من حياة كاريون، ليقيم مقابلات بين الماضي والحاضر، وبين ما كان عليه الرجل وما وصل إليه، وبين سيفرينو كاريون الذي فرَّ من الحرب والفقر وجان ليون الذي أصبح محاطاً بالنجوم والساسة. ومن خلال هذه التنقلات الزمنية تتضح التحولات التي طرأت على الشخصية، وما كسبته في طريقها إلى النجاح وما خسرته، لتبرز قيمة المشروع الذي تصدى له مارتي غيل، إعادة بناء سيرة مواطنه روائياً، وتحويل حياة حافلة بالأحداث إلى مادة سردية تتجاوز التوثيق المباشر إلى مساءلة معنى النجاح والهجرة والهوية.