ملخص
جدد مقتل شاب برصاص مجموعة مسلحة أمام منزله بأم درمان القديمة ونهب هاتفه في أبريل الماضي، غضب الأهالي الذين طالبوا بضرورة حسم انتشار السلاح وتغول المجموعات المسلحة داخل الأحياء السكنية.
تعيش الأحياء الطرفية في مدن العاصمة الثلاث بحري وأم درمان والخرطوم حالاً من الترويع والتوجس بفعل تزايد انتهاكات مجموعات ترتدي الزي العسكري الخاص بالقوات النظامية، لا سيما عمليات القتل والنهب والسلب والاعتداءات ضد المدنيين، وشكلت هذه الحوادث في الآونة الأخيرة هاجساً حقيقياً للسكان، ما حدّ من حركتهم الطبيعية ونشاطهم التجاري والاجتماعي بخاصة بعد غروب الشمس.
شهدت مناطق عدة حالات توقيف في الطرقات وحوادث سرقة تحت تهديد السلاح، وكذلك توثيق حالة اغتصاب في منطقة أمبدة بأم درمان وسط مخاوف متزايدة من تفاقم مستويات العنف ضد النساء والفتيات في المناطق الطرفية بالعاصمة الخرطوم بظل انتشار المجموعات المسلحة وضعف الحماية وتردي الأوضاع الأمنية.
ورصد ناشطون عشرات الجرائم ترتكبها مجموعات مسلحة في الخرطوم وأم درمان، تعرض خلالها مواطنون إلى نهب هواتفهم وممتلكاتهم بواسطة مجموعات ترتدي زياً عسكرياً وتقف في نقاط تفتيش (ارتكازات) في شوارع العاصمة.
وجدد مقتل شاب برصاص مجموعة مسلحة أمام منزله بأم درمان القديمة ونهب هاتفه في أبريل (نيسان) الماضي، غضب الأهالي الذين طالبوا بضرورة حسم انتشار السلاح وتغول المجموعات المسلحة داخل الأحياء السكنية.
جرائم مروعة
في السياق، قال محمود هارون الذي يسكن منطقة الحاج يوسف بالخرطوم إن "الجريمة في العاصمة استفحلت بصورة مريبة حتى عقب تحريرها، فقد أصبح المواطنون لا يشعرون بالأمان وبات خروجهم من منازلهم محصوراً بالضرورة القصوى بسبب انتشار الجماعات المسلحة التي ترتدي زياً عسكرياً وترتكب جرائم مروعة لا سيما القتل بالرصاص من أجل النهب، فضلاً عن الاعتداء على الفتيات والنساء في الطرقات بخاصة في الأحياء الطرفية". وأضاف أن "العاصمة تشهد عودة مستمرة للنازحين واللاجئين، لكنها تفتقد الأمان، لا سيما أن الجماعات المسلحة تنتشر في تشكيلات مختلفة من دون ضوابط وهو ما تسبب في فوضى عارمة". وأوضح هارون أن "فوضى الزي العسكري وانتشار السلاح تقود إلى تشكيل واقع أمني جديد قد يهدد بوضع الخرطوم مجدداً على برميل بارود ينذر بانفجار أمني ودوامة أخرى من الصراع المسلح".
صعوبة البحث
النعيم بقادي، أحد سكان منطقة الصالحة بأم درمان، أشار إلى أن "أحياء العاصمة ظلت منذ أسابيع عدة تشهد عمليات نهب وسلب يقوم بها أفراد للأسف يرتدون أزياء عسكرية، ما يصعب عملية البحث والاكتشاف عن اللصوص في مثل هذه الظروف". ولفت إلى أن "أقسام الشرطة تكتفي بتسجيل البلاغات فحسب، ولا تقوم بدورها في المتابعة والتحقيق بجرائم السرقات المتكررة، بخاصة بعد تعدد الشكاوى من وجود أشخاص يرتدون أزياء عسكرية يقومون بعمليات نهب واسعة في أحياء مدينة أم درمان". ونوه بقادي إلى أن "ما يحدث للسكان من ترويع وحوادث قتل ونهب يمثل إحدى كوارث الحرب"، محملاً المعنيين "مسؤولية الإسهام في تناميها وانتشارها نتيجة عدم التحرك للحد منها بدرجة كبيرة".
عنف جنسي
وسط هذه الأجواء، كشف مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان عن توثيق حالة اغتصاب في منطقة أمبدة بمدينة أم درمان، متهماً أربعة مسلحين يرتدون الزي العسكري بالاعتداء على فتاة. وذكر المرصد في بيان أن "الحادثة وقعت فجر الخميس الماضي أثناء عودة الفتاة برفقة والدتها من مكان عملهما في أحد المطاعم إلى المنزل في منطقة بئر حماد". وأفادت الوالدة، بحسب المرصد، باعتراض أربعة رجال مسلحين يستقلون دراجات نارية طريقهما في أحد الشوارع المظلمة، قبل أن يعتدوا جنسياً على ابنتها بالتناوب تحت تهديد السلاح، فيما كانت والدتها شاهدة على الواقعة.
وأشار البيان إلى أن "الناجية نقلت عقب الحادث إلى قسم النساء والتوليد بمستشفى أمبدة، إذ تلقت الرعاية الطبية وخضعت للفحص". وأوضح البيان أن "الفحص الطبي أثبت تعرضها لاعتداء جنسي، إلى جانب استخدام السلاح والتهديد، وتعدد المعتدين، ما يمثل صورة خطرة من الإكراه والعنف الجنسي"، مبيناً أن "الاغتصاب المرتبط بالنزاع المسلح قد يرقى إلى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية وفقاً لظروف الواقعة وسياقها". وشدد على ضرورة حماية الناجية والشهود من الانتقام والوصمة، والحفاظ على الأدلة الطبية والقانونية، وكذلك ضمان حصول الناجية على الرعاية الطبية والنفسية والقانونية بصورة آمنة وسرية، مع احترام خصوصيتها وعدم نشر أي معلومات قد تكشف هويتها. وطالب المرصد السلطات المختصة بفتح تحقيق عاجل ومستقل ونزيه لتحديد هوية المشتبه فيهم والتحقق من صلة أي منهم بالقوات النظامية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقاً للقانون، بما في ذلك المسؤولية القيادية متى توافرت شروطها القانونية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مخاوف وتهديدات
على نحو متصل، قال المحامي والمستشار القانوني متوكل الطيب إن "تعدد الجيوش داخل العاصمة في مدنها الثلاث الخرطوم وأم درمان وبحري لا يحقق الاستقرار، بل ينتج جرائم بحق المدنيين من حوادث قتل وتهديد وسرقة الممتلكات ونهب في الطرقات العامة من دون مساءلة قانونية". ورأى الطيب أن "الوضع القانوني في العاصمة غير سليم، خصوصاً بعد انتشار المجموعات المسلحة وحدوث انتهاكات عدة خلال الفترة الماضية، لا سيما في الأحياء الطرفية من دون تدخل من السلطات لحسم هذه الفوضى على رغم تدوين بلاغات في أقسام الشرطة المختلفة"، وبين أن "معظم أحياء الخرطوم لا تزال خالية من السكان بسبب المخاوف من تدهور الأحوال الأمنية التي انهارت منذ اندلاع الحرب، وإن لم ينفذ قرار إخلاء العاصمة من المجموعات المسلحة بالسرعة المطلوبة فإن الوضع سيتجه إلى الأسوأ وستكون هناك عودة عكسية".
حملة مشددة
من ناحيتها، أعلنت وزارة الدفاع السودانية إجراءات أمنية مشددة لتنظيم الزي العسكري وحمل الأسلحة خارج المهمات الرسمية ومقار الوحدات النظامية، كذلك منعت ارتداء الزي العسكري أو أي من أجزائه في المركبات داخل السيارات المدنية.
وعززت الوزارة من نقاط تفتيش الهوية العسكرية، ونجحت في مصادرة كميات كبيرة من الأزياء والرتب العسكرية المقلدة التي كانت تباع أو تستخدم بصورة غير قانونية.
ودعا وزير الدفاع الفريق حسن داؤود كبرون جميع المواطنين الذين بحوزتهم أسلحة أو معدات عسكرية لتسليمها للوحدات العسكرية أو مراكز الشرطة لتفادي المساءلة القانونية، مشدداً على ضرورة تقنين مركبات الأجهزة النظامية المخصصة للأعمال الرسمية وإلزام المنسوبين بحمل الأوراق الرسمية وإثبات الهوية.
خطوات مهمة
على صعيد متصل، أوضح الناشط المجتمعي التجاني أزهري أن "إخلاء الخرطوم بالكامل من كل القوات والكتائب المسلحة إضافة إلى إكمال قوات الشرطة خططها وانتشارها الكامل والمحكم، خطوات تشجع المواطنين على العودة واستعادة الحياة الطبيعية"، ونوه إلى أن "استقرار الحياة المدنية يتطلب نزع السلاح، فضلاً عن أن انتشار مجموعات تحمل السلاح يعني الفوضى، ومن ثم عدم الأمان وتعدد الجرائم ". وتابع أزهري "يجب اتخاذ كل ما يلزم لاستتباب الأمن في العاصمة الخرطوم وإزالة المظاهر السلبية ورفع قيمة القانون وبسط هيبة الدولة".
جهود الشرطة
في غضون ذلك، كشف المتحدث الرسمي باسم الشرطة السودانية العميد فتح الرحمن محمد التوم عن ضبط عشرات المقار العسكرية الوهمية، إذ جرى إغلاق 40 مكتباً غير قانونية كانت تديرها تلك العصابات وكأنها مراكز رسمية، منها 18 مكتباً بالخرطوم و12 مكتباً بشرق النيل و10 في أم درمان، تستخدم لإصدار تصاريح مزورة، وابتزاز المواطنين، وإدارة خلايا خاصة للقبض على المدنيين ومساومتهم.
وتمكنت حملات أمنية من ضبط وتوقيف نحو 500 شخص بتهم انتحال صفة القوات النظامية في ولاية الخرطوم وحدها، وضبط بحوزة عدد من المتهمين، أزياء عسكرية تحمل شارات لرتب مختلفة.