ملخص
من شأن تلك الاستثمارات الهائلة في مجال الطاقة أن تسهم في تسريع تعافٍ اقتصادي طال انتظاره في فنزويلا، التي ما زالت تعاني آثار أزمة قاسية شهدتها بين عامي 2014 و2021، دفعت الملايين إلى الفقر.
أثار الاتفاق بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحكومة فنزويلا الانتقالية المدعومة من واشنطن في شأن استغلال نفط البلاد الكثير من الاهتمام والجدل، ليس في واشنطن وكاراكاس فحسب، بل في أسواق الطاقة عموماً، والدول المنتجة والمستهلكة للنفط خصوصاً.
الاتفاق، الذي يمنح الشركات الأميركية امتيازاً لاستكشاف وتطوير حقول فنزويلا وإنتاج وتسويق نفطها لمدة تقول أميركا إنها نحو قرن، بينما تقول رئيسة فنزويلا الانتقالية ديلسي رودريغيز إنها لمدة ربع قرن (25 عاماً)، ليس واضح التفاصيل.
لكن ما رشح عنه يثير التفاؤل في شأن إعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي وزيادة إنتاج البلاد، بعد عقود من الإهمال والتردي نتيجة غياب الاستثمارات وانعدام الصيانة والتطوير، بسبب العقوبات والضغوط الأميركية على كاراكاس منذ أن بدأ الرئيس الراحل هوغو تشافيز تأميم قطاع النفط عام 2007.
الفنزويليون، على رغم قلقهم من تسليم جزء من سيادتهم على ثروتهم النفطية للأميركيين، الذين أعلنوا أن الاتفاق يوفر لهم السيطرة على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطات النفطية الفنزويلية، يتفاءل بعضهم بشكل حذر بأن ضخ شركات الطاقة الأميركية الكبرى استثمارات بنحو 100 مليار دولار سيعني رواجاً اقتصادياً للبلاد.
وصرحت الرئيسة رودريغيز بأن زيادة إنتاج النفط ستعني حصول الحكومة على عائدات قدرتها بأكثر من 200 مليار دولار من الضرائب والرسوم وحصتها من مبيعات النفط، التي قدرها المحللون بنحو 19 دولاراً عن كل برميل تبيعه الشركات الأميركية، كما ذكرت وكالات "بلومبيرغ" و"رويترز" و"أ ف ب".
تبعات أبعد للاتفاق
ما زالت أسواق الطاقة تهضم الإعلان عن الاتفاق، وإن كان بعض المحللين ومؤسسات المال سارعوا إلى تقديم تقييمات أولية، إنما الأثر الأبعد فسيكون على الدول المنتجة والمصدرة، وفي مقدمتها تحالف "أوبك+"، والدول المستهلكة، وفي مقدمها الصين والهند.
ذلك بالطبع لكون فنزويلا من كبرى الدول النفطية في العالم، على رغم تدهور إنتاجها في الأعوام الأخيرة، إذ إن فنزويلا لديها أكبر احتياط معروف من النفط في العالم، بما يزيد على 300 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة.
وفنزويلا من الدول المؤسسة لمنظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" عام 1960، وما زالت عضواً بها إلى الآن، وعلى رغم أن إنتاجها الحالي، الذي يزيد قليلاً على مليون برميل يومياً، ليس مؤثراً كثيراً في سياسات إنتاج أوبك أو تحالف "أوبك+"، فإن عضويتها في المنظمة والتحالف مهمة، وإذا ضغطت أميركا لخروجها منه، فسيكون لذلك تبعات على المدى الطويل.
انخفض إنتاج البلاد من ما يقارب 3 ملايين برميل يومياً مطلع القرن إلى أقل من مليون برميل يومياً نهاية العام الماضي، قبل أن يعود إلى التحسن قليلاً إثر إطاحة واشنطن الرئيس نيكولاس مادورو مطلع العام الحالي. وكان التدهور نتيجة عدم قدرة شركة النفط الوطنية على صيانة وتطوير قدراتها بسبب القيود على الاستيراد، ثم الحصار الأميركي في ديسمبر (كانون الأول).
ومنذ تأميم قطاع الطاقة الفنزويلي في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، خرج غالب الشركات الأجنبية من القطاع، وتحديداً الشركات الأميركية مثل "إكسون موبيل" و"كونكو فيليبس"، ومع ذلك، كانت فنزويلا تسمح بالشراكة بين شركة النفط الوطنية والشركات الخاصة. وظلت عملاق الطاقة الأميركية "شيفرون" تعمل في فنزويلا في مناطق "الحقول المشتركة" تلك، التي تنتج ما يقارب ربع إنتاج فنزويلا من النفط.
تفاؤل فنزويلي حذر
من تعليقات الفنزويليين على مواقع التواصل يبدو أن هناك غالبية متخوفة من الاتفاق، وتعتبره "ارتهاناً لمقدرات البلاد" لدى الأميركيين، وتركزت الانتقادات على ضعف العوائد المتوقعة وفقدان السيادة الوطنية.
وفي محاولة لطمأنة الشعب الفنزويلي، قالت الرئيسة الموقتة ديلسي رودريغيز إن "الهدف من الاتفاق هو أن تتحول الاحتياطات الهائلة التي يملكها بلدنا تحت الأرض من مجرد أرقام جامدة إلى مصدر للرفاه الاجتماعي والاقتصادي للشعب".
هناك أيضاً شكوك بشأن تدفق الاستثمارات الأميركية الموعودة، بخاصة أن كبرى شركات الطاقة الأميركية ما زالت تتردد في دخول فنزويلا، وإن كان الاتفاق الأخير قد ذلل بعض العقبات القانونية والتنظيمية أمام قطاع الطاقة.
وإذا كان الاتفاق يهدف إلى استعادة مستويات الإنتاج الكبيرة السابقة، فإن متخصصون يرون أن الإنتاج لن يبدأ بالزيادة قبل ثلاثة أو أربعة أعوام، كما يقول الأستاذ في معهد الدراسات العليا للإدارة أوزالدو فيليزولا.
ويرى المتخصص في قطاع النفط أن "قيام الولايات المتحدة بدور الضامن للاستثمارات أمر إيجابي، لا سيما أن البلاد لم تتمكن من جذب استثمارات كبرى منذ أكثر من عقد". ويضيف، "لولا ذلك لما كان ممكناً استغلال هذه الحقول في الأعوام العشر أو الـ15 لمقبلة، لأن شركة النفط الوطنية الفنزويلية لا تملك الموارد لذلك".
ومن شأن تلك الاستثمارات الهائلة في مجال الطاقة أن تسهم في تسريع تعافٍ اقتصادي طال انتظاره في فنزويلا، التي ما زالت تعاني آثار أزمة قاسية شهدتها بين عامي 2014 و2021، دفعت الملايين إلى الفقر.
وهو ما جعل كثيراً من السكان يعلقون الآمال على الاتفاق، خاصة أولئك الذين يعيشون بحد أدنى للأجور يقل عن دولار واحد، إضافة إلى مساعدات حكومية قد تصل إلى 240 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ بعيد جداً عن كلفة السلة الغذائية المقدرة بنحو 730 دولاراً.
أبعاد استراتيجية
هناك أبعاد استراتيجية أوسع لاتفاق أميركا على استغلال نفط فنزويلا، تتجاوز مستقبل الاقتصاد الفنزويلي والعائدات والفوائد لشركات الطاقة الأميركية ،فالإدارة الأميركية الحالية مهتمة بالهيمنة على سوق النفط العالمية.
لكن على رغم أن أميركا أصبحت أكبر منتج للنفط بنحو 13 مليون برميل يومياً، فإن وعود الرئيس ترمب بزيادة الإنتاج 4 ملايين برميل يومياً تبدو غير قابلة للتحقيق، فتقديرات هيئة معلومات الطاقة الأميركية تشير إلى أن أقصى زيادة ممكنة لن تتجاوز مليون برميل يومياً بنهاية العقد الحالي.
وتسعى واشنطن إلى التحكم في إنتاج الدول التي في محيطها، وكان لاكتشافات الشركات الأميركية احتياطات كبيرة من النفط في غويانا، قبالة شواطئ فنزويلا، دافع لأن تسيطر أميركا على ما تستطيع من احتياطات خارج أراضيها.
المشكلة أن الإدارة الأميركية، مهما كانت خططها وأهدافها، لا يمكنها أن تفرض على شركات الطاقة الكبرى استراتيجياتها، لأن تلك الشركات خاصة وإداراتها مسؤولة أمام المستثمرين حملة أسهمها.
ووعود استثمار عشرات مليارات الدولارات في فنزويلا مرهونة بخطط الشركات المستقبلية، وليس بقرار البيت الأبيض ولا طموحات رئيسة فنزويلا الانتقالية.
لكن هل يمكن للإدارة الأميركية تحقيق الزيادة في النفط في السوق العالمية بإعادة إنتاج فنزويلا إلى ما كان عليه قبل التأميم؟
يقول المتخصصون إن التأثير في الأسواق لن يكون فورياً، إذ إن تحويل الاحتياطات إلى إنتاج فعلي يحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة تأهيل الحقول والمنشآت وشبكات النقل، كما أنه يأخذ وقتاً طويلاً يمتد لأعوام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير تقديرات بنك "جيه بي مورغان" إلى إمكان رفع الإنتاج الفنزويلي تدريجاً، إلا أن الوصول إلى مستويات أعلى يتطلب استثمارات وبنية تحتية وبيئة قانونية مستقرة.
وتعني البيئة المستقرة أن تتحسن الأوضاع الداخلية في فنزويلا، وتتمكن الحكومة من تعزيز شرعيتها في البلاد، وهذا الأمر هو أكثر ما يقلق الشركات الكبرى التي يفترض أن تنفذ ذلك الاتفاق بين واشنطن وكاراكاس، بخاصة أن تجربة التأميم بنهاية العقد الأول من هذا القرن ما زالت ماثلة في الأذهان.
محاولة تغيير سوق النفط
في رأي كثير من المحللين والمعلقين، فإن الاتفاق النفطي بين واشنطن وكاراكاس يتجاوز أهميته كصفقة حصول على امتياز لشركات الطاقة الأميركية الكبرى.
وذكر تحليل لوكالة "رويترز"، تمتد تبعات الصفقة إلى محاولة تغيير خريطة تجارة النفط العالمية، فزيادة ارتباط النفط الفنزويلي بالولايات المتحدة تعني عملياً تقليص مساحة النفوذ الصيني في أحد أكبر الاحتياطات النفطية العالمية، وإعادة توجيه جزء من التدفقات النفطية نحو السوق الأميركية، أو تحكم الشركات الأميركية في الوجهة التي يتجه إليها النفط.
وتسعى واشنطن بالفعل إلى بناء منظومة أمن طاقة في "نصف الكرة الغربي"، تجمع بين الاحتياطات الفنزويلية والشركات الأميركية، بما يعزز قدرة الولايات المتحدة على تأمين إمداداتها وتقليص اعتمادها على مصادر بعيدة أو أكثر تعرضاً للأخطار الجيوسياسية.
حتى مع زيادة تدريجية في إنتاج فنزويلا، إذا جرى تنفيذ الاتفاق بحسب التصريحات المعلنة، يمكن أن تؤثر تلك الزيادة في السوق. لكن ذلك مرهون أيضاً ببقاء فنزويلا ضمن عضوية أوبك وتحالف "أوبك+"، لأنها في تلك الحالة ستكون ملزمة بسياسات الإنتاج التي تحافظ على استقرار معادلة العرض والطلب.
ومن غير الواضح إن كانت الحكومة الفنزويلية، بحسب الاتفاق، ستكون صاحبة القرار في تحديد مستويات الإنتاج، فالشركات الأميركية هي من سيستثمر، وليست شركة النفط الوطنية الفنزويلية. ومن يتحمل الكلفة وينتج ويسوق هو من يقرر مستوى الإنتاج.