ملخص
في الأيام الماضية، ظهرت فضيحة طبية جديدة في لبنان ترتبط بمخالفات خطيرة يمكن أن تعرض المواطنين المعنيين للخطر، ومنها استعمال معدات طبية أكثر من مرة.
فضيحة جديدة تهزّ الرأي العام اللبناني، وهذه المرة من مكان يفترض أن يكون عنواناً للثقة والأمان: المستشفيات وغرف العمليات.
فالقضية لا تتعلق بمخالفة إدارية عابرة أو بتجاوزات مالية فحسب، بل بشبهات تمسّ بصورة مباشرة سلامة المرضى ونوعية المستلزمات والتجهيزات الطبية المستخدمة خلال العمليات الجراحية.
القضية بدأت تتكشف فصولها مع تحقيقات أجراها المدعي العام المالي القاضي ماهر شعيتو، والتي أظهرت مخالفات خطيرة مرتبطة بإحدى الشركات التي تتولى تزويد مستشفيات بمعدات وتجهيزات ومستلزمات طبية مخصصة للعمليات الجراحية، لتفتح بذلك ملفاً بالغ الحساسية حول طبيعة هذه المنتجات، وكيفية إدخالها وتوزيعها واستخدامها، ومدى خضوعها للرقابة والمعايير الصحية المطلوبة.
تغيير اسم بلد المنشأ
وقد كشفت المعطيات في التحقيقات أن مالكي الشركة المعنية عمدوا إلى تعديل تواريخ معدات طبية منتهية الصلاحية. كما أنها لجأت إلى تغيير بلد المنشأ من الصين إلى الولايات المتحدة. وعلى أثر كشف هذه المعطيات، أصدر القاضي شعيتو مذكرات توقيف بحق أصحاب الشركة ومديريها المسؤولين وعدد من الموظفين الذي يتولون استلام المعدات من المستشفيات، وتمت مداهمة مستودعات الشركة في منطقة شننعير في شمال بيروت وخُتمت بالشمع الأحمر.
واللافت أن التوقيفات شملت مراقباً صحياً تابعاً لوزارة الصحة العامة كان يعاين مركز الشركة وقد اطلع على طبيعة العمل فيه، قبل أن يبلغ مسؤولي الوزارة بأن نشاط الشركة قانوني وليس فيه أي مخالفة.
هذه الفضيحة أحدثت جدلاً وضجة واسعة في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لاعتبارها تمسّ بصحة المواطن وتشكل خطراً عليها. وأسئلة عديدة تطرح هنا حول المستشفيات التي يمكن أن تكون قد تسلمت هذا النوع من المعدات، وحول عدد المرضى الذين يمكن أن تكون حياتهم قد تعرضت للخطر جراء هذا الاستهتار بصحة المواطنين، إضافة إلى الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها كل من استخدمت له هذه المعدات المزورة.
كارثة طبية محتملة
وفي التحقيقات التي كشفت عنها التقارير، تبين أن الشركة المعنية (لم يكشف اسمها حتى الساعة) كانت تعمد إلى جمع معدات طبية مستخدمة مسبقاً في العمليات الجراحية وهي مخصصة للاستخدام مرة واحدة، فتتولى غسلها وتعقيمها وإعادة بيعها لاستخدامها مجدداً في الجراحات، وبشكل خاص المستلزمات المستخدمة في عمليات العظام ومنها المفصل الصناعي والبراغي والأسياخ المعدنية. وعلى أثر التحقيقات تم توقيف 13 شخصاً على ذمة التحقيق منهم مراقب صحي، وفق المديرية العامة للأمن العام.
علماً أن المعدات كانت توضب داخل مستشفى حكومي في لبنان مرة جديدة بعد استخدامها قبل إعادة بيعها.
حتى اللحظة، لا تزال التحقيقات مستمرة في هذه القضية، ولا تزال التصريحات الرسمية حولها محدودة. وعلى رغم خطورة ما كشفته التحقيقات واحتمال أن تكون هناك كارثة صحية خلف هذه الفضيحة، في حال ثبتت كل المعطيات التي وردت، إنما لم يكن هناك أي تصريح رسمي بعد من قبل الجهات المعنية المسؤولة.
المعنيون فضلوا عدم التصريح الآن
ولدى تواصلنا مع نقيبة مستوردي الأجهزة والمستلزمات الطبية في لبنان سلمى عاصي فضلت عدم التصريح حالياً عن القضية، مؤكدة أن ما حصل هو أن الأجهزة الأمنية داهمت الشركة من دون كشف مسبق وبغياب أي مندوبين من وزارة الصحة العامة كما تجري العادة لاعتبار أن هذه الأمور التقنية هي من مسؤولية الوزارة التي تحدد ما إذا كانت المستلزمات صالحة للاستخدام أو لا أو ما إذا كانت مستوفية الشروط، وإثر هذه المداهمة، تم توقيف الموظفين.
إلا أن عاصي فضلت عدم التصريح أو إبداء رأيها بهذه القضية لأن الحكم القضائي لم يصدر بعد لتحديد أين قد تذهب الأمور في هذا الملف.
في المقابل، أشارت إلى أن ما يتم التداول فيه عبر وسائل الإعلام ليس واضحاً بعد ولم تصدر كافة المعطيات عن الجهات القضائية رسمياً حتى يكون من الممكن الإدلاء بتصريح رسمي وفق الحقائق. وتوقعت أن تتضح الأمور في الأسبوع المقبل مع صدور الحكم القضائي في هذه القضية.
أما وزارة الصحة العامة، فعلى رغم محاولتنا المتكررة خلال إعداد هذا التقرير للتواصل معها، لكن لم يكن هناك أي رد منها على رغم أنها المعنية مباشرة في هذه القضية، بخاصة أنه تم توقيف المراقب الصحي لديها في هذه القضية.
فضحية متعددة الأطراف
صحيح أن الحكم القضائي لم يصدر بعد في هذه القضية والتحقيقات لا تزال جارية، ولم تثبت بعد كافة المعطيات المتداولة فيها، إلا أنها في حال ثبتت وتبين أن كل ما أعلن عنه صحيح، تعتبر هذه فضيحة تتعدد فيها الأطراف المسؤولة عن الفساد والاستهتار بصحة المواطنين.
وفي هذه الحالة، تطرح تساؤلات حول ما يمكن أن تكون لذلك من تداعيات خطيرة على صحة المواطنين المعنيين، وتحديداً من يمكن أن تكون قد استخدمت المعدات الطبية الفاسدة له، في حال ثبت ذلك. وهنا من الممكن أن تكون قد استخدمت معدات أو مفاصل صناعية لمرضى سبق أن استعملت لآخرين، فيما من المفترض أن تستخدم هذه مرة واحدة فقط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خطر مميت في إعادة الاستخدام
في حديثه حول الأخطار، يعود الطبيب الاختصاصي في جراحة التجميل والترميم الدكتور جو خوري إلى البدايات في الأعمال الجراحية، مشيراً إلى أنها كانت تجرى وفق ظروف ومعايير مختلفة في التعقيم والاستخدامات. ففي البدايات، وتحديداً حتى منتصف القرن 19، كانت الجراحة تجرى على مرضى مقيدين فيعانون آلاماً حادة، وكانت تسجّل معدلات وفيات هائلة بسبب التلوث.
لكن مع تطور الأعمال الجراحية حصلت تغييرات في عالم الطب في هذا المجال. وكان قد لوحظ بين الأربعينيات والستينيات من القرن 19، وفاة طفل واحد من أصل سبعة في الولادات، إما على أثر ارتفاع في الحرارة أو في ظروف مختلفة.
لكن لم تكن الأسباب من وراء ذلك معروفة، إلى أن لوحظ أنه عندما يغسل الجراح يديه كانت الحالات الأفضل ولم يكن الأطفال يموتون. وقد تبين عندها، بحسب خوري، أن إزالة البكتيريا والحرص على التعقيم والنظافة يسهمان في الحفاظ على السلامة في الأعمال الجراحية. انطلاقاً من ذلك، تم الانتقال إلى مرحلة التعقيم التي اعتبرت ضرورية بعدها لتجنب الأخطار، ومع مرور السنوات، حصل أيضاً تطور في وسائل التعقيم وفي المعايير المعتمدة في ذلك، حتى أنه في مرحلة سابقة، كانت تغسل القفازات ويعاد استخدامها لأن أسس التعقيم لم تكن معروفة بعد.
الغشاء الحيوي البكتيري
من جهة أخرى، يميز خوري بين المعدات التي تستخدم في الجراحة من أدوات يحتاجها الجراح مثل الإبرة والمقص وجهاز المنظار وغيرها، وتلك التي تدخل إلى جسم المريض مثل المفاصل الصناعية والبراغي والروسور للقلب والعدسات في العينين. ويقول "هي عبارة عن أجسام غريبة تعتمد في مختلف المجالات وتعتبر ضرورية. وفي هذه الحالة، إما أن تحصل عملية الالتئام أو الاندماج لأي منها في الجسم، أو أن يرفضها أو يمكن أن تولد تلقائياً كبسولة من حول المفصل أو هذا الجسم الغريب لحمايته".
في ما يتعلق بالبراغي المستخدمة في جراحات معينة، أصبحت تعتمد تلك التي من الذهب أو التيتانيوم لاعتبارها آمنة أكثر من تلك المصنوعة من الحديد والمعتمدة سابقاً، يكشف خوري، وبالتالي تكون موجودة في الجسم ولا يكون هناك خطر بأن تتكون البكتيريا، لكن في ما يتعلق بالمفاصل الصناعية، هي تستهلك خلال عدد معين من السنوات وكونها لا تندمج في الجسم أيضاً، تتشكل كبسولة أو غشاء حولها لتوفير الحماية منها وليحمي الجسم نفسه من البكتيريا التي تتكون حول المفصل الصناعي. وتكمن المشكلة تحديداً في الغشاء الحيوي البكتيري الذي يتشكل حول المفصل.
ويكشف "من الممكن أن تحصل حالة وفاة مثلاً بعد فترة قصيرة من وضع المفصل الصناعي. وفي حال نزع المفصل الصناعي لإعادة استخدامه، لا يكون من الممكن تعقيمه وإعادة استخدامه لأن الغشاء الحيوي البكتيري مقاوم للتعقيم. فلا يمكن إعادة استخدام مفصل صناعي سبق أن استخدم لمريض آخر، وينطبق ذلك على الجهاز الوريدي المركزي المزروع وعلى كل ما يوضع في جسم مريض، فلا يمكن أن يعاد استخدامه مرة أخرى حتى بعد التعقيم لأن في ذلك خطراً مميتاً، وفي ذلك عملية غش تقني وأخلاقي".
تغيير اسم بلد المنشأ
من جهة أخرى، في القضية عينها، أشارت الأجهزة الأمنية إلى وجود معدات قامت الشركة المعنية بتغيير بلد المنشأ من الصين إلى الولايات المتحدة. بحسب خوري، لا يمكن إدخال معدات طبية إلى لبنان إلا إذا كانت حائزة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية أو الهيئة الأوروبية. ولا يمكن إدخال أي دواء لم يحصل على موافقة أوروبية أو أميركية. لكن كما تظهر المعطيات الأولى في هذه القضية، فقد تم تغيير الملصقات على المعدات الصينية المنشأ لتوضع أخرى أميركية. وإذ لا ينكر خوري أنه ثمة معدات صينية ممتازة ويمكن أن تكون موافقة للمعايير، من الممكن ألا تكون كذلك لأن الرقابة ليست متوافرة دائماً في الصين.
انطلاقاً من ذلك، يشدد خوري على أن إعادة استخدام معدات لمرضى سبق أن استخدمت لآخرين، يحمل خطراً مميتاً لأن البكتيريا تقاوم عندها المواد المعقمة، وثمة طرق تعقيم ومواد خاصة بها، ولا يمكن أن يحصل ذلك بطريقة عشوائية. لكن في كل الحالات، هذه التجهيزات معدة للاستخدام مرة واحدة، ولا يمكن إعادة استخدام كل ما هو عبارة عن مزروعات في الجسم أو مفاصل صناعية أو كل ما يدخله الجراح إلى جسم الإنسان، وليس هناك أي استثناءات.
ويشكل ذلك خطراً أكبر بعد على المسنين كونهم يعانون ضعفاً في المناعة، وعلى كل من يعاني ضعفاً في المناعة أيضاً، ويتابع "حتى أن الشراشف التي كانت تستخدم في غرف العمليات سابقاً وكانت تعقم، باتت تستخدم اليوم مرة واحدة فقط وأصبح كل ما يستخدم في العمليات، معداً للاستخدام مرة واحدة فقط، خصوصاً بعد أن تبين أن تكاليف التعقيم هي أعلى من تلك المترتبة عن استخدام معدات جديدة".
في النهاية، يترقب الرأي العام اللبناني صدور الحكم القضائي خلال الأيام المقبلة، وعندها تتضح الأمور بشأن هذه القضية، وفي حال ثبتت هذه الاتهامات التي جرى الحديث عنها، ستسجّل حينها فضيحة طبية جديدة في تاريخ لبنان وكارثة من الممكن أن تتعدد ضحاياها.