Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميركا وإثيوبيا: شطرنج النفوذ فوق رقعة القرن الأفريقي

تبحث واشنطن عن شريك قادر على إنتاج الأمن بالمنطقة بينما تسعى أديس أبابا إلى تحويل وزنها الإقليمي إلى ثقل استراتيجي

عبر التعاون بين واشنطن وأديس أبابا تتشكل مساحة مساومة قد تعيد رسم توازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي (أ ف ب)

ملخص

إذا بقي الاتفاق بين واشنطن وأديس أبابا إطاراً سياسياً، سيتلاشى أثره تدريجاً، أما إذا أنتج شبكات استخبارات واتصال وتدريب وقدرات مستدامة، فقد يصبح جزءاً من إعادة تشكيل ميزان القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، من دون أن يتحول بالضرورة إلى تحالف عسكري بالمعنى التقليدي.

ظل القرن الأفريقي جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، لكن التحولات الأخيرة في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب أزمات شرق أفريقيا، رفعت من وزن المنطقة في هذه الحسابات، وفي هذا السياق تصبح إثيوبيا، بحجمها الديموغرافي والعسكري وموقعها عند تقاطع ملفات النيل والقرن الأفريقي، جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز حدودها الوطنية. ومن هذه الزاوية، ينظر إلى التحول الذي طرأ على العلاقة الإثيوبية - الأميركية خلال أغسطس (آب) الجاري، كمؤشر إلى مسار أوسع لإعادة صياغة التعاون الأمني بين البلدين، بما قد يفتح الباب أمام ترتيبات عملية تتجاوز مستوى التفاهم السياسي.

ففي الـ19 والـ20 من أغسطس الجاري استقبل "البنتاغون" وفداً إثيوبياً برئاسة المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري بوزارة الدفاع الإثيوبية اللواء تشومه غمتشو، وأفضت المشاورات مع نائب مساعد وزير الحرب للشؤون الأفريقية برايان ج. إليس إلى اتفاق لرفع التعاون العسكري والأمني إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة. ولم يتضمن الإعلان، حتى الآن، معاهدة دفاع أو ترتيبات تمركز أو حزمة تسليح معلنة، والتي ربما تترجم إلى عقيدة تعاون، وتبادل استخباري وتدريب وقدرات لوجيستية، وربما إلى وصول أوسع إلى شبكات الموانئ والاتصالات والمراقبة.

وتكتسب استضافة إثيوبيا لـ"الندوة الأفريقية للوجيستيات والاتصالات 2026"خلال يوليو (تموز) الماضي، دلالة تتجاوز رمزية المصالحة. فقد جمع المؤتمر، الذي نظمته القيادة الأميركية في أفريقيا بالتعاون مع قوات الدفاع الإثيوبية، ممثلين عن نحو 40 دولة أفريقية حول اللوجيستيات والاتصالات والجاهزية، وهي مجالات تحدد عملياً قدرة أي قوة على التحرك، والاستمرار في العمليات، وتبادل المعلومات. ثم جاء اتفاق أغسطس على رفع التعاون الدفاعي والأمني إلى شراكة استراتيجية شاملة.

يتعلق الأمر بما تحاول واشنطن وأديس أبابا تحقيقه عبر هذا التعاون، فواشنطن تبحث عن شريك قادر على إنتاج الأمن في عمق القرن، وإثيوبيا تسعى إلى تحويل وزنها الإقليمي إلى نفوذ استراتيجي وموارد وقدرات. وبين الهدفين تتشكل مساحة مساومة قد تعيد رسم توازنات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتختبر حدود النفوذ الأميركي أمام المنافسة الدولية المتصاعدة هناك.

جذور التعاون

تربط إثيوبيا والولايات المتحدة علاقات دبلوماسية منذ عام 1903، لكن قيمة العلاقة ترتفع أو تنخفض تبعاً لموقع إثيوبيا في ميزان القوى ولحاجة واشنطن إلى شريك بمنطقة تتقاطع فيها اعتبارات البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وحوض النيل. وأصبحت إثيوبيا، بقوتها العسكرية وعمقها البشري وخبرتها، طرفاً مؤثراً في المعادلة الأمنية. وقد رسخت مشاركتها في الصومال وحفظ السلام خبرة في الانتشار والإمداد والقيادة والتنسيق مع القوات الأجنبية.

وتعود جذور التعاون الأمني إلى الحرب الباردة، حين شكلت إثيوبيا موقعاً مهماً في الحسابات الأميركية شرق أفريقيا، لقربها من البحر الأحمر وموقعها على تخوم منطقة مضطربة تتداخل فيها المصالح العربية والأفريقية. ومع سقوط نظام منغستو هايلي ماريام عام 1991، أعيد بناء العلاقة على أسس مختلفة، وارتبط التعاون الأمني أكثر بأمن الحدود والاستقرار.

وبعد هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، ازدادت أهمية إثيوبيا لواشنطن مع اتساع الاهتمام الأميركي بمواجهة الجماعات المسلحة شرق أفريقيا، وأصبحت أراضيها وقواتها جزءاً من ترتيبات أمنية. وانعكس ذلك في الدعم الأميركي لبناء القدرات والتعاون الاستخباري وتبادل المعلومات وتنسيق الجهود المرتبطة بالصومال ومواجهة الجماعات المسلحة، بما رسخ مصالح أمنية متبادلة.

أصابت حرب تيغراي بين 2020 و2022، الشراكة في صميمها، فبالنسبة إلى واشنطن، لم تعد إثيوبيا شريكاً أمنياً يمكن التعامل معه بمعزل عن سلوك الدولة تجاه النزاع وحقوق الإنسان. وبالنسبة إلى أديس أبابا، بدا أن الشراكة الأميركية تحمل قيوداً سياسية تتعارض مع حسابات الأمن والسيادة. لذلك كان اتفاق بريتوريا نقطة لفتح المجال لترميم العلاقة. وبدأ الترميم تدريجاً، إلى أن جاء إطار الحوار الثنائي خلال مايو (أيار) الماضي ليضع الدفاع والأمن والسلام الإقليمي ضمن مسار مؤسسي.

لا تبدو عودة التعاون الأمني استئنافاً لعلاقة انقطعت بفعل حرب تيغراي، وإنما عودة لشراكة قديمة يجري تعديلها في بيئة إقليمية مختلفة، مع بقاء تداعياتها حاضرة. فقد تغيرت التهديدات، واتسعت أهمية البحر الأحمر، وتداخل أمن الصومال مع الممرات البحرية، بينما أصبحت إثيوبيا أكثر حساسية تجاه استقلال قرارها السياسي والعسكري.

مسارات مترابطة

يقوم "إطار الحوار الثنائي المنظم" بين إثيوبيا والولايات المتحدة على نقل العلاقة من الاتصالات المتفرقة إلى آلية مؤسسية تتيح متابعة الملفات ذات الأولوية بصورة منتظمة. ويتوزع الإطار على ثلاثة مسارات مترابطة، توسيع التجارة والاستثمار ودعم النمو الاقتصادي، وتعميق التعاون الدفاعي والأمني، وتنسيق المواقف والجهود المتعلقة بالسلام والاستقرار الإقليميين. وقد صيغت هذه المسارات على أساس حماية المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، مع استعادة الثقة بوصفها شرطاً لازماً لاستمرار الحوار.

في المسار الدفاعي والأمني، لا يعلن الاتفاق إنشاء التزام دفاعي متبادل أو ترتيبات تمركز للقوات، وإنما يفتح المجال أمام إعادة بناء التعاون العسكري على أساس أكثر انخراطاً. ويشمل ذلك التدريب والتعليم العسكري، وتبادل الخبرات والمعلومات، ورفع مستوى التنسيق بين المؤسسات المعنية. ومن الناحية العملياتية، تكمن أهمية هذا المسار في إعادة بناء القدرة على العمل المشترك بعد سنوات من التوتر، فالهدف ليس زيادة الاتصالات فحسب، بل استعادة قدر من الثقة يسمح بتبادل المعلومات وتنسيق التقديرات في شأن التهديدات العابرة للحدود.

أما المسار الإقليمي، فيربط التعاون الثنائي بأمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما في ذلك الأزمات التي تتجاوز الحدود الإثيوبية. ويمنح ذلك واشنطن قناة منتظمة للتنسيق مع قوة رئيسة في المنطقة، فيما تحصل أديس أبابا على إطار سياسي وأمني أوسع للتعامل مع قضايا تمس أمنها ومصالحها الإقليمية.

ويكتمل الإطار بالشق الاقتصادي، الذي يستهدف توسيع التجارة والاستثمار وتعزيز مشاركة القطاع الخاص. وهذا البعد ليس منفصلاً من الأمن، فواشنطن تراهن على علاقة أكثر توازناً بين الأمن والتنمية، بينما ترى أديس أبابا في الاستثمار الأميركي مصدراً لرأس المال والتكنولوجيا والأسواق. وقد بدأت بالفعل محادثات اقتصادية موازية حول توسيع الاستثمار والشراكات الخاصة.

دوافع التقارب

يحمل الاتفاق الأميركي - الإثيوبي دلالات تتجاوز التعاون العسكري بمعناه الضيق، ويمكن تفسير دوافع هذا التقارب عبر خمسة اعتبارات مترابطة.

أولاً، إعادة تثبيت موقع إثيوبيا في الاستراتيجية الأميركية. تحتاج واشنطن إلى شريك ذي وزن سكاني وعسكري ودبلوماسي في قلب القرن الأفريقي، وقادر على التأثير في الصومال والسودان والبحر الأحمر، في ظل تنامي أدوار الصين وروسيا وتركيا. ومن ثم يوفر التعاون الدفاعي قناة للنفوذ وتبادل المعلومات والاتصال العسكري.

ثانياً، أمن البحر الأحمر والصومال ومكافحة الإرهاب والتداخل مع مصالح إسرائيل. وعلى رغم كونها دولة حبيسة، يرتبط أمن إثيوبيا الاقتصادي والاستراتيجي بالوصول إلى الموانئ والممرات البحرية، وتمثل إثيوبيا شريكاً مهماً في مواجهة "حركة الشباب" الصومالية، بما يجعل تعزيز قدراتها مرتبطاً بأمن الصومال والبحر الأحمر. وفي هذا السياق، يتقاطع الاستقرار في البحر الأحمر مع المصالح الأميركية والإسرائيلية في حماية الملاحة ومراقبة التهديدات الممتدة عبر باب المندب من الحوثيين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة قيام محور أميركي – إثيوبي - إسرائيلي معلن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثالثاً، الحرب في السودان وتداعياتها الإقليمية. تجعل الحدود الطويلة وتدفقات اللاجئين والسلاح الحرب السودانية تهديداً محتملاً لأمن إثيوبيا. وبالنسبة إلى واشنطن، يمكن أن توفر الشراكة مع أديس أبابا منصة سياسية وأمنية للمساعدة في احتواء الصراع ومنع امتداده إقليمياً.

رابعاً، سد النهضة وميزان القوى مع مصر. لا توجد معطيات تثبت أن الاتفاق يستهدف القاهرة، لكن تعميق العلاقة مع واشنطن قد يمنح أديس أبابا هامشاً تفاوضياً أكبر في شأن السد. وفي المقابل، تدرك واشنطن أن الانحياز الواضح لإثيوبيا قد يضر بعلاقاتها مع مصر ويقوض قدرتها على الوساطة.

خامساً، الحسابات الداخلية وإعادة بناء الشراكة المؤسسية. تسعى أديس أبابا إلى إعادة بناء علاقاتها مع الغرب وتعزيز مؤسساتها الدفاعية، فيما تريد واشنطن شريكاً قوياً من دون دعم غير مشروط لسياسات داخلية قد تعيد إنتاج الصراع، لذلك تتوقف استدامة التقارب على بناء علاقة مع مؤسسات الدولة، لا مع حكومة بعينها، وعلى الفصل بين التعاون الإقليمي والخلافات الداخلية.

سيناريوهات محتملة

تتوقف أهمية الشراكة الأميركية - الإثيوبية على قدرة الطرفين على تحويلها إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ، ونقلها من الحوار السياسي إلى تعاون استخباراتي ولوجيستي وعملياتي يعزز قدرة واشنطن على متابعة تطورات القرن الأفريقي، ويمكن أديس أبابا من التعامل بفاعلية أكبر مع بيئة أمنية متغيرة.

السيناريو الأول، شراكة أمنية متدرجة، تبدأ بالتدريب، وتبادل المعلومات، والاتصالات العسكرية، وبناء القدرات، قبل الانتقال إلى تعاون عملياتي أوسع. وهذا يمنح واشنطن نفوذاً دون التورط في التزامات دفاعية مباشرة، فيما تحصل إثيوبيا على التكنولوجيا والخبرة من دون الارتهان الكامل لواشنطن.

السيناريو الثاني، قد تتحول إثيوبيا إلى عقدة استخباراتية ولوجيستية أميركية غير معلنة. فالموقع الإثيوبي يتيح قراءة التحولات في السودان والصومال والبحر الأحمر، بينما يمكن دمج قدراته مع الشركاء الأميركيين في جيبوتي وكينيا والصومال. وتزداد قيمة هذا المسار مع تصاعد أهمية باب المندب وقيام ترتيبات إقليمية جديدة لحماية الملاحة.

والسيناريو الثالث، يتمحور حول الاختبار الأصعب وهو الوضع الداخلي. فإذا تصاعدت الحرب في تيغراي بصورة أكبر أو اتسعت النزاعات الداخلية، ستضطر واشنطن إلى المفاضلة بين الحفاظ على شريك عسكري مؤثر وبين منع استخدام التعاون الأمني في صراعات داخلية.

والسيناريو الرابع، ستراقب مصر والصومال وتركيا والصين وروسيا مستوى التحول بعناية. وأي توسع أميركي في القدرات الإثيوبية قد يقرأ باعتباره إعادة توزيع للنفوذ، حتى إذا قدمته واشنطن باعتباره تعاوناً دفاعياً محضاً.

أما السيناريو الخامس، وهو السيناريو الحاسم، ويتمثل في نجاح التنفيذ المؤسسي، فإذا بقي الاتفاق إطاراً سياسياً، سيتلاشى أثره تدريجاً، أما إذا أنتج شبكات استخبارات واتصال وتدريب وقدرات مستدامة، فقد يصبح جزءاً من إعادة تشكيل ميزان القوة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، من دون أن يتحول بالضرورة إلى تحالف عسكري بالمعنى التقليدي.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل