ملخص
جهات معارضة وصفت الحوار الوطني بـ"الخطاب المنفرد" و"المناجاة العقيمة"، هدفه تعديل دستوري لتعزيز سلطة رئيس الوزراء.
في احتفالية ضمت وفوداً أفريقية وأجنبية إلى جانب الرموز السياسية والشعبية، وصف رئيس جمهورية إثيوبيا الفيدرالية تايي أتسكي سيلاسي اختتام مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي الذي استمرت أعماله لمدة 40 يوماً من المداولات حول القضايا الوطنية الرئيسة، بأنه محطة تاريخية مهمة تعزز التطلعات المشتركة والوحدة الوطنية لإثيوبيا، مؤكداً أن الحوار يمثل ركيزة أساسية لقوة الدولة وحكمتها وقدرتها على إيجاد الحلول.
من جهته، وصف الرئيس النيجيري السابق والممثل السامي للاتحاد الأفريقي أولوسيغون أوباسانجو الحوار الوطني الإثيوبي بأنه عملية تاريخية ونموذج يُحتذى به لبقية دول أفريقيا.
جاء ذلك خلال مراسم اختتام مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي، يوم السبت 22 أغسطس (آب) الجاري، وأعرب الرئيس تايي عن بالغ تقديره لقيادة وموظفي لجنة الحوار الوطني الإثيوبي والجهات المتعاونة معها، من بينهم رجال الدين والشيوخ والنساء والشباب والمزارعون والرعاة والأكاديميون وممثلو الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وأعرب عن تقديره لرئيس الوزراء آبي أحمد لدوره في تحقيق المبادرة، ولمجلس نواب الشعب لإرسائه الأساس القانوني للعملية.
خمسة مخرجات
وأوضح الرئيس أتسكي سيلاسي أن الحوار الوطني حقق خمسة مخرجات رئيسة، أولها إيجاد بيئة ناضجة تتيح للأفكار البناءة أن تنشأ من تباين وجهات النظر بما يخدم المصلحة العامة. وثانيها نقل النقاش السياسي من ردود الفعل المتسرعة إلى الهدوء والتأمل العميق. أما المخرج الثالث، بحسب الرئيس، فهو وضع أساس لنقل المشهد السياسي الإثيوبي من المواجهة والعداء إلى التسامح والمصالحة. وأضاف أن المخرج الرابع تمثل في فتح الطريق أمام الانتقال بصورة دائمة من الصراعات السياسية والعنف والنزاعات المسلحة، وترسيخ السلام بحرية كأسس للممارسة السياسية مستقبلاً. وأشار إلى أن المخرج الخامس تمثل في الارتقاء بالتفاعل الاجتماعي من خلال تعزيز لغة الاحترام ووضع معيار جديد للخطاب السياسي المتحضر.
وفي معرض حديثه عن بعض السرديات المتعلقة بمستقبل البلاد، رفض الرئيس تايي توصيفات من قبيل أن "إثيوبيا عند مفترق طرق" أو أنها "على وشك الانهيار"، مشيراً إلى أن من يكرر مثل هذه الخطابات يخدم مصالحه الخاصة بدلاً من المسار الحقيقي للبلاد. وأكد أن مسار إثيوبيا ليس عند مفترق طرق، بل يمضي في طريق مباشر ومتواصل نحو النمو والوحدة، قائماً على الصبر.
وهنأ الممثل السامي للاتحاد الأفريقي أوباسانجو رئيس الوزراء آبي أحمد ولجنة الحوار الوطني على نجاح العملية وما حققته من إنجازات. وأشار إلى أن الهدف الأساس من الحوار الوطني يتمثل في ترسيخ السلام والأمن والاستقرار المستدام، بما يهيئ الظروف لتحقيق التنمية الشاملة والنمو في البلاد. وأكد أوباسانجو أن السلام له أهمية بالغة ويستحق بذل كل الجهود من أجله، مشيراً إلى أن التحضير للحوار الوطني استغرق أربع سنوات.
كذلك حث الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا الإثيوبيين على الحفاظ على روح الحوار، واحتضان تنوعهم، وتحويل مخرجات الحوار الوطني الإثيوبي إلى سلام مستدام وتوافق وطني. ووصف اختتام المؤتمر بأنه ليس نهاية لمسار الحوار، وإنما بداية لمسيرة وطنية أوسع نحو المصالحة.
رفض واتهام
على مستوى سياسي معارض، كان الأكاديمي النائب ديسالين تشاني Desalegn Chanie حذّر في وقت سابق من أن إجراء حوار "بينما تستمر النزاعات المسلحة" يجعله "عملية لا معنى لها"، وطالب بأن يكون خالياً من تأثير الحكومة ويشمل كل الأطراف.
من جهته، رأى جيش تحرير أورومو عملية الحوار الوطني "خطاباً منفرداً" (National Monologue) و"مناجاة عقيمة"، هدفها تعديل دستوري لتعزيز سلطة رئيس الوزراء. كذلك اتهم أعضاء اللجنة بالمشاركة في "استعراض حزب واحد".
وكانت حركة "فانو" الأمهرية وصفت الحوار بأنه "تمرين دعائي" لاستعادة شرعية الحزب الحاكم، ورفضت شرعية المشاركين.
وجدد "الحزب الثوري الشعبي الإثيوبي" رفضه ورأى أن من خلق الأزمة لا يمكنه حلها، كذلك اتهم حزب "إنات" الحاكم بالتلاعب.
مسيرة الحوار
كانت مسيرة الحوار الوطني في إثيوبيا بدأت إثر الدعوة التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 2021 أثناء اشتعال الحرب بين الحكومة الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير شعب تيغراي" التي استمرت لعامين (2020 - 2022). وفي مرحلة لاحقة أجاز مجلس الوزراء الإثيوبي إنشاء لجنة "الحوار الوطني للسلام" كاستجابة لدعوة "الحوار الشامل" الذي وعدت به الحكومة إبان الانتخابات البرلمانية في يونيو (حزيران) 2021، وكان آبي أحمد قال إن "الطريق نحو المستقبل هو تعزيز الوحدة الوطنية". وأجاز البرلمان الإثيوبي في مرحلة عملية تكوين لجنة الحوار الوطني كمؤسسة مستقلة، بينما تبنى "حزب الازدهار" بمؤتمره في الأول من مارس (آذار) 2022 شعار السلام. وقال رئيس العلاقات الدولية بالحزب بقلى هوريسا، "السلام والأمن يمثلان الأولوية الرئيسة للحزب".
واختتم مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي الذي جمع نحو 4 آلاف مشارك من مختلف أنحاء البلاد، الاتفاق على تبني محاور رئيسة، شملت بناء الدولة وهيكل الحكومة والنظام السياسي، ووضع المدن الفيدرالية، بما في ذلك أديس أبابا ودير داوا، والشؤون الدينية، وبناء المؤسسات وسيادة القانون وحقوق الإنسان، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية، بما فيها قضايا المزارعين والرعاة، ومكافحة الفساد والحكم الرشيد، وبناء السلام وحل النزاعات الوطنية.
ومثل الحوار الوطني الإثيوبي، في ظل الصراعات التي لا تزال تواجه دولاً أفريقية عدة، بارقة أمل لتحقيق سلام وطني يحذو طريق التصالح، وانتهاج الحوار كسبيل لحل الخلافات بين رموز السياسيين والأحزاب، والوصول الى توافقات حول قضايا الخلاف الرئيسة لأجل خلق سلام عادل تتفرغ بعده الجهود الوطنية نحو البناء.
نموذج يُحتذى به
الباحث المتخصص في الشؤون الإثيوبية والقرن الأفريقي عبد الصمد أحمد يشير بقوله "يعد الحوار الوطني الإثيوبي، بأسلوبه وبالمنهجية العلمية المرنة في الوقت ذاته، نموذجاً ربما يحتذى في المجتمعات الأفريقية لمعالجة جذور المشكلات. فقبل عام وستة أشهر جرى اختيار المفوضية التي تدير وتشرف وتقوم على الحوار الوطني، والتي استعانت بخبراء وعلماء من مختلف المجالات والمهن، والهيئات وكافة مؤسسات المجتمع المدني والأكاديمي، والإنساني الإثيوبي سواء من الداخل أو حتى في المهجر، وتمخّض عن ذلك حقيقة بداية عقد اجتماعات ومناقشات، واستخراج أسئلة المجتمع من مستوى القاعدة الجماهرية متمثلة في البلديات، ثم بعد ذلك جرى تصعيدها إلى المحافظات وبعد ذلك إلى الدوائر الإدارية الكبيرة، ثم إلى الإقليم، وبعدها جرى تصعيد كل المناقشات المتعلقة بالحقوق والتصورات إلى المستوى الفيدرالي، وجرى اختيار أربعة آلاف شخص يمثلون كافة هذه الشرائح والمكونات الإثيوبية الإثنية والثقافية والدينية والاجتماعية والفكرية، واجتمع هؤلاء لأكثر من 40 يوماً بدءاً بمجموعات صغيرة اقتصرت على عشرة أشخاص، ثم 50 شخصاً، بعد ذلك 250 شخصاً، فـ 500 شخص لمناقشة الأجندة بكل التفاصيل لهذه المجموعات وصياغتها وتقديمها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوضح "جرت قراءة كافة مخرجات هذا العمل بجهد شاق من قبل 4 آلاف شخص ومناقشة الاستدراكات والتوصيات، وصياغة كل ما جرى الاتفاق عليه في 400 توصية قدمت أخيراً كورقة نهائية في الحفل الختامي الذي عقد، والذي حظي بمشاركة رسمية إثيوبية ومشاركات دبلوماسية خارجية، ومشاركة رموز أفريقية كالرئيس النيجيري السابق والممثل السامي للاتحاد الأفريقي أولوسيغون أوباسانجو والرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا".
يؤكد أحمد "ما ينبغي الإشارة إليه في تجربة الحوار الوطني الإثيوبي أنها حرصت على أن تكون شاملة في تمثيلها بكافة أطياف المجتمع الإثيوبي من هيئات وأحزاب ومكونات قومية ومدنية، كذلك حرص المناقشون على تناول كافة المسائل الصغيرة والكبيرة في تجربة اعتقد أنها ستكون لها معطيات إيجابية في تحقيق شيء من السلام يمكن استثماره في بناء سياسي يحقق اسقراراً عبر التراضي الوطني".
حوار السياق الأفريقي ضرورة
الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الدولية محمد حسب الرسول في قراءته للواقع الأفريقي وقضية الحوار والسلام، يقول "مرت بلدان القارة الأفريقية خلال مسيرتها الوطنية بمراحل عدة أهمها صراعها للخروج من الاستعمار الغربي الذي كانت له انعكاسات متعددة تجاوزت الاستيلاء على الثروات والتضحيات البشرية التي دفعتها الدول الأفريقية الي التأثير في تماسك ووحدة شعوبها، إذ اعتمد المستعمر على سياسة ’فرّق تسد’ التي زرعت بذور انقسامات تفاقمت مع استقلال الدول، وكانت الحدود السياسية التي ورثتها الدول المستقلة غير المتطابقة مع التكوينات العرقية والثقافية، مما جعل مشروع بناء الدولة القومية أمراً مستعصياً".
يضيف "عانت دول أفريقية عدة نتيجة ذلك من حروب أهلية وخلافات سياسية وعرقية انعكست على مسيرتها، وكلفتها أثماناً باهظة، ولم تجنِ استقراراً أو تنمية". ويكمل "إثيوبيا في تاريخها الحديث الذي جاوز قرن من الزمان ظلت في صراعات وعدم استقرار على مختلف عهودها السياسية، ما بين حكم أمبراطوري وأنظمة شمولية، جاء تحول جديد مع تبني النظام الفيدرالي عام 1995 في عهد رئيس الوزراء السابق ملس زيناوي، الذي حقق استقراراً نسبياً وتنوعاً سياسياً، لكن ذلك الاستقرار لم يدم طويلاً، فبعد رحيل زيناوي، عادت الخلافات لتطفو على السطح، وتولى رئيس الوزراء آبي أحمد السلطة عام 2018 وسط آمال كبيرة، لكن سرعان ما تجددت الأزمات مع تمرد ’جبهة تحرير تيغراي’ وجماعات ’فانو‘ و’جيش تحرير أورومو‘، لتعود إثيوبيا إلى مربع التوترات المسلحة التي تهدد كيانها الفيدرالي".
يتابع "اختتام الحوار الوطني الإثيوبي بنجاح قد يكون بداية لكن الطريق ما زال يتطلب جهداً، وهو ينجح فقط إذا سبقه وقف إطلاق نار حقيقي، ومشاركة فعالة لقادة الرأي التقليديين، وضمانات دولية وإقليمية بتنفيذ مخرجاته".
ويوضح الأستاذ الجامعي "في السياق الأفريقي، باعتقادي الحوار الوطني ضرورة، ومن التجارب الناجحة في أفريقيا (جنوب أفريقيا بعد الأبارتهايد، ورواندا بعد الإبادة الجماعية التي تعرضت لها قبيلة التوتسي) وقد أثبت الحوار نجاحاً حين دمج الآليات التقليدية مع الإطار السياسي الحديث، مثلاً في الصومال، الحوارات القبلية هي التي أوصلت إلى تشكيل الحكومة الفيدرالية، لكنها ظلت هشة لأنها لم تتبع ببناء مؤسسات دولة قوية. كذلك فالصراع الذي فجر حرب السودان تداخلت فيه العرقية مع الصراع على الموارد والنفوذ، وفي تقديري أن إجراء الحوار في ذروة العنف، كما يحصل الآن، تكون جدواه محدودة عموماً. الحوارات الوطنية في أفريقيا تمثل أداة علاجية وليست معجزة لوقف الصراعات، ولكن قدرتها على وقف الاقتتال ووضع السلاح وإعطاء سانحة للمنطق تعطي فرصة لإدارة الحوار والوصول إلى أساسيات الاتفاق".