Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دوستويفسكي أول أساتذة و"فلاسفة" إدغار موران

صاحب "المنهج" و"نجوم السينما" يرى دروساً فلسفية رائعة في النزعة الإنسانية الروسية

إدغار موران (1921 - 2026) (أ ف ب)

ملخص

إذا استثنينا مارسيل بروست الذي لا يتورع المفكر الفرنسي إدغار موران عن حسبانه بين الفلاسفة، فإن اللافت أن الأديب الوحيد الذي يورده هذا المفكر الانتقائي، في لائحته هو دوستويفسكي الذي يتحدث عنه في واحد من أجمل فصول كتاب "فلاسفتي"، على قصره، ولكن بوصفه معبراً عما يسميه طواعية "النزعة الإنسانية الروسية"

كان المفكر الفرنسي إدغار موران (1921 - 2026) واحداً من أولئك المفكرين الكبار الذين قد يخيل لمن يتعرف إليهم، أو يكتفي بقراءتهم في وقت مهما أبكر سيبدو متأخراً، يعتقد أن تكوينه كان عصامياً، بمعنى أنه لم يكن له لا سيد ولا معلم ولم يمر بمدرسة وأمضى كل حياته يكتب بدلاً من أن يمضي جزءاً منها وهو يقرأ.

غير أن موران نفسه، وفي كتاب أصدره في طبعة أولى وهو يشارف على الـ100 عام من عمر امتد حتى الخامسة بعد المئة، تعمد أن ينسف تلك الفكرة التي كانت تراود كثراً، لكنه فعل ذلك في صفحات قليلة وكتاب تعمد ألا يكون منتشراً أكثر من اللازم، عنونه بكل بساطة "فلاسفتي".

صحيح أن أحداً من قراء كتب موران الكثيرة لم يكن ليجهل تأثره ولو بصورة متفاوتة، وفي مراحل متفرقة من حياته، بأولئك الكبار الذي جمعهم بين دفتي كتابه، لكن مجرد جمعهم هنا، وتكريس بضع صفحات للحديث عن "علاقته" بكل واحد منهم، كان أمراً لافتاً و... شيقاً، بل حتى "صحياً"، بحسب تعبيره هو نفسه حين هنأناه على قرب صدور الكتاب يوم حدثنا عنه حين التقينا في طنجة قبل صدور الكتاب بعام، وكان ذلك حين شاركناه، تحت رئاسته، لجنة التحكيم في مهرجان الفيلم المغربي الوطني في تلك المدينة المغربية الفاتنة.

والحقيقة أن الكتاب نفسه تأخر حينها في الوصول إلينا حتى صدور طبعة جيب منه بعد صدوره بخمسة أعوام. ومن هنا تأخرنا في الحديث عنه، حتى اليوم، وها نحن نفعل هنا ولكن، للأسف بعد أشهر من رحيل صاحبه.

لائحة قصيرة

فمن هم يا ترى أولئك "الفلاسفة" الذين يخبرنا موران في تقديمه للكتاب، أنه وضعه عنهم بناء لإلحاح عدد من أصدقائه؟ ليسوا كثراً على أية حال، وتبدو اللائحة انتقائية إلى حد كبير. فهي إن كانت تفتتح بهيراقليطس الذي يكرس له موران العدد الأكبر من الصفحات لينتهي بهايدغر، وربما على غير توقع، فإن ما تبقى من حجم الكتاب، نحو 100 صفحة لبقية ما تبقى من "فلاسفة" الكاتب، تتوزع بين بوذا والسيد المسيح ومونتاني وديكارت وسبينوزا وجان جاك روسو وهيغل وماركس، وصولاً إلى بروست تتبعه مجموعتان يخصص موران لكل منهما صفحات قليلة على رغم اعترافه بالأهمية القصوى التي تؤديها كل منهما في حياته: المحللون النفسيون من جهة، وفلاسفة مدرسة فرانكفورت من جهة ثانية.

والحقيقة أننا إذا استثنينا مارسيل بروست الذي لا يتورع موران عن حسبانه بين الفلاسفة، فإن اللافت أن الأديب الوحيد الذي يورده هذا المفكر الانتقائي، في لائحته هو دوستويفسكي الذي يتحدث عنه في واحد من أجمل فصول الكتاب، على قصره، ولكن بوصفه معبراً عما يسميه طواعية "النزعة الإنسانية الروسية". إنما من دون أن ينكر عليه فردانيته وارتباط إنسانيته التي يشكل الحديث عنها العمود الفقري للصفحات القليلة إنما المكثفة التي يخلصها المؤلف لصاحب "الجريمة والعقاب" في مركز الوسط من كتابه هذا، بالفكر الإنساني الذي لم يتوقف موران نفسه عن تبنيه والدفاع عنه في مجمل كتاباته على أية حال.

ونتوقف هنا عند بعض الصفحات التي كرسها موران لدوستويفسكي في الكتاب المعنون "فلاسفتي"، كما أشرنا.

البعد الفلسفي في الأدب

على هذا النحو إذاً، يقدم موران "علاقته" بدوستويفسكي تحديداً من خلال الفكر الذي يطغى على أدب هذا الأخير، ومن دون إهمال الجوانب الجمالية. وهكذا نراه يذكر كيف أنه قرأ كبار المؤلفين الروس منذ مراهقته في الدراسة الثانوية "حيث بهرت برواية ’البعث‘ لتولستوي ثم ’آباء وأبناء‘ لتورغينييف"، قبل أن يقرأ الحكايات الحزينة والعابقة بالحنين التي تتألف منها "سهوب" تشيخوف و"الخال فانيا".

وإذ يفيدنا موران بعد ذلك أنه في العقود الأخيرة قرأ "جناح السرطان" و"الدائرة الأولى" وغير ذلك من كتب سولجنتسين، وجد نفسه يقرأ "الحياة والمصير" لغروسمان"، غير أن ذاك الذي يبقى بالنسبة إلى المؤلف الكاشف أكثر من غيره، والأكثر حضوراً وحميمية في وجودي، فيبقى دائماً دوستويفسكي، كما يخبرنا. مضيفاً أنه قرأ له أول ما قرأ "الجريمة والعقاب" ثم "الممسوسون" ومن بعدهما "الأخوة كارامازوف" معترفاً أن "تلك القراءات قد طبعتني إلى أبد الآبدين، إذ إن ديمتري وإيفان وإليوشا كارامازوف وميشكين وستافروغين ناهيك بكل شخصيات ’الممسوسين‘ لم يتركوني أبداً. من دوستويفسكي أتاني وعيي الفلسفي الأول، ودوستويفسكي كان هو نفسه ذاك الذي نقل إليَّ تلك الفكرة البدئية وذات الأولوية في حياتي، المتحدثة عن التعاطف الذي ينبغي أن نشعر به دائماً تجاه الألم. وأعتقد أن ما من كائن آخر عرف كيف يعبر بقدر ما عبر دوستويفسكي عن معنى المعاناة والفاجعة والعبث. عن الهذيان الخاص بالبشر. ومما لا شك فيه أنني ما كنت لأعبر كما عبرت عن فكرة الإنسان المفكر - المجنون بوصفها مفهوماً أساساً في كتابي ’الباراديغم الضائع‘ لو لم أكن قد انطبعت قبل ذلك ومنذ مراهقتي بذلك الشعور بوجود عرى لا تنفصم بين الجنون والعقل لدى الكائن البشري، ولولا أن هذا الشعور قد راح يوجد لديَّ من جديد ومن دون هوادة عبر قراءتي للكتاب الروس ولا سيما منهم دوستويفسكي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الروس والفرنسيين

"وعدا عن هذا، يتابع موران قائلاً، يمكنني أن أؤكد كوني قد عشت خلال حقبتي الستالينية تجربة المس الدوستويفسكية، مما ساعدني على فهم كيف أن من شأننا أن نمس بالأساطير والأفكار، والأيديولوجيات، تماماً كما نمس بالكائنات الحقيقية والشياطين".

وهنا يفتح موران هلالين ليقول لنا إن النزعة الإنسانية الروسية "تختلف في الحقيقة عن النزعة الإنسانية الفرنسية، والدليل على هذا أن دوستويفسكي نفسه يملك وفي العمق ما يمكنه من التعبير عن المعاناة البشرية، عن الألم الإنساني والذل والحياة البائسة، كذلك فإن تشيخوف وتولستوي وغوركي وسولجنتسين يملكون من ناحيتهم حس التعاطف وإدراك المعاناة الإنسانية. وفي المقابل فإن النزعة الإنسانية الفرنسية تنحو من ناحيتها إلى أن تكون عقلانية وتجريدية: هي تعلن أن على كل البشر أن يكونوا متساوين، وأنهم جميعاً إخوة، وتقف مناصرة لانعتاق العمال وضد استغلال الإنسان للإنسان، بيد أن ذلك كله يبقى لديها محصوراً في دائرة الأفكار، إذ يمكن للمرء أن يحب البروليتاري ويضطهده في الوقت نفسه ما دام أنه يجسد صورة الثوري أو المسبح - البروليتاري. إن في إمكان العقلانية الفرنسية أن تكره الرأسمالية التي تستغل الثوري، لكنها لا تقدر أبداً على الدخول إلى جوانية تلك المعاناة وضروب الذل، التي يتغلغل الكتاب الروس، ولا سيما دوستويفسكي، إلى داخلها (...)".

وهذا ما يقود إدغار موران، طبعاً، إلى الاستنتاج بأن هناك دائماً دروساً فلسفية رائعة نجدها في النزعة الإنسانية الروسية التي "يمكننا اعتبار دوستويفسكي ممثلها الأكثر كثافة وقوة".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة