Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين تصنع البدلة الهيبة... لماذا نحترم المظهر قبل صاحبه؟

ترتبط بعلاقة وثيقة مع مجموعة من المناسبات إذ إنها رفيقة الأعراس ومجالس العزاء واجتماعات العمل والأعياد

تتجاوز أهمية البدلة المعنى الظاهري إلى تأثيرها الاجتماعي الشديد (اندبندنت عربية)

ملخص

تعد البدلة الرسمية جزءاً من هوية الرجل العصري، فهي تكسبه قوة التأثير والاندماج في الأوساط الاجتماعية والمهنية. وتتجاوز أهمية البدلة حيز الإطلالة الأنيقة والقوية إلى أداة للتعويض النفسي إذ تمنح الفرد الشعور بالقوة والقدرة على التأثير وعرض الآراء بحرية.

"أشعر باهتمام زائد من قبل الآخرين في كل مرة أظهر فيها بالبدلة الرسمية في الأماكن العامة، لا أعلم ما السبب! هل يحترم هؤلاء المظهر أكثر من جوهر الإنسان؟".

هذا الكلام الذي قاله الوسيط العقاري فارس (28 سنة) يعكس التأثير السحري للبدلة في نفوس اللبنانيين، فهو يبدأ عند مستوى الإعجاب والتقدير في حال الإطلالة الكلاسيكية الأنيقة، ويتسامى إلى مرتبة أكثر أهمية في حال البدلة العسكرية التي تقترن بشعور التفوق والقوة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالأمر يتحول إلى موضوع للنقاش الاجتماعي والصراع بين الأجيال، إذ تصبح تلك الإطلالات الرصينة جزءاً من شخصية وهوية فئة من الناس، فيما تتعاطى معها شريحة أخرى بوصفها عبئاً على حد تعبير الموظف المصرفي هاني الذي يشير إلى أنه لا يكاد يخرج من عمله حتى يسارع إلى خلعها، إذ إن "البدلة الجامدة تتعارض مع شخصيته التي تحب الحياة وكسر القواعد".

وبين هذا وذاك يؤكد طلاب ارتدوا البدلة للمرة الأولى في حفل تخرجهم، أنها "شكلت جرس إنذار لهم بقرب الانتقال من مرحلة الإعداد إلى مرحلة تحمل المسؤوليات" وفق قول رواد خريج اختصاص قسم الصيدلة.

البدلة هوية

ترتبط البدلة بعلاقة وثيقة مع مجموعة من المناسبات، فهي رفيقة الأعراس ومجالس العزاء واجتماعات العمل والأعياد، وهي تشكل جزءاً من المكانة الاجتماعية والموقع الوظيفي.

كما تدخل البدلة في صلب العملية التواصلية اليومية والمستمرة، وهي المفتاح لقلوب الغير أو اقتناص وظيفة العمر، فهي تمنح الانطباع الأول عن هوية الفرد، وهي شديدة التأثير في تعاطي الآخرين، وتكاد تشكل انعكاساً لحضارة الصورة التي تقدم الشكل الظاهري على الجوهر الداخلي.

في السياق قال أستاذ الاتصال والإعلام في الجامعة اللبنانية راغب جابر إن المظهر عامل مرجح في العلاقات الاجتماعية وسوق العمل، داعياً إلى "ضرورة الالتزام باللباس الأنيق والرسمي عند الظهور والمشاركة في أي مناسبة أو موعد أو لقاء، إذ تلفت الإطلالة الرسمية والبدلة الأنظار مما يعطي انطباعاً بالجدية"، مشيراً أيضاً إلى "مرور فترات من تراجع الاهتمام بالأناقة لمصلحة فوضى المظهر، ولكن سرعان ما اتضح أن اللباس هو عامل أساس في التأثير"، وعليه، رأى جابر أن "البدلة هي رفيقة المناسبات كالأعراس والولائم والإطلالات العامة، وتزداد أهميتها في حال وجود شخصيات رسمية ورفيعة المستوى".

معادلة دقيقة

تحظى البدلة باهتمام كبير من متخصصي الموضة والإتيكيت الاجتماعي.

وفي السياق شددت متخصصة الإتيكيت المظهر كارمن حجار على دور البدلة الرسمية في ترسيخ صورة جدية عن الفرد، كذلك فإنها "تعزز الثقة بالنفس أكثر منها عند ارتداء لباس رياضي يومي، لأن الانطباع الأول المرتكز على الشكل والمظهر والإطلالة هو الأهم في معادلة التأثير الشخصية، فالمظهر ينطق عندما يصمت الكلام".

وقارنت حجار بين مظهر شخصين، الأول يرتدي لباساً يومياً، وآخر يلبس بدلة رسمية أنيقة، "ففي الحال الأولى سيشعر الفرد بالاستعجال والخروج على القواعد، أما في الحال الثانية فسيشعر بأنه شخص رصين"، وعليه، "لا بد من أن توجد البدلة الرسمية في خزانة كل شاب أو رجل، وبدلة رسمية سوداء واحدة كفيلة بإنقاذ الفرد في حال ترتيب حفلة تخرج أو اجتماع عمل أو مناسبة رسمية أو عزاء طارئ"، ومن هنا، نصحت حجار بالاستثمار في البدلة التي تلتزم بعض الشروط الشكلية، إذ "يجب أن تكون موافقة لقياس الشخص، فسواء كانت البدلة كبيرة أو حتى ضيقة، فإن الانطباع البشع والسيئ هو نفسه، ومن ثم ضرورة اللجوء إلى الخياط لترتيب البدلة لأن المقاسات الجاهزة لا تناسب الجميع، ومن ثم الالتزام بالمظهر الكلاسيكي إلى حد بعيد والألوان المعهودة كالأسود والكحلي الغامق والرمادي وأحياناً البني".

ونبهت متخصصة الإتيكيت والمظهر إلى ضرورة تنسيق الحذاء الرسمي وربطة العنق والوقوف المستقيم مع البدلة، "من غير المقبول ارتداء بدلة رسمية مع حذاء رياضي، إلا في حال واحدة عندما يطلب العريس ذلك من أجل تيسير الرقص والدبكة"، واستهجنت "سقوط كثيرين من الفنانين والشخصيات العامة في اختبار بروتوكول اللباس في العزاء، إذ نجدهم يأتون للعزاء بملابس رياضية وقمصان ملونة أو جلدية ووضع طواقٍ على الرأس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تنازلات مرفوضة

انتشرت في الآونة الأخيرة البدلات الرجالية المزركشة أو المرصعة بلمسة عصرية، أو حتى استعارة بعض القصات الأنثوية العابرة.

ورأت حجار أنه "قد يكون من حق المصممين ابتكار أشكال وتصاميم غريبة، وذات ألوان غير كلاسيكية، وتلك البدلات يمكن ارتداؤها على السجادة الحمراء وفي المهرجانات والحفلات الكبيرة، ولكن ارتداء تلك البدلات مرفوض في العمل أو العزاء أو الزيارات"، مستهجنة أيضاً "ارتداء الشباب البدلات الضيقة على الأكتاف لإبراز الصدر، والأمر ينسحب على البدلات الواسعة جداً، التي لا ينسجم الكم مع الكتف"، ناصحة هؤلاء "باللجوء إلى خياط متخصص".

في المقابل، تشدد كارمن حجار على ضرورة التزام المدعو ارتداء ما يلائم المناسبة، "ففي حال كانت رسمية لا بد من لبس بدلة، ولكن في حال أكد صاحب الدعوة أن المناسبة ستكون بأجواء صيفية على البحر، عندما يجب أن يتنازل المدعو عن ارتداء البدلة من أجل التناغم مع الجو العام".

ورداً على سؤال حول تأكيد البعض أن "شخصيتهم تتناقض مع جمود البدلة"، أجابت حجار "لا يمكن أن تكون الظروف الشخصية سبباً للتقليل من أهمية مناسبات الآخرين، وتحديداً في الأعراس ذات الكلف الباهظة".

وأوضحت حجار أن "الزي الوطني" هو بمثابة البدلة الرسمية، ولا يمكن اعتباره بمثابة خرق للبروتوكول.

السحر العسكري

لا يتوقف السحر عند "البدلة الرسمية"، بل يتخذ أبعاداً جديدة في حال "البدلة العسكرية" التي ترتقي إلى مرتبة القداسة جداً لدى شريحة واسعة من الناس.

ورأى أستاذ الاتصال والإعلام في الجامعة اللبنانية راغب جابر في تقديس البدلة أمراً سلبياً للغاية، معتبراً أن "الدهشة بالبدلة العسكرية تخفي عقدة ضعف يظن صاحبها أنه يجد القوة في ما هو عسكري".

في الموازاة، شهدت السوق اللبنانية في مرحلة من المراحل ما يمكن وصفه بحال الفوضى التي أحاطت عمليات بيع تلك الملابس بوصفها سلعة جذابة وتتمتع بقوة التأثير النفسي، وصولاً إلى أن استخدمها بعض العصابات في ارتكاب جرائم وانتحال صفة أمنية أو تنفيذ مداهمات وعمليات خطف، مما دفع السلطات الرسمية إلى تشديد القيود، وتحذير المدنيين من ارتداء تلك البدلات وملاحقة المتاجر التي تورطت ببيعها.

وكشف أحد أصحاب المتاجر لـ"اندبندنت عربية" أنه "يلمس رغبة شديدة من الناس لاقتناء البدلة العسكرية، ولا يقتصر الأمر على المقيم وإنما يتجاوزه إلى اللبناني المغترب، ولكن خلال الأعوام الخمسة الماضية تشددت الإجراءات".

رمز دعائي

تاريخياً، لم تكن البدلة مجرد خيار في الملبس، بل أدّت دوراً واضحاً في التعبير عن المكانة الاجتماعية والاقتصادية، إذ ارتبطت لفترات طويلة بالطبقات الميسورة وأصحاب النفوذ والمهن الرفيعة، وتحولت إلى علامة بصرية تختصر موقع الفرد داخل المجتمع.

ومع صعود الدولة الحديثة واتساع البيروقراطية والمؤسسات العسكرية والسياسية، تجاوز اللباس وظيفته الاجتماعية ليصبح أداة لإنتاج الهوية والانضباط.

ومن هنا برز مفهوم "اللباس الموحد"، ليس في الجيوش والمؤسسات فحسب، بل أيضاً داخل عدد من الأنظمة السلطوية والأحزاب الشمولية التي أدركت قوة الصورة في تشكيل الجماعة. فالزي المتشابه كان وسيلة لمحو الفوارق الفردية ظاهرياً، وإبراز الانتماء إلى كيان واحد، وتقديم صورة عن مجتمع متجانس ومنضبط يلتف حول قيادة أو عقيدة مشتركة.

وفي بعض التجارب السياسية، لم يعد التشابه في المظهر مجرد انعكاس للتقارب الفكري، بل أصبح جزءاً من هندسة هذا التقارب نفسه، إذ تسهم الملابس والألوان والرموز وطريقة الظهور في صناعة شعور جماعي بالانتماء، وفي رسم حدود بصرية بين "نحن" و"الآخر".

وهكذا تحولت البدلة والزي الموحد من رمزين للمكانة أو الوظيفة إلى أداتين يمكن من خلالهما إظهار السلطة، وتعزيز الولاء، وفرض الانضباط، وصناعة صورة عامة قد توحي بتماسك اجتماعي وفكري أكبر مما هو موجود فعلياً.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات