Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلى أين يقود المسار الديمقراطي السابع إثيوبيا؟

سؤال المرحلة المقبلة لا يتعلق بمن فاز في الانتخابات بل بمدى قدرة النظام السياسي على بناء عقد وطني جامع

تمر إثيوبيا بمرحلة حاسمة في جهودها لمعالجة الخلافات بهدف التوصل إلى توافق وطني دائم (أ ف ب)

ملخص

التحدي الذي يواجه إثيوبيا اليوم لا يتعلق فقط بتنظيم انتخابات دورية أو ضمان انتقال السلطة عبر صناديق الاقتراع، بل يتصل بقدرة النظام السياسي على تحويل الشرعية الانتخابية إلى شرعية وطنية جامعة.

الانتخابات السابعة تمثل محطة مهمة في المسار السياسي الإثيوبي، لكنها لا تشكل بالضرورة نهاية للأزمة أو دليلاً كافياً على اكتمال التحول الديمقراطي.

اختتمت إثيوبيا استحقاقها الديمقراطي السابع الأربعاء الثالث من يونيو (حزيران) الجاري، وشهدت الانتخابات إقبالاً شعبياً في ظل اهتمام إقليمي ودولي. هذه الدورة الانتخابية كانت الثانية خلال عهد رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد، وكانت واجهت سابقتها السادسة في الـ21 من يونيو 2021 ظروفاً محلية وخلافات أشعلت حرب تيغراي بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

وكانت هناك قراءات متعددة للمرحلة القادمة في ظل واقع محلي وإقليمي لا يزال مضطرباً... فإلى أين يقود المسار الديمقراطي السابع إثيوبيا؟

خلافاً عن سابقتها، شهدت الانتخابات الإثيوبية السابعة التفافاً سياسياً على رغم غياب بعض المناطق عن المشاركة، وما تجده الساحة السياسية من تجدد خلافات مهددة بزوال اتفاق بريتوريا الذي أوقف الحرب في إقليم تيغراي. فقد اتسمت الانتخابات الحالية بأجواء الحوار الوطني الذي أطلقه رئيس الوزراء آبي أحمد منذ عام 2021، وكانت قد سارت عليه البلاد في تكوين لجنة الحوار الوطني برئاسة المفوض العام مسفين أرايا، والتي اضطلعت بمهمة جمع القضايا الخلافية وتنظيم حوارات على المستويين الإقليمي والفيدرالي، ورفع توصيات تمهد لتوحيد الرأي الإثيوبي، وتوحيد الوجهة الوطنية نحو مسار سياسي يحقق الأهداف والغايات. وفي آخر إدلاء لها مواكباً مسيرة الانتخابات الحالية، أكدت لجنة الحوار الوطني الإثيوبية أنها تعمل على تهيئة بيئة مواتية للمواطنين لمناقشة القضايا الوطنية الرئيسة، بما يسهم في بناء توافق في الآراء والمساهمة في بناء دولة قوية ومستقرة.

وصرحت نائبة رئيس لجنة الحوار الوطني هيروت جبريسيلاسي أن إثيوبيا تمر بمرحلة حاسمة في جهودها لمعالجة الخلافات المزمنة بين المواطنين، من خلال حوار بناء ومشاورات شاملة وصولاً إلى توافق وطني دائم. وأشارت في تصريحات لوكالة الأنباء الإثيوبية "إينا" في يونيو الجاري، إلى أن لجنة الحوار الوطني الإثيوبية أنشئت لتسيير عملية تشاركية تمكن المواطنين من مناقشة القضايا الوطنية الرئيسة بصراحة وشفافية ضمن مشاورات مكثفة مع الإثيوبيين في الداخل والخارج، وجمعت جداول الأعمال وعززت المشاركة العامة الواسعة.

ووفقاً لإدلائها، فقد وصلت عملية التشاور الإثيوبي - الإثيوبي إلى مرحلة حاسمة، حيث تجري الاستعدادات لعقد المؤتمر التشاوري الوطني الرئيس. وتعمل المفوضية حالياً على تنظيم جداول الأعمال وتعبئة الموارد اللازمة للمؤتمر.

وأوضحت نائبة رئيس المفوضية جبريسيلاسي أن إثيوبيا هيأت بيئة تتيح معالجة الاختلافات في الرأي من خلال عملية تشاورية منظمة وسلمية. وأشارت إلى أن المواطنين يشاركون بنشاط في وضع إطار تشاوري يهدف إلى تعزيز التوافق الوطني وتقوية مؤسسات الدولة من خلال مناقشة القضايا الوطنية الجوهرية.

كذلك كشفت عن الجهود المبذولة لتوثيق مسيرة المشاورات الوطنية بأكملها، بما في ذلك عبر المنصات الرقمية، لضمان استفادة الأجيال القادمة من هذه التجربة. وأكدت أن جهود التوثيق، التي تشمل البحث والتحليل، ستتيح فرصاً لتبادل الخبرات والدروس المستفادة من تجربة إثيوبيا مع الدول الأخرى. وقالت إن المؤتمر المزمع عقده سيعقد مع مراعاة التنوع والوحدة الوطنية في إثيوبيا، بما يضمن تمثيل هموم وتطلعات جميع الإثيوبيين.

على المستوى الحزبي، كانت تعليقات رؤساء وزعماء كتل سياسية عدة تتمتع بروح وطنية تدعو للوحدة ومشجعة للخيار الديمقراطي، إذ أعرب كل من رئيس المجلس المشترك للأحزاب السياسية الإثيوبية (على المستوى الوطني الفيدرالي) سليمان إيالي ورئيس حزب إيزما أيوب مسفينت عن ارتياحهما لسير العملية الانتخابية إبان مشاركتهما في التصويت. كذلك أشاد دامطو تسما مرشح حركة "التيار الوطني للأمهرة" (NAMA) بالهدوء والتنظيم. وأكدت من جانبها مرشحة "حزب أرغوبا وحدة جابرته" حياة عثمان استقرار البيئة الانتخابية، مشيدة بسلاسة الإجراءات الانتخابية. وعلى مستوى آخر، قال السياسي الأرومي مررة جودينا رئيس المؤتمر الفيدرالي الأرومي (OFC)، إن "إجراء الانتخابات في ظل استمرار النزاعات المسلحة والأزمات السياسية لا يكفي لمعالجة مشكلات البلاد". من جهته رأى إسكندر نيغا الأستاذ الجامعي والسياسي المعارض وقائد جيش الشعب الأمهري، أن الصراع في إقليم أمهرة والأوضاع الأمنية يجعلان الحديث عن الانتخابات والديمقراطية الكاملة محل جدل".

عودة أجواء سلبية

وضمن المؤشرات غير المطمئنة التي تظلل المرحلة القادمة، لا تزال "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" الخصم الرئيس لحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد في تمسكها بمعارضتها سياسات الحكومة والانتخابات، إذ لم تشارك في الانتخابات التشريعية السابعة، وبقي إقليم تيغراي خارج العملية الانتخابية للمرة الثانية على التوالي. وكانت الأشهر الماضية شهدت تصاعد خلافات بين قيادات الجبهة والحكومة الفيدرالية حول تنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام، ووصل الأمر إلى إعلان الجبهة أخيراً إعادة مؤسسات الحكم الإقليمية السابقة لحزب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (كان حكم إقليم تيغراي أحيل - وفق الاتفاق - إلى حكومة معينة من قبل الحكومة الفيدرالية)، وقد رأت الجبهة أن الحكومة الفيدرالية أخلت ببنود الاتفاق، مما يعني نهاية اتفاق بريتوريا وعودة الأجواء السلبية مرة أخرى بين طرفي الحكومة والجبهة.

الخلافات وإن اختلفت الظروف الحالية عن سابقتها في الانتخابات السادسة عام 2021، والتي تسببت في إشعال حرب تيغراي بين الحكومة والجبهة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 – فإن موقف "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF)، وجهات معارضة أخرى لحكومة آبي أحمد مثل "الفانو" الأمهرية و"جبهة تحرير أوروميا" والمؤتمر الـرومي الفيدرالي"، ما زال يمثل خطراً على المسار السياسي الديمقراطي، إلى جانب ما يمثله البعد الإقليمي اللصيق بإقليم تيغراي في دولة إريتريا من توترات متصاعدة بين إريتريا وإثيوبيا في حيثيات مطالبة الأخيرة بالمنفذ البحري، والتهديدات المبطنة تجاه السواحل الإريترية وغيرها من إشارات متكررة للحق الإثيوبي في الإطلال البحري.

ومثلت مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا وأرض الصومال (صوماليلاند) في يناير (كانون الثاني) 2024 بداية خلافات بين إثيوبيا وأطراف إقليمية كالصومال ومصر وإريتريا في رفض تلك الجهات للخطوة، وتكوين تلك الأطراف تحالفاً في مواجهة إثيوبيا مما يمهد لتصعيد محتمل في المرحلة القادمة.

وعلى مستوى محلي وكمؤشر سياسي وأمني آخر ذا دلالة، كانت قيادة "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" بقيادة دبريتسيون جبريمكائيل قد أجرت اتصالات سياسية وأمنية غير معلنة خلال الأشهر الماضية مع النظام الإريتري بقيادة أسياس أفورقي، فيما تشير دوائر إلى تقارب تكتيكي بين الجانبين. وكانت الحكومة الإثيوبية وجهت اتهامات للجبهة الشعبية وإريتريا بالتنسيق ضد الدولة الفيدرالية.

مشاركة انتخابية واسعة

الكاتب الإثيوبي سلاماويت غيتاشيو يقول "من المهم إدراك أن إثيوبيا لا تزال تعمل بكفاءة على رغم الضغوط. ولا ينبغي النظر إلى الديمقراطية على أنها حال نهائية إما أن تمتلكها الدولة أو لا تمتلكها، بخاصة أن عديداً من الدول التي تواجه الحرب والرقابة والاستقطاب لا تزال تعرف نفسها بأنها ديمقراطية". ويضيف "إثيوبيا، على وجه الخصوص، دولة تبني مؤسساتها في حقبة صعبة، ويتجلى ذلك في توسع مشاركتها الانتخابية وأنظمتها الرقمية وقدراتها الإدارية. تميل التغطية الإعلامية الأخيرة إلى التركيز على الصراع والقيود وهيمنة الحزب الحاكم، وغالباً ما تضخم المخاوف إلى سرديات الانهيار. ومع ذلك، فإن حجم تسجيل الناخبين - أكثر من 54 مليون مواطن، بزيادة قدرها 32 في المئة على عام 2021، ونسب المشاركة المرتفعة التي تجاوزت تاريخياً 80 في المئة، تظهران مشاركة مدنية قوية وقدرة مؤسسية عالية".

يضيف "أيضاً يشير وجود عديد من الأحزاب السياسية إلى مشهد سياسي تعددي، على عكس الصورة النمطية المبسطة للحزب الواحد". ويتابع "تعكس مشاريع البنية التحتية الجارية في إثيوبيا والحوكمة الرقمية والنفوذ الإقليمي، الذي يتجلى في سد النهضة الإثيوبي الكبير، دولة تشكل مستقبلها بنشاط. وعلى رغم الضغوط الخارجية، تواصل إثيوبيا بناء قدراتها ودعم عملياتها الديمقراطية، مقدمة مثالاً مغايراً مهما لأفريقيا، حيث تصور الديمقراطية غالباً على أنها هشة".

يشير غيتاشو إلى أن "انتخابات عام 2026 تمثل اختباراً مهماً للمشاركة الواسعة النطاق والمرونة المؤسسية، مظهرة أنه حتى في ظل الضغوط الداخلية والخارجية، يمكن لأي دولة توسيع نطاق المشاركة المدنية والحفاظ على الإجراءات الدستورية. وفي نهاية المطاف، تؤكد تجربة إثيوبيا أن النمو المؤسسي والمشاركة الديمقراطية ممكنان في البيئات الصعبة، مما يجعل انتخاباتها مرجعاً حيوياً للتطور السياسي في القارة. ويظهر حجم التعبئة المدنية واللوجيستية ضخامة هذه العملية الوطنية. فقد مارس أكثر من 54 مليون ناخب مسجل حقهم الديمقراطي في مناطق شاسعة ومتنوعة جغرافياً. وشارك في الانتخابات 10934 مرشحاً، مما يشكل ساحة تنافسية عالية تعكس طيفاً واسعاً من الفكر السياسي".

ظروف بالغة التعقيد

الباحث في شؤون القرن الأفريقي عبدالرحمن أحمد يقول "الانتخابات الإثيوبية السابعة جاءت في ظل ظرف بالغ التعقيد، سواء كان على المستوى الإثيوبي الداخلي أو الإقليم الدولي في ظل التجاذبات الموجودة. وعلى رغم هذه الظروف المحيطة، سواء كانت داخلياً أو خارجياً، فقد أصر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على الإجراء الانتخابات في موعدها، وكانت من أنجح الانتخابات التي نظمت في إثيوبيا، إذ شارك فيها 54 مليون ناخب من شتى فئات الشعب الإثيوبي، وكانت هناك مشاركة لافتة للمرأة الإثيوبية في هذه الانتخابات، وجاءت المشاركات واسعة، وامتدت طوابير الناخبين أمام مراكز الاقتراع منذ الصباح الباكر حتى منتصف الليل، وجرى تمديد أوقات التصويت لكثافة المشاركة. كل هذا يدل على شعور المواطن الإثيوبي بأهمية هذه الانتخابات". ويضيف "الآن بعدما انتهت هذه الانتخابات بسلاسة ومن غير أن يكون هنالك شيء يعكر مسارها. كل ذلك يؤكد أن الانتخابات كانت ناجحة، وقد اتسمت بحضور كبير لمراقبين من الاتحاد الأفريقي و(الإيقاد)، الذين كانوا اجتمعوا مع عديد من الأحزاب السياسية المتنافسة البلغ عددها 47 حزباً".

يواصل "فضلاً عن المشاركة الواسعة من الأحزاب المعارضة، أشاد القادة الحزبيون بالعملية السياسية التنافسية وشهدوا لهذه الانتخابات بنزاهتها، وأيضاً باستخدام التكنولوجيا في تسجيل الناخبين. لكن على رغم هذه السلاسة، هناك طبعاً بعض الدوائر الانتخابية التي لم تجر فيها الانتخابات كإقليم تيغراي وبعض مناطق بإقليمي أمهرة وأوروميا، وينتظر أن تنظم فيها الانتخابات لاحقاً عندما تتوفر الظروف السياسية والأمنية المناسبة. هذه الدوائر حقيقة قليلة جداً مقارنة بغيرها التي شهدت انتخابات. كل ينذر بمستقبل ديمقراطي منتظر لإثيوبيا بعد نجاح الاستحقاق الانتخابي السابع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أسئلة تتجاوز نتائج الاقتراع

الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو قال "إذا كان إجراء الانتخابات بصورة دورية يمثل أحد المؤشرات المهمة إلى وجود مسار ديمقراطي، فإن القيمة الحقيقية لأية عملية انتخابية تقاس بقدرتها على تعزيز الشرعية السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية ومعالجة الاختلالات البنيوية التي تواجه الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن الانتخابات الإثيوبية السابعة تطرح أسئلة تتجاوز نتائج الاقتراع ونسب المشاركة إلى طبيعة البيئة السياسية التي جرت فيها، ومدى قدرتها على الإسهام في بناء توافق وطني مستدام داخل دولة لا تزال تعاني أزمات معقدة ومتداخلة".

يضيف "لقد جرت هذه الانتخابات في سياق سياسي وأمني شديد الحساسية، بعد أعوام من الحرب والصراعات الداخلية والتوترات القومية، التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة الإثيوبية ومستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم. وعلى رغم حرص الحكومة على تقديم العملية الانتخابية باعتبارها دليلاً على استمرارية المؤسسات الدستورية وقدرة الدولة على تجاوز آثار الصراعات السابقة، إلا أن المشهد العام يكشف عن أن كثيراً من التحديات التي أفرزتها تلك الصراعات لا تزال قائمة، سواء في إقليم تيغراي أو في أجزاء واسعة من أمهرة وأوروميا وغيرهما من المناطق التي تشهد مستويات متفاوتة من التوتر وعدم الاستقرار. وفي هذا السياق، تبدو المبالغة في توصيف الانتخابات باعتبارها عرساً ديمقراطياً أقرب إلى خطاب سياسي يستهدف إبراز الجانب الإجرائي للعملية الانتخابية أكثر من كونه توصيفاً دقيقاً لحقيقة المشهد الوطني".

ويوضح إبراهيم قارو أن "الديمقراطية لا تقاس بعدد مراكز الاقتراع أو بحجم الحشد الانتخابي وحدهما، وإنما بمدى شمول العملية السياسية لجميع المكونات الوطنية، وبقدرتها على توفير بيئة آمنة وتنافسية ومتكافئة تتيح لمختلف القوى التعبير عن نفسها والمشاركة في رسم مستقبل البلاد. ومن هذه الزاوية يصعب تجاهل حقيقة أن الانتخابات جرت في ظل غياب أو محدودية المشاركة في بعض المناطق والقوميات الرئيسة، وفي ظل ظروف أمنية وسياسية حالت دون مشاركة كاملة ومتوازنة لجميع مكونات المجتمع الإثيوبي. وهو ما يجعل الحديث عن توافق وطني شامل سابقاً لأوانه، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة العملية الانتخابية على تمثيل الإرادة السياسية لمجمل الفاعلين الوطنيين، لا سيما في ظل استمرار حال الاستقطاب السياسي والقومي التي تعيشها البلاد".

يتابع "كذلك لا يمكن قراءة المشهد الانتخابي بمعزل عن العلاقة المتشابكة بين الملف الأمني وإدارة المجال السياسي خلال الأعوام الأخيرة. فمع تصاعد التحديات الأمنية واتساع رقعة النزاعات المسلحة، اتجهت السلطة بصورة متزايدة إلى توظيف اعتبارات الأمن والاستقرار في إعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية. وقد أتاح ذلك للحكومة تعزيز موقعها المركزي وتوسيع نفوذها المؤسسي، لكنه في الوقت ذاته أثار تساؤلات في شأن تأثير هذه المقاربة على فرص التعددية السياسية والتنافس المتكافئ. ويذهب عدد من المراقبين إلى أن حكومة آبي أحمد استطاعت الاستفادة من حال السيولة الأمنية التي أعقبت الحرب والصراعات الداخلية، لإعادة ترتيب موازين القوى السياسية بما يخدم مشروعها القائم على تعزيز سلطة المركز وإعادة بناء الدولة وفق رؤية أكثر مركزية. وفي ظل هذه الظروف، وجدت قوى سياسية وقومية معارضة نفسها أمام بيئة سياسية وأمنية أكثر تعقيداً، مما انعكس بصورة مباشرة على مستوى المنافسة السياسية وعلى قدرة بعض الفاعلين على الحضور والتأثير في المشهد الوطني".

ويتابع "من هنا، فإن التحدي الذي يواجه إثيوبيا اليوم لا يتعلق فقط بتنظيم انتخابات دورية أو ضمان انتقال السلطة عبر صناديق الاقتراع، بل يتصل بقدرة النظام السياسي على تحويل الشرعية الانتخابية إلى شرعية وطنية جامعة. فالتجارب السياسية تثبت أن الانتخابات مهما بلغت أهميتها لا تستطيع بمفردها معالجة الانقسامات العميقة أو إنتاج الاستقرار، إذا لم تستكمل بحوار سياسي شامل يعالج جذور الأزمة ويعيد بناء الثقة بين الدولة ومختلف مكوناتها القومية والسياسية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل المؤشرات المتزايدة على هشاشة التفاهمات التي أوقفت الحرب في تيغراي واستمرار التوترات في أقاليم أخرى، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد. فنجاح أي مسار ديمقراطي لا يتوقف عند يوم الاقتراع، وإنما يقاس بمدى قدرة مؤسسات الدولة على استيعاب التنوع السياسي والقومي وإدارة الخلافات ضمن إطار سياسي توافقي يحول دون عودة الصراعات بصور جديدة. وعليه فإن الانتخابات السابعة تمثل محطة مهمة في المسار السياسي الإثيوبي، لكنها لا تشكل بالضرورة نهاية للأزمة أو دليلاً كافياً على اكتمال التحول الديمقراطي".

يختم قارو "السؤال المركزي الذي سيحدد مستقبل المرحلة المقبلة لا يتعلق بمن فاز في الانتخابات، بل بمدى قدرة النظام السياسي على بناء عقد وطني جديد يستوعب مختلف المكونات ويعالج الاختلالات التي لا تزال تهدد وحدة الدولة واستقرارها. وبين شرعية الصندوق وضرورات التوافق الوطني، تبقى المسافة قائمة، وهي المسافة التي ستحدد ما إذا كانت إثيوبيا تتجه فعلاً نحو ترسيخ تجربة ديمقراطية مستقرة، أم أنها لا تزال تدير أزماتها المزمنة بأدوات جديدة من دون معالجة أسبابها العميقة".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات