ملخص
بحسب هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)، فقد صعد ستة مسلحين إلى متن الناقلة، الخميس الـ20 من أغسطس الجاري، بعدما اقترب منها زورق على بعد نحو 136 ميلاً بحرياً شرق مدينة المكلا اليمنية، قبل السيطرة عليها وتحويل مسارها باتجاه الصومال.
أثارت حادثة استيلاء قراصنة يُشتبه في أنهم صوماليون على ناقلة للمنتجات النفطية قبالة السواحل اليمنية، قبل تغيير مسارها باتجاه إقليم بونتلاند الصومالي، جملة من التساؤلات حول نذر عودة ظاهرة القرصنة، وبخاصة أنها العملية الثانية لاختطاف سفينة تجارية في المنطقة خلال أيام.
ووثق تقرير لـ"رويترز" أن اختطاف الناقلة النفطية "SIBU 1" أعاد الأخطار من عودة القرصنة الصومالية إلى خليج عدن ومداخل البحر الأحمر، في ظل ارتفاع ملحوظ بعدد الهجمات التي استهدفت السفن التجارية خلال العام الحالي، واتساع نطاق تحرك القراصنة بعيداً من السواحل الصومالية.
وبحسب هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)، فقد صعد ستة مسلحين إلى متن الناقلة، الخميس الـ20 من أغسطس (آب) الجاري، بعدما اقترب منها زورق على بعد نحو 136 ميلاً بحرياً شرق مدينة المكلا اليمنية، قبل السيطرة عليها وتحويل مسارها باتجاه الصومال.
وكشفت معلومات "UKMTO" عن أن السفينة هي ناقلة منتجات نفطية كانت ترفع علم دولة إريتريا، فيما أظهرت سجلات بحرية أنها كانت تعمل سابقاً باسم "Seamull".
وكشفت مصادر أمنية للوكالة عن أن الناقلة كانت ضمن قائمة العقوبات الأميركية على خلفية اتهامات بـ"مشاركتها في نقل منتجات نفطية إيرانية" ضمن شبكات بحرية تصفها واشنطن بـ"أسطول الظل" المرتبط بتجارة الطاقة الإيرانية.
وتشير المعطيات إلى أن هناك نحو 20 شخصاً على متن السفينة من الطاقم، بينهم 16 هندياً. وجاء اختطاف "SIBU 1" بعد أيام من الاستيلاء على سفينة الشحن "M/V LUTUF" قبالة سواحل الصومال، مما يعزز المؤشرات إلى تصاعد جديد في نشاط مجموعات القرصنة بعد أعوام من التراجع.
إريتريا تنفي
من جهتها، نفت إريتريا علاقتها بالناقلة النفطية، مطالبة بضرورة تحري الدقة في تناول مسألة تبعية الناقلة. وأصدرت السفارة الإريترية لدى المملكة المتحدة بياناً الثلاثاء الـ25 من أغسطس الجاري انتقدت فيه التقارير الإعلامية الدولية التي أفادت بأن السفينة كانت ترفع العلم الإريتري، واصفة إياها بـ"غير الدقيقة".
وذكرت تقارير لوسائل إعلام دولية، من بينها "بي بي سي" و"رويترز"، أن السفينة كانت ترفع العلم الإريتري. لكن السفارة أوضحت أنها تواصلت مع منظمة العمليات البحرية البريطانية (UKMTO)، وتلقت رداً يفيد بأن "السفينة ترفع علماً مزيفاً، مما يعني أنها ليست مملوكة لإريتريا، وغير مسجلة رسمياً لدى السلطات الإريترية".
وكانت وكالتا الصحافة الفرنسية و"رويترز" وموقع "بي بي سي"، أشارت إلى أن قراصنة صوماليين اختطفوا ناقلة نفط قبالة سواحل اليمن تحمل العلم الاريتري، بناءً على مصادر مطلعة في وكالة العمليات البحرية التجارية البريطانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جهتها، أعربت الدول المنضمة لـ"مدونة جيبوتي لتعزيز التعاون العملياتي الإقليمي في مواجهة عودة القرصنة في المحيط الهندي وخليج عدن"، عن قلقها إزاء استمرار احتجاز عدد من البحارة على متن السفن، ومؤشرات عودة نشاط القراصنة في المحيط الهندي وخليج عدن.
وطالب ممثل جمهورية جنوب أفريقيا متسي راليپهنيا، نيابة عن الدول الموقعة على مدونة جيبوتي، بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع البحارة المحتجزين، مشدداً على أن سلامة البحارة وكرامتهم ورفاههم يجب أن تظل في صدارة جميع الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة القرصنة.
وحث جميع الدول على ضرورة الاستجابة الجماعية لمنع عودة أنشطة القرصنة والسطو المسلح على السفن في المحيط الهندي الغربي وخليج عدن، مؤكداً أن التقدم الكبير الذي تحقق خلال العقد الماضي لم يقضِ بصورة كاملة على الظروف التي تسمح بعودة هذه الظاهرة، مما يجعل الحفاظ على الأمن البحري في حاجة إلى يقظة مستمرة وتعاون عملياتي عملي بين الدول الساحلية.
وكشف عن أن اللجنة التوجيهية لمدونة جيبوتي للسلوك عقدت اجتماعاً استثنائياً لبحث مجموعة من الخيارات الرامية إلى تعزيز التعاون العملياتي الإقليمي. وأوصت بضرورة إنشاء قوة عمل مشتركة تابعة لمدونة جيبوتي للسلوك (Combined DCoC Task Force)، تحت مظلة فريق العمل الثالث المعني بالتنسيق والتعاون العملياتي في البحر.
تداعيات سياسية
يرى المحلل السياسي الصومالي حسن عبدي أن عودة القرصنة على سواحل الصومال وخليج عدن تأتي في ظل التجاذبات السياسية في الداخل الصومالي، وبخاصة الصراع القائم بين مقديشو والسلطات الرسمية في إقليمي بونتلاند وصوماليلاند الصوماليين، مما يلقي بظلال كثيفة على الأوضاع الأمنية في السواحل الصومالية.
ويوضح أن الخلافات السياسية القائمة في الداخل الصومالي بالأساس ذات علاقة بالتدخلات الإقليمية والدولية، وبخاصة في ظل اعتراف تل أبيب باستقلال إقليم صوماليلاند، والسعي الإثيوبي المحموم نحو امتلاك منافذ بحرية على السواحل الصومالية، إضافة إلى التوترات القائمة في البحر الأحمر نتيجة تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وتحركات الحوثي لإغلاق مضيق "باب المندب".
ويرى عبدي أن التطورات الأخيرة المتعلقة بعودة ظاهرة القرصنة في سواحل الصومال لها ارتباط وثيق بالتجاذبات السياسية الداخلية من جهة، والتوترات المتصاعدة في تأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر من جهة أخرى، مما يستوجب ضرورة التنسيق الإقليمي والدولي لحماية الممرات المائية في أحد أهم المضايق الدولية من حيث الأهمية التجارية والجيوسياسية.
ويشير المحلل الصومالي إلى أن تعثر الجهود المتعلقة بتمويل البعثة الأفريقية للسلام في الصومال، يؤثر بصورة عملية في تصاعد التوترات في السواحل الصومالية، ويمنح الجماعات المتطرفة، وكذلك العناصر التي تنشط في الجريمة المنظمة، بما في ذلك القرصنة، فرصة لإعادة تنظيم صفوفها والاستفادة من الفراغ الأمني القائم.
ويرى عبدي أن التحالف الدولي الذي دعت إليه السعودية لتأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر قد يسهم في القضاء على التحديات الأمنية، بما في ذلك ظاهرة القرصنة، في حال تحوله من تحالف سياسي إلى عملياتي ينشط في المنطقة الممتدة من سواحل المحيط الهندي إلى مداخل البحر الأحمر مروراً بخليج عدن، مؤكداً أن هدف التحالف لا ينبغي أن يقتصر على التحديات التي تفرضها جماعة الحوثي في اليمن، بل مواجهة ظاهرة القرصنة التي تستغل الفراغات الأمنية للإخلال بسلامة الملاحة الدولية.
ويضيف أن المشاريع الجيوسياسية في المنطقة، بما في ذلك اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، وسعي إثيوبيا لاحتلال المنافذ البحرية، ينبغي أن يكون في صدارة الاهتمام الدولي لحماية الأمن والسلم في خليج عدن والبحر الأحمر.
بمعزل عن الحرب
من جانبه، يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي سليمان حسين، أن الدلالة الأوسع لحادثة قرصنة الناقلة "SIBU 1" يؤشر إلى عودة أعمال القرصنة إلى خليج عدن ومحيط السواحل الصومالية بعد فترة من التراجع.
ويرى أن الحادثة لا تبدو معزولة عن سياق التوترات القائمة في البحر الأحمر وخليج عدن، مشيراً إلى تعرض نحو 13 سفينة لهجوم قبالة الصومال أو في خليج عدن منذ بداية العام الحالي، مقارنة بخمس حوادث فقط طوال عام 2025، مضيفاً أن مركز المعلومات البحري المشترك أكد أن ست سفن تجارية كانت لا تزال محتجزة حتى الـ20 من أغسطس الجاري، مما يؤكد أننا أمام عودة فعلية للظاهرة وليست مجرد حادثة عابرة.
ويقرأ حسين هذه التطورات في إطار "هشاشة منظومة الأمن البحري" ضمن إحدى أكثر مناطق العالم حساسية، مشيراً إلى أن هذا الممر المائي يربط المحيط الهندي بخليج عدن و"باب المندب" ومن ثم بقناة السويس. و"هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وما ترتب عليها من اضطراب في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط وتحويل جانب من القدرات والاهتمام البحري الدولي نحو الخليج. هذه العوامل ربما جعلت ناقلات النفط أهدافاً أكثر جاذبية، وأوجدت ثغرات استفادت منها شبكات القرصنة".
ويرى المتخصص الإريتري أن الحرب تجاوزت أهدافها الأمنية المعلنة، ولم تعد تنفصل عن صراع أوسع لفرض السيطرة والنفوذ على منطقة غنية بالنفط، فضلاً عن خدمة أجندة حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل. ومهما يكن الخلاف حول دوافع الحرب، فإن آثارها على أمن البحر الأحمر و"باب المندب" أصبحت واضحة، مما يضع الملاحة الدولية أمام تحدٍ إضافي بالغ الخطر.
وبخصوص الناقلة التي اختُطفت، يرى حسين أن ثمة حاجة للتمييز بين البلاغ الأول والتقارير اللاحقة. فالبلاغ رقم 118 الصادر عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) ذكر أن ناقلة تعرضت للهجوم في الـ20 من أغسطس الجاري من جانب ستة مسلحين على بعد 136 ميلاً بحرياً شرق مدينة المكلا اليمنية، وأنهم سيطروا عليها وغيروا مسارها نحو الصومال، لكنه لم يذكر اسمها أو الدولة التي ترفع علمها. غير أن مذكرة لاحقة صادرة عن مركز المعلومات البحري المشترك، ومنشورة على موقع "UKMTO" عرفت السفينة باسمها السابق "SEAMULL" واسمها الحالي "SIBU 1"، ووصفتها بأنها تحمل العلم الإريتري.
ويضيف أن التحقيقات اللاحقة أثبتت أن السفينة كانت تستخدم علماً إريترياً مزوراً، أي إنها استخدمت هوية تسجيل إريترية من دون تفويض من الدولة الإريترية. كما أن وزارة الخزانة الأميركية كانت أدرجت الناقلة نفسها، تحت اسمها السابق ورقمها الدائم "IMO 9204776"، ضمن العقوبات في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وكانت آنذاك ترفع علم بالاو وتديرها شركة مقرها الإمارات، لاتهامها بنقل منتجات نفطية إيرانية.
عن الشك الإريتري
ويؤكد المتخصص في شؤون القرن الأفريقي أن بيانات التتبع أظهرت أن وجهتها المعلنة كانت بورتسودان وليست إريتريا. وبذلك لا توجد صلة موثقة بإريتريا من حيث الملكية أو التسجيل أو الوجهة. وحتى لو كان العلم صحيحاً فإنه يدل على دولة تسجيل السفينة، ولا يعني أنها مملوكة لحكومة تلك الدولة أو تعمل لحسابها. مع ذلك، نشرت وسائل إعلام دولية كبرى وصف "الناقلة الإريترية" كما لو كان حقيقة محسومة، من دون إبراز احتمال أن يكون التسجيل مزوراً. وقد يكون ذلك ناتجاً من اعتماد متعجل على بيانات التتبع وقواعد المعلومات التجارية، لكنه يثير تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان الأمر مجرد خطأ مهني، أم محاولة لتكوين سردية إعلامية تربط إريتريا بناقلة خاضعة للعقوبات أو بما يسمى "الأسطول الإيراني الموازي".
ويشير إلى أن ثمة احتمالاً أن يكون هذا التعجل محسوباً ومتصلاً بسياق الصراع الإقليمي المتزايد حول مستقبل البحر الأحمر، ومحاولات إعادة تشكيل خريطته السياسية والأمنية بما يخدم أجندات ومصالح جهات إقليمية مختلفة. فإريتريا تأتي في مقدمة الدول التي ترفض تحويل البحر الأحمر إلى ساحة للصراعات الخارجية، وتدعو إلى أن تتولى الدول المشاطئة مسؤولية أمنه بعيداً من الهيمنة والتدخلات الخارجية، ومن ثم لا يمكن استبعاد سيناريو أن يكون الأمر مقصوداً بغرض تشويه موقف أسمرة وتصويرها كأنها طرف في أنشطة تهدد الملاحة، في إطار محسوب لإضعاف موقفها الرافض لترتيبات أمنية وسياسية تُفرض على المنطقة.
ويقدر حسين أن سرعة وحدة الرد الإريتري قد تكون عائدة لإدراك أسمرة خطر تحول معلومة غير صحيحة إلى سردية سياسية تصورها كطرف يسهم في زعزعة أمن البحر الأحمر و"باب المندب"، مستطرداً "صحيح أن هذه الواقعة وحدها لا تكفي لإثبات وجود حملة منظمة تقودها جهة محددة ضد إريتريا، لكنها تجعل الشك الإريتري مشروعاً وتستوجب تحقيقاً وتوضيحاً علنياً. أما ما هو ثابت حتى الآن، فهو أن الناقلة ليست إريترية، وإنما كانت تستخدم العلم الإريتري بصورة غير قانونية".