ملخص
الإصلاح المطلوب لا يقتصر على تشديد العقوبات، وإنما يستوجب مراجعة المنظومة التشريعية بما يواكب التطور الرقمي، وإعادة تفعيل الجهة الرقابية المتخصصة وتعزيز استقلاليتها وفاعليتها، إلى جانب توضيح مسؤولية الجهات التي تجمع وتعالج المعطيات.
مع تزايد أخطار تسريب قواعد البيانات الشخصية، بما في ذلك البيانات الصحية والمالية والاتصالات، تبرز تساؤلات جدية حول مدى فعالية المنظومة القانونية والرقابية في تونس في حماية معطيات المواطنين، فهل تكفي الضمانات القانونية القائمة لمنع الوصول غير المشروع إلى هذه المعلومات وضمان عدم استغلالها خارج الأغراض التي جمعت من أجلها؟ أم يجب تعديلها لمجابهة التطور المتسارع في هذا المجال؟
سرقة البيانات هو عمل غير قانوني يقع عندما تقوم شركة ما أو طرف ما بتسريب معلومات المستخدم الشخصية، قد تشمل هذه البيانات الأسماء الشخصية، وأسماء المستخدمين، وعناوين البريد الإلكتروني، وكلمات المرور، والمعلومات المالية التي يمكن استخدامها لتحقيق مكاسب شخصية.
استغلال البيانات
في هذا الصدد، ترى الباحثة في القانون الخاص، منى غانمي، أن تونس لا تعاني غياب إطار قانوني لحماية المعطيات الشخصية، بقدر ما تعاني عدم تفعيله وتطويره، في ظل التطور التكنولوجي وتزايد أخطار الاختراق والتسريب والاستغلال غير المشروع للبيانات.
وتوضح غانمي، في حديث إلى "اندبندنت عربية"، أن القانون الأساس عدد 63 لسنة 2004 أرسى منظومة مهمة لحماية المعطيات الشخصية، من خلال إقرار جملة من الحقوق والالتزامات والعقوبات، غير أن التطورات الرقمية وتعدد أشكال معالجة البيانات فرضت تحديات جديدة تستوجب مراجعة التشريع وتعزيز آليات الوقاية والرقابة والردع.
وبخصوص أسباب تسريب المعطيات الحساسة، تشير الباحثة إلى أنها قد تكون مرتبطة باختراق خارجي، أو بسوء استعمال صلاحيات النفاذ، أو بخلل في تأمين البيانات، مؤكدة أن المسؤولية لا تترتب آلياً بمجرد حصول التسريب، وإنما تتحدد بحسب سببه ومصدره ومدى احترام المسؤول عن المعالجة والمناول لالتزاماته القانونية المتعلقة بحماية المعطيات ومنع النفاذ غير المشروع إليها.
وفي ما يتعلق بإمكان بيع أو استغلال بيانات المواطنين لأغراض تجارية أو سياسية من دون علمهم، ترى غانمي أن الأصل هو عدم جواز ذلك إلا في الحالات التي يجيزها القانون، موضحة أن مشروعية معالجة المعطيات ترتبط بالغاية المحددة التي جمعت من أجلها، وأن إحالتها إلى الغير تخضع لشروط قانونية، وتزداد الحماية صرامة عندما يتعلق الأمر بالمعطيات الحساسة، ومنها المعطيات المرتبطة بالآراء السياسية.
وتشير إلى وجود آليات وطنية للوقاية من الاختراق والتسريب، من أبرزها الوكالة الوطنية للسلامة السيبرانية، التي تضطلع بمهام تتعلق بسلامة نظم المعلومات والاتصال، والوقاية من الهجمات السيبرانية، ومراقبة أمن الأنظمة والاستجابة للحوادث، لكنها تشدد على أن وجود هذه الآليات لا يعني أن الحماية مطلقة، إذ تبقى فاعليتها مرتبطة بمدى التزام المؤسسات التدابير الأمنية وقدرتها على مواكبة تطور الأخطار والهجمات السيبرانية.
أما المواطن الذي يكتشف تسريباً أو استغلالاً غير مشروع لمعطياته، فتوضح غانمي أن بإمكانه المطالبة بالنفاذ إلى معطياته وتصحيحها أو محوها عندما تكون معالجتها مخالفة للقانون، إلى جانب الاعتراض على معالجتها في الحالات التي يسمح فيها القانون بذلك، ويمكنه اللجوء إلى الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، أو إلى القضاء إذا كان الفعل يشكل جريمة أو تسبب في ضرر يستوجب التعويض.
وترى أن الإصلاح المطلوب لا يقتصر على تشديد العقوبات، وإنما يستوجب مراجعة المنظومة التشريعية بما يواكب التطور الرقمي، وإعادة تفعيل الجهة الرقابية المتخصصة وتعزيز استقلاليتها وفاعليتها، إلى جانب توضيح مسؤولية الجهات التي تجمع وتعالج المعطيات، بخاصة في ما يتعلق بأمنها والإبلاغ عن خروقاتها، وتطوير آليات الرقابة والتدقيق، وضمان حق المتضرر في الإنصاف والتعويض.
تشريع حديث ورقابة فعالة
وتخلص منى غانمي الباحثة في القانون الخاص إلى أن حماية المعطيات الشخصية لم تعد مسألة تقنية فحسب، بل أصبحت ضمانة أساسية للخصوصية والحقوق والحريات الفردية، مؤكدة أن التحدي الحقيقي أمام تونس يتمثل في الانتقال من مجرد وجود نصوص قانونية إلى حماية فعلية، تقوم على تشريع حديث ورقابة فعالة ومسؤولية حقيقية عند وقوع الانتهاك، إذ "لا قيمة لحماية قانونية تبقى حبراً على ورق من دون آليات جدية لتطبيقها ومساءلة من يخل بها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضمن القانون التونسي حماية المعطيات الشخصية باعتبارها جزءاً من الحق في الخصوصية، وينظم القانون الأساس عدد 63 لسنة 2004 عمليات جمعها وتخزينها ومعالجتها وإحالتها، مع اشتراط أن تجري لأغراض مشروعة ومحددة وبما يضمن أمنها. ويكرس دستور 2022 حماية الحياة الخاصة وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية.
ويمنح القانون المواطنين جملة من الحقوق، أبرزها النفاذ إلى معطياتهم وتصحيحها وتحيينها والاعتراض على معالجتها والتشطيب عليها في الحالات التي يسمح بها القانون. وتتولى الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية مراقبة احترام هذه القواعد والنظر في الشكايات والتثبت من المخالفات، فيما يمكن أن تترتب عن بعض عمليات النشر أو الإحالة أو المعالجة غير المشروعة للبيانات عقوبات جزائية ومالية.
تقرير صادم
يشار هنا إلى تقرير صادر عن "سوك رادار" نشر خلال نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 أن تونس تحتل المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا من ناحية إصابات سرقة المعلومات، وهو ما يمثل 24 في المئة من الإصابات التي جرى تحديدها على الويب المظلم. وهذا يضع تونس في المرتبة الأولى على مستوى العالم من جهة معدلات الإصابة بهذا النوع من التهديد.
ببساطة برامج سرقة المعلومات هي أدوات ضارة تقوم بسرقة البيانات الحساسة، مثل أسماء المستخدمين وكلمات المرور المحفوظة في متصفحات أجهزة الكمبيوتر المصابة. وفي بعض الحالات، تجري أيضاً سرقة معلومات حساسة أخرى وطرحها للبيع على شبكة الويب المظلمة مقابل نحو 10 دولارات لكل جهاز كمبيوتر مصاب.
يفسر هذا الوضع إلى حد كبير الزيادة في الهجمات التي تستهدف صناديق البريد الإلكتروني بخاصة الشبكات الاجتماعية (فيسبوك تحديداً)، مما يسهل الهجمات المتطورة بصورة متزايدة، التي أصبحت ممكنة بفضل الوصول إلى كلمات المرور المسروقة.
وكشف الناطق باسم الإدارة العامة للحرس في تونس حسام الدين الجبابلي على هامش يوم دراسي حول الأمن السيبراني أن هناك ارتفاعاً في عدد الجرائم الإلكترونية، إذ جرى تسجيل 2000 قضية عام 2024 بينها أكثر من 800 قضية جرى مباشرتها والانتهاء من مراحلها القانونية.