ملخص
فيدان قال في تدوينة له على موقع "إكس"، "ننظر إلى التعاون الثنائي في مجالي الأمن والدفاع باعتباره أحد العناصر الاستراتيجية التي تسهم بصورة ملموسة في دعم استقرار ليبيا وتعزيز الأمن الإقليمي. وفي هذا الإطار زرنا قيادة مجموعة المهام التابعة للقوات المسلحة التركية في ليبيا بالعاصمة طرابلس".
كان قائد القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية المشير خلفية حفتر، خصماً لتركيا التي انخرطت ضده في حرب بالوكالة اتضحت ملامحها عام 2019 في حرب المشير على العاصمة الليبية طرابلس، ليتحول اليوم إلى شريك في حسابات تركيا الليبية والإقليمية، هو ما بدا من خلال فتح وزير خارجيتها هاكان فيدان قنوات تواصل مباشرة مع حفتر وأبنائه خلال الأيام القليلة الماضية.
فيدان قال في تدوينة له على موقع "إكس"، "ننظر إلى التعاون الثنائي في مجالي الأمن والدفاع باعتباره أحد العناصر الاستراتيجية التي تسهم بصورة ملموسة في دعم استقرار ليبيا وتعزيز الأمن الإقليمي. وفي هذا الإطار زرنا قيادة مجموعة المهام التابعة للقوات المسلحة التركية في ليبيا بالعاصمة طرابلس".
وتابع "أتيحت لنا خلال الزيارة فرصة تقييم تعاوننا والتطورات الراهنة مع مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، ووزير الدفاع المكلف، ووزير الداخلية، ورئيس الأركان، ورئيس جهاز الاستخبارات العسكرية بوزارة الدفاع".
ونوه وزير الخارجية التركي إلى أن تركيا "تنظر إلى أمن ليبيا واستقرارها باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من أمنها واستقرارها"، موضحاً أن "تمكين الأشقاء الليبيين من بناء مستقبلهم بحرية وأمان وازدهار يظل أولوية أساسية".
وأشار إلى أنه "انطلاقاً من الرؤية التي طرحها الرئيس رجب طيب أردوغان، سنواصل دعم جهود تعزيز الحوار والتعاون بين شرق ليبيا وغربها، والإسهام في ترسيخ السلام والاستقرار، ودفع مسيرة التنمية والازدهار في البلاد".
خطوة يقول خبراء عسكريون إنها تعكس تحولاً لافتاً في علاقة أنقرة بالمعسكر الشرقي، لا سيما أن فيدان كان خلال أحداث طرابلس عام 2019، التي دارت بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، يشغل منصب رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، الذي تولاه منذ عام 2010 واستمر فيه حتى تعيينه وزيراً للخارجية في يونيو (حزيران) عام 2023.
وقاد فيدان في تلك الفترة الجهاز الاستخباراتي المسؤول عن تنسيق السياسات الأمنية والعسكرية لتركيا في عدد من مناطق النزاع الإقليمية، ومن بينها ليبيا، حين أدار الترتيبات الأمنية للتدخل التركي من أجل دعم قوات الغرب الليبي ضد قوات حفتر.
ويأتي تقارب أنقرة مع حفتر وأبنائه في وقت تسيطر قوات الجيش الليبي على مساحات جغرافية تمتد من الشرق حتى الجنوب، وهي مناطق لها حدود ترابية مع الجزائر ومصر والسودان وتشاد والنيجر، وجغرافياً لها امتدادات على عمق الساحل الأفريقي، إضافة إلى قرب الساحل الليبي من الجناح الجنوبي لحلف "الناتو"، وهي عناصر تدفع باتجاه طرح تساؤلات بشأن مراهنة تركيا على حفتر لتثبيت نفوذها في الساحل الأفريقي انطلاقاً من بوابة الجناح الجنوبي الليبي، الذي تتنافس عليه روسيا والصين وغيرهما من الدول، فإلى أي مدى يمكن لهذا التقارب أن يغيّر موازين القوى والتحالفات داخل ليبيا.
توزيع النفوذ
عن أسباب رهان تركيا على ورقة حفتر، يقول أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية يوسف الصغير، إن قائد القيادة العامة المشير خلفية حفتر ليس مهماً لتركيا من أجل تثبيت نفوذها في ليبيا فقط، بل لأن الجغرافيا التي يسيطر عليها تمنح أنقرة بوابة نحو الساحل الأفريقي في ظل التنافس المحتدم عليه بين روسيا والصين وقوى غربية أخرى.
ويقول إنه لا يمكن قراءة الانفتاح التركي المتزايد على حفتر باعتباره مجرد محاولة لتوسيع النفوذ داخل ليبيا، أو التكيف مع حقيقة سيطرته على الشرق والجنوب وأجزاء واسعة من وسط البلاد. مضيفاً أنه على رغم أهمية هذا العامل تبدو الحسابات التركية أوسع جغرافياً واستراتيجياً، إذ يمثل المجال الجغرافي الخاضع لحفتر بوابة تربط المتوسط بالعمق الأفريقي، وبخاصة منطقة الساحل التي أصبحت أحد أبرز ساحات التنافس الدولي.
ويواصل الصغير قائلاً إن "تركيا التي بنت نفوذها الليبي أساساً في طرابلس ومصراتة منذ تدخلها العسكري المباشر جنب حكومة الوفاق، أدركت تدريجاً أن تمركزها في الغرب يحد من قدرتها على التحول إلى قوة مؤثرة في كامل المجال الليبي، لذلك فإن فتح قنوات تواصل مع حفتر لا يعني بالضرورة التخلي عن حلفائها في طرابلس بقدر ما يعكس انتقال أنقرة من سياسة المعسكر الواحد إلى سياسة توزيع النفوذ بين مختلف مراكز القوة، فالقيمة الاستراتيجية لحفتر بالنسبة إلى أنقرة تتجاوز بنغازي وشرق ليبيا نحو الساحل الأفريقي".
ويشير إلى أن القوات التابعة لحفتر تسيطر على مساحات واسعة تمتد جنوباً نحو الحدود مع النيجر وتشاد والسودان، وهذه الجغرافيا تجعل مناطق نفوذه نقطة اتصال بين شمال أفريقيا والساحل، ويأتي التحرك التركي في سياق الصراع الدولي المتصاعد على الساحل الأفريقي الذي يشهد إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى بعد تراجع النفوذ الفرنسي والغربي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو مقابل تمدد روسيا عسكرياً وأمنياً، وتصاعد الحضور الصيني اقتصادياً، ودخول قوى متوسطة وفي مقدمها تركيا في منافسة على الأسواق والتسليح والبنية التحتية والطاقة والموارد الطبيعية.
ويؤكد الصغير أن روسيا سبقت الجميع إلى إدراك القيمة الاستراتيجية للجغرافيا الليبية في هذا الصراع، فوجودها في المناطق الواقعة تحت نفوذ حفتر لم يعد مرتبطاً بالملف الليبي وحده، وإنما أصبحت ليبيا بالنسبة إلى موسكو منصة لوجستية تساعدها على التحرك نحو العمق الأفريقي، فمن شرق ليبيا ووسطها وجنوبها تستطيع الشبكات الروسية ربط المجال المتوسطي بمناطق نفوذها في الساحل الأفريقي، وهو نموذج لا يمكن أن يكون غائباً عن الحسابات التركية.
ويشير إلى أنه إذا تركت أنقرة شرق وجنوب ليبيا بالكامل ضمن المجال الروسي فإنها لا تخسر جزءاً من ليبيا فقط، وإنما تترك لموسكو أفضلية استراتيجية على الممر الليبي المؤدي إلى الساحل الأفريقي. موضحاً أنه "يمكن تفسير التقارب مع حفتر أيضاً باعتباره محاولة تركية لمنع احتكار روسيا لهذه الجغرافيا، وهذا لا يعني أن أنقرة تريد إخراج موسكو من ليبيا أو الدخول في مواجهة مباشرة معها، فالعلاقات التركية– الروسية تقوم في ساحات عديدة على مزيج من المنافسة والتفاهم، وتركيا تريد أن تصبح شريكاً لمعسكر الشرق في مجالات التسليح والتدريب والتكنولوجيا والاستثمار وإعادة الإعمار".
بوابة بحرية
ويوضح الصغير أنه بينما يتركز النفوذ الروسي على الجانب العسكري والأمني، يعتمد الحضور الصيني بصورة أكبر على التجارة والاستثمار والبنية التحتية والموانئ وشبكات النقل. منوهاً إلى أنه إذا تطورت مستقبلاً الطرق والممرات التجارية التي تربط الموانئ الليبية بفزان ثم النيجر وتشاد فإن ليبيا تستطيع أن تتحول إلى بوابة بحرية لجزء من أسواق وسط أفريقيا والساحل، لتصبح بذلك منافسة على الموانئ والطرق والممرات اللوجستية بقدر ما هي منافسة على النفوذ السياسي والعسكري.
ويرى المتخصص في العلاقات الدولية، أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، لأنها تمتلك أصلاً شبكة نفوذ متنامية في أفريقيا تقوم على التجارة والاستثمارات والمساعدات والعلاقات الدبلوماسية، إضافة إلى الصناعات الدفاعية، لا سيما الطائرات المسيرة، لذلك فإن العلاقة مع حفتر قد تساعدها على ربط حضورها في المتوسط بحضورها المتنامي جنوب الصحراء، ومن هذه الزاوية تصبح فزان أهم من بنغازي في فهم البعد الأفريقي للتحرك التركي، فالجنوب الليبي يمثل عقدة جغرافية تلتقي فيها الحدود مع النيجر وتشاد والسودان، وتتقاطع عبرها التجارة والهجرة وشبكات التهريب والجماعات المسلحة والمصالح الأمنية الإقليمية، بالتالي فإن امتلاك علاقة قوية مع القوة المهيمنة على هذه المنطقة يمنح تركيا نافذة إضافية للتأثير في بيئة الساحل.
ويؤكد أن هذا الأمر لا يعني أن تركيا تحتاج إلى حفتر لكي تدخل أفريقيا، فهي موجودة بالفعل في القارة وفي عدد من دول الساحل، لكن القيمة المضافة لحفتر تكمن في إمكانية ربط نفوذ تركيا في شمال أفريقيا بنفوذها جنوب الصحراء عبر جغرافيا متصلة تنطلق من الجنوب الليبي، الواقع تحت سيطرة الجيش الليبي، ومن ثمة يمكن تصور الرؤية الاستراتيجية التركية في صورة محور يمتد من "المتوسط – ليبيا – فزان – النيجر وتشاد – الساحل الأفريقي"، وهو ممر تتزايد أهميته في الحسابات الروسية، بينما يمكن أن يصبح اقتصادياً وجزءاً من شبكات المصالح الصينية في أفريقيا.
ويرى أن استبدال تركيا لحلفائها في غرب ليبيا أمر مستعبد في المدى المنظور، مؤكداً أن أنقرة تريد إضافة الشرق والجنوب إلى شبكة نفوذها حتى لا تبقى قوة محصورة في غرب ليبيا، ولكي تمتلك موقعاً في المنافسة على البوابة الشمالية للساحل الأفريقي.
ويشير أستاذ القانون الدولي، إلى أنه في ظل استخدام روسيا للمجال الليبي كمنصة باتجاه الساحل الأفريقي، وتمدد الصين عبر الاقتصاد والبنية التحتية، فإن أنقرة لا تريد أن تكون خارج المنافسة على هذا الممر الأفريقي، لذلك قد يكون الساحل الأفريقي، وليس بنغازي وحدها، أحد المفاتيح الأساسية لفهم الهدف من فتح تركيا قنوات تواصل مع حفتر.
مركز للقوة
وحول الأوراق التي يملكها حفتر، والتي جعلت تركيا ترى أن التقارب معه أصبح ضرورة سياسية وأمنية، يقول عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة "نالوت" إلياس الباروني، إن أنقرة لا تنظر لحفتر باعتباره طرفاً عسكرياً يمكن هزيمته أو احتواؤه، وإنما كأحد مراكز القوة التي لا يمكن تجاوزها في أية ترتيبات مستقبلية للدولة الليبية، وبخاصة أنه يسيطر عسكرياً وسياسياً على مساحة واسعة من شرق وجنوب البلاد، ويمتلك نفوذاً مباشراً أو غير مباشر على مؤسسات السلطة في الشرق.
ويتابع أن "نجله صدام أصبح قناة أساسية في الاتصالات العسكرية والسياسية مع الأطراف الدولية، وهذا يعني أن أي مشروع لإعادة توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية يحتاج، عملياً، إلى التعامل مع معسكر حفتر". مؤكداً أن الورقة العسكرية والأمنية تعد أهم أوراق المشير التي دفعت تركيا إلى إعادة حساباتها، باعتبارها القوة العسكرية المنظمة نسبياً مقارنة بالتشكيلات المسلحة المتعددة في الغرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى أن تركيا تعرف من تجربتها منذ 2019 أن التعامل مع الغرب الليبي لا يعني بالضرورة امتلاك السيطرة على كامل ليبيا؛ فوجودها العسكري وعلاقاتها القوية مع طرابلس منحاها نفوذاً مهماً، لكنه لم يُنهِ الانقسام، لذلك أصبح المنطق التركي الجديد أقرب إلى أنه لا يمكن بناء توازن أمني مستقر في ليبيا إذا بقي أحد أكبر المكونات العسكرية خارج دائرة التفاهم مع أنقرة.
ويضيف أن الورقة الجغرافية جعلت حفتر يمتلك شيئاً لا تستطيع طرابلس أن تمنحه لأنقرة بالدرجة نفسها، فالتواصل معه يتيح لتركيا الانتقال من نفوذها التقليدي في غرب ليبيا إلى نفوذ يمتد عبر الجغرافيا الليبية كلها، وهو عنصر مهم في ظل التحولات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء. كما أن الورقة النفطية من أهم الأوراق كذلك، فشرق وجنوب ليبيا ليسا مجرد مناطق جغرافية، بل هما جزء أساس من الخريطة النفطية الليبية.
النفوذ الروسي
يشير الباروني إلى أن تركيا تريد أن تكون لاعباً رئيساً في مرحلة إعادة إعمار ليبيا وزيادة إنتاج النفط والغاز، وانطلاقاً من هذا تصبح العلاقة مع الشرق ضرورية لأن الاستثمار في قطاع الطاقة لا يمكن أن يكون مستقراً إذا كان هناك طرف جغرافي وسياسي وعسكري مهم خارج المعادلة.
ويتابع أن النفوذ البحري من أكثر النقاط حساسية في الحسابات التركية، فالاتفاق التركي- الليبي لترسيم مناطق الصلاحية البحرية الموقع في 2019 كان أحد أهم عناصر الاستراتيجية التركية في شرق المتوسط، لكن المشكلة أن الاتفاق تم مع حكومة الوفاق آنذاك، بينما ظل الشرق الليبي يرفضه أو يتحفظ عليه، ومن ثم فإن التقارب مع حفتر يفتح أمام أنقرة احتمالاً استراتيجياً بالغ الأهمية، يتمثل في الحصول على قبول أو تفاهم من شرق ليبيا بشأن الترتيبات البحرية التركية- الليبية.
ويقول إن هذه النقطة تعزز الموقف التركي بمواجهة اليونان وقبرص في شرق المتوسط، خصوصاً في ملفات الغاز والطاقة والحدود البحرية، إذ تشير تحليلات متخصصة إلى أن أحد الدوافع الرئيسة للانفتاح التركي على معسكر حفتر هو تأمين موقف شرق ليبيا لقبول الاتفاق البحري لعام 2019، لتتحول بنغازي من خصم للاتفاق البحري إلى شريك محتمل في حماية المصالح البحرية التركية.
ويتابع الباروني أن الورقة الروسية هي الأخرى أحد أبرز العوامل التي غذت هذا التقارب، فتركيا لا تريد أن تترك شرق ليبيا بالكامل لروسيا أو الإمارات أو غيرهما، لأنه كلما زاد ارتباط حفتر بموسكو أصبح لروسيا مجال أكبر للحضور العسكري والسياسي في المتوسط والساحل الأفريقي، ومن ثم فإن التقارب التركي يمكن قراءته كمحاولة لسحب جزء من النفوذ الروسي في شرق ليبيا.
تعدد الشركاء
وحول مدى تغيير التقارب التركي مع حفتر من موازين القوى والتحالفات داخل ليبيا، يعتقد الباروني أن "التأثير سيكون كبيراً، لكن ليس بالضرورة في اتجاه تحالف تركي كامل مع حفتر، فالتقارب يعطي الأخير هامش مناورة أكبر، لأنه كان يعتمد بدرجات مختلفة على مصر والإمارات وروسيا، وبعض العلاقات الأوروبية والأميركية، غير أن دخول تركيا بقوة إلى معسكر العلاقات مع الشرق سيمنحه فرصة لتنويع التحالفات، بالتالي يصبح بإمكانه أن يقول لمصر وروسيا والإمارات إنني لا أحتاج إلى الاعتماد على طرف واحد، وهذه إحدى أهم نتائج التقارب التركي بالنسبة إلى حفتر، مقابل حصول تركيا على ورقة ضغط على طرابلس، أحد أهم أهداف أنقرة، حتى تستطيع الضغط على حكومة الوحدة في ملفات منها الترتيبات الأمنية وتوزيع الموارد والانتخابات والنفط والمؤسسات السيادية وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات العسكرية، مما يمنح تركيا قدرة تفاوضية أكبر مع الغرب والشرق.
ويرى الباروني أنه إذا استمر هذا المسار، فقد نشهد تدريجاً خروج ليبيا من نموذج شرق ضد غرب إلى نموذج شبكات مصالح متقاطعة بين الشرق والغرب، أي إن السياسي أو العسكري الليبي لن يكون مضطراً إلى الانتماء الكامل إلى محور واحد، وهذا قد يؤدي إلى ظهور تحالفات جديدة. منوهاً إلى أن التقارب التركي- المصري نفسه خلق بيئة إقليمية أكثر استعداداً للتنسيق في شأن ليبيا.
وعن التغييرات في حسابات أنقرة التي جعلت من حفتر شريكاً محتملاً بعد أن كان خصماً لها، يؤكد المتخصص في العلوم السياسية، أن تركيا أسهمت بصورة حاسمة في منع سقوط طرابلس خلال حرب 2019، وأثبتت أن ميزان القوة يمكن تغييره عسكرياً، لكن بعد ذلك بقيت ليبيا منقسمة، وانطلاقاً من هذا استخلصت أنقرة درساً مفاده أن الانتصار العسكري لا ينتج بالضرورة تسوية سياسية، ومن ثم أصبحت الأولوية التركية هي امتلاك النفوذ على جميع الأطراف بدلاً من الرهان على طرف واحد.
ويضيف أن حفتر الذي كان يواجه تركيا عسكرياً أصبح اليوم أكثر انفتاحاً على العلاقات مع أنقرة، لأنه يدرك أن تركيا قوة إقليمية كبيرة، واستبعادها يعني تركيزاً أكبر في الاعتماد على مصر وروسيا والإمارات، الأمر الذي قد يحد من هامش حركته.
ويقول إن ظهور نجله صدام نقطة مهمة في أهداف أنقرة التي لا تتعامل فقط مع حفتر الأب، وإنما مع الجيل القادم من معسكر الشرق، فاللقاءات المتكررة مع صدام حفتر ليست مجرد اتصالات بروتوكولية، بل هي تعني أن تركيا تحاول بناء علاقة طويلة الأمد مع بنية السلطة في الشرق، والتي قد تكون جزءاً من النظام السياسي الليبي القادم.
أما التغيير الآخر في حسابات أنقرة فيتعلق بتحسن العلاقات التركية- المصرية، وهو أمر مهم بالنسبة إلى ليبيا، وفق الباروني، إذ كان التقارب التركي مع الشرق في السابق يعني تلقائياً احتمال الاصطدام مع القاهرة، أما اليوم فهناك مساحة أكبر للتنسيق التركي- المصري، وتشير تقارير حديثة إلى أن القاهرة لا تبدو في حال مواجهة مباشرة تجاه التعاون التركي مع الشرق الليبي، وهو أحد الأسباب التي جعلت الكلفة الإقليمية للتقارب التركي مع حفتر أقل من السابق.
ويوضح أن دفع الولايات المتحدة باتجاه ترتيبات تتعلق بتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية أسهم في تحول السياسة التركية في ليبيا، إذ شهد عام 2026 اتصالات أميركية مباشرة مع شخصيات من الشرق والغرب، بالتوازي مع جهود لتوحيد المؤسسة العسكرية، مما يعني أن تركيا إذا بقيت مرتبطة حصراً بطرابلس، فإنها قد تجد نفسها خارج ترتيبات دولية جديدة، لذلك فضّلت أن تكون داخل اللعبة من طرفيها.