Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف استخدمت أوروبا ورقة المساعدات في مفاوضات سوريا وإسرائيل؟

كان الهدف إبداء دمشق مرونة في المفاوضات مع إسرائيل ضمن عملية السلام في الشرق الأوسط لكن وجهات النظر في بريطانيا شهدت تبايناً واضحاً حول موقف لندن بين الرفض والقبول

جرى نقاش أوروبي حول جدوى الاحتفاظ بالمساعدات الاقتصادية الأوروبية لسوريا كورقة حوافز سياسية (اندبندنت عربية)

ملخص

اقترح البعض إقامة رابط بين استعداد الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تنمية الاقتصاد السوري واستعداد دمشق لإبداء مرونة في المفاوضات مع إسرائيل ضمن عملية السلام في الشرق الأوسط. فماذا جرى حول هذا الاقتراح؟ وكيف استقبلته دمشق؟  

كشفت مراسلات دبلوماسية بريطانية متبادلة، في يونيو (حزيران) 1996، بين سفارتي المملكة المتحدة لدى دمشق وتل أبيب ووزارة الخارجية في لندن عن خلاف واضح داخل الجهاز الدبلوماسي البريطاني في شأن السياسة التي ينبغي للاتحاد الأوروبي اتباعها تجاه سوريا، لا سيما ما إذا كان يتعين ربط المساعدات الاقتصادية الأوروبية المقدمة إلى دمشق بمدى استعداد القيادة السورية لإبداء مرونة في المفاوضات مع إسرائيل.

وتضمنت الوثائق برقية دبلوماسية مقيدة التداول استخرجت من قاعدة البيانات في الـ18 من يونيو 1996، وكانت أرسلتها السفارة البريطانية في دمشق إلى وزارة الخارجية في لندن في العاشر من يونيو 1996، مع نسخ إلى البعثات البريطانية في واشنطن والقدس والقاهرة وعمان وبيروت، وإلى بعثة المملكة المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، إضافة إلى روما وباريس وبون وتل أبيب وبعثة المملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

وحملت البرقية عنوان: "إعلان الاتحاد الأوروبي في فلورنسا: المساعدات إلى سوريا"، وأعدها الدبلوماسي البريطاني بول وايتواي رداً على مذكرة كان قد أرسلها جون بيرس من تل أبيب في الرابع من يونيو إلى كارن روس في شأن مشروع إعلان الاتحاد الأوروبي المزمع صدوره في فلورنسا.

المرونة مع إسرائيل أولاً

واستهل وايتواي مذكرته بالإشارة إلى أن بيرس اقترح إقامة رابط بين استعداد الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تنمية الاقتصاد السوري وبين استعداد دمشق لإبداء مرونة في المفاوضات مع إسرائيل ضمن عملية السلام في الشرق الأوسط. ولم يُخفِ الدبلوماسي البريطاني في دمشق رفضه هذا المقترح، قائلاً إن من غير المستغرب أن يختلف معه في هذا الشأن.

وبرر وايتواي موقفه أولاً بأن إعلان برشلونة لم يتضمن أي نص يربط المساعدات الأوروبية المقدمة في إطار الشراكة الأورومتوسطية بإحراز تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط. ورأى أن اعتماد مثل هذا الربط في حال سوريا تحديداً سيدفع السوريين إلى اتهام الاتحاد الأوروبي بممارسة التمييز ضدهم، لا سيما أن بقية دول المتوسط لم تكن تخضع للشروط السياسية نفسها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت البرقية أن السوريين قد يعتبرون مثل هذا الإجراء تراجعاً أوروبياً عن التفاهمات التي سبقت مشاركتهم في مؤتمر برشلونة. فبحسب الدبلوماسي البريطاني في دمشق، لم توافق الحكومة السورية على المشاركة في المسار الأورومتوسطي إلا بعدما اقتنعت بعدم وجود رابط بين برنامج MEDA وعملية السلام في الشرق الأوسط، ولذلك فإن محاولة استخدام المساعدات الاقتصادية لاحقاً أداة للضغط السياسي قد تفسر في دمشق باعتبارها خداعاً أو إخلالاً بالتفاهمات السابقة.

 

ومن زاوية أخرى، رجحت الوثيقة أن ترد سوريا على أي شروط أوروبية بالسؤال عن سبب عدم تطبيق التدابير نفسها على إسرائيل، لا سيما أن دمشق كانت تعتبر الدولة العبرية الطرف الذي ينتهك القانون الدولي من خلال استمرار احتلال الأراضي العربية، وأشارت إلى أن السوريين كانوا يشعرون بالفعل بالاستياء من القيود المفروضة على قروض بنك الاستثمار الأوروبي (EIB)، ومن إحجام الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عن بيع الأسلحة إلى سوريا، على رغم رفع الحظر الأوروبي الرسمي على تصدير السلاح إليها.

دمشق تطالب أوروبا بالضغط على إسرائيل

ومضت البرقية لتوضح أن رد الفعل السوري قد يكون أكثر حدة، لأن أحد المحاور الأساسية في سياسة دمشق الخارجية كان يتمثل في السعي إلى توسيع دور الاتحاد الأوروبي داخل عملية السلام في الشرق الأوسط. ولم تكن القيادة السورية تقصد بذلك مجرد مشاركة أوروبية شكلية، بل كانت تريد من الاتحاد ممارسة ضغوط على إسرائيل لإظهار قدر أكبر من المرونة في المفاوضات.

وبناءً على ذلك، حذر وايتواي من أن اكتشاف السوريين أن بريطانيا تحاول إقناع شركائها الأوروبيين باستخدام المساعدات الاقتصادية أداة لانتزاع تنازلات سورية سيقوض المساعي البريطانية لإظهار الحياد والتوازن في التعامل مع عملية السلام، ورأى أن هذا التطور سيضر بقدرة لندن على لعب دور بناء في المفاوضات، بالنظر إلى أهمية سوريا في المعادلة الإقليمية.

وفي السياق نفسه، أضاف أن مثل هذه السياسة ستبدد الجهود البريطانية الرامية إلى معالجة الانطباعات السلبية التي خلفتها تصريحات وزير الدفاع البريطاني مايكل بورتيلو في شأن سوريا وعملية السلام، وهي تصريحات كانت دمشق قد اعتبرتها دليلاً على انحياز بريطاني إلى الموقف الإسرائيلي.

ولم يكن اعتراض السفارة البريطانية لدى دمشق يعني، وفقاً للوثيقة، أن سوريا لا تحتاج إلى إظهار أي قدر من المرونة في المفاوضات. فقد أوضح وايتواي أن المطلوب هو اختيار الأسلوب والتوقيت المناسبين لممارسة الضغط، بدلاً من ربط المساعدات الاقتصادية الأوروبية علناً بالموقف السوري في عملية السلام.

 

واختتم الدبلوماسي البريطاني مذكرته بتأكيد أن مشاركة سوريا في الشراكة الأورومتوسطية تمثل قيمة سياسية واقتصادية في حد ذاتها، لأنها ستزيد الضغوط الداخلية والخارجية على دمشق، لتحرير اقتصادها وتخفيف القيود المفروضة عليه، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى فوائد مباشرة للمصالح البريطانية.

وفي المقابل، كشفت برقية أخرى صادرة عن السفارة البريطانية في تل أبيب في الرابع من يونيو 1996 عن رؤية مختلفة تماماً. وقد أرسلت البرقية إلى وزارة الخارجية في لندن، مع نسخ إلى واشنطن والقدس والقاهرة وعمان وبيروت وبروكسل وروما وباريس وبون ودمشق ونيويورك، وحملت عنوان "عملية السلام في الشرق الأوسط: إعلان الاتحاد الأوروبي في فلورنسا".

وأعد المذكرة الدبلوماسي البريطاني أندرو جون بيرس، وأرسلها إلى كارن روس في إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية البريطانية، استناداً إلى برقية روما رقم 343 الموجهة إلى الوزارة.

النفوذ الاقتصادي في المفاوضات

وأفادت البرقية بأن أحدث مسودة لإعلان فلورنسا أصبحت أفضل بصورة ملحوظة من النسخ السابقة، إلا أن بيرس رأى أن مديريات الشؤون السياسية في الاتحاد الأوروبي في حاجة إلى إعادة النظر في مسألتين جوهريتين. تمثلت الأولى في الإشارة إلى المؤسسات الفلسطينية في القدس، لأن الصياغة المقترحة لم توضح سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه بيت الشرق، بينما تعلقت الثانية بالمساعدات الاقتصادية لسوريا، إذ خشي أن تؤدي الصياغة الأوروبية إلى التخلي المبكر عن أي نفوذ اقتصادي يمكن استخدامه في المفاوضات السورية – الإسرائيلية.

وأشارت الوثيقة إلى أن مديري الشؤون السياسية في الاتحاد الأوروبي كانوا يستعدون للاجتماع خلال الأيام التالية من أجل تحديث مشروع إعلان فلورنسا في ضوء فوز حزب الليكود في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في الأسبوع السابق. ورأى بيرس أن النص الجديد أصبح أكثر توازناً، لكنه أيد اقتراح الدبلوماسي البريطاني جونز باري بإضافة عبارة تتناول المخاوف الأمنية الإسرائيلية، ودعا إلى اختصار النص بصورة أكبر.

وفيما يتعلق ببيت الشرق، استعاد بيرس مناقشة سابقة أجراها مع جيرارد راسل في مايو (أيار)، موضحاً أن تأكيد الاتحاد الأوروبي عزمه الحفاظ على مبدأ زيارة المؤسسات الفلسطينية في القدس لم يحسم موقفه العملي تجاه بيت الشرق.

 

ووفقاً لفهمه، كان وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد اتفقوا رسمياً على زيارة بيت الشرق كلما زاروا إسرائيل، وكذلك على قيام نوابهم المعنيين بالأمر نفسه. إلا أنهم قرروا تجنب القيام بهذه الزيارات خلال حملة الانتخابات الإسرائيلية، حتى لا يتسببوا في إحراج سياسي لحكومة شيمعون بيريس.

غير أن الممارسة العملية، بحسب البرقية، جاءت مختلفة، إذ زار عدد كبير من وزراء الخارجية الأوروبيين إسرائيل خلال الأشهر السابقة من دون أن يتوجه أي منهم إلى بيت الشرق، وأشارت الوثيقة إلى أنه بعد تفجيرات مارس (آذار)، أعطى مسؤولون في المفوضية الأوروبية أو وزيرة الخارجية الإيطالية سوزانا أنييلي، أو كلاهما، انطباعاً للصحافة الإسرائيلية بأن الاتحاد الأوروبي قرر تعليق سياسة زيارة بيت الشرق بصورة دائمة.

وأوضحت البرقية أن الغموض قد يكون مفيداً في ضوء عدم وضوح موقف حكومة "الليكود" المقبلة من بيت الشرق، لا سيما أن برنامج الحزب تعهد بإغلاقه. وأشارت إلى أن السفير البريطاني ريتشارد دالتون كان طرح الرأي نفسه في رسالة مؤرخة في الـ27 من مايو إلى بيتر فورد.

ومع ذلك، شدد بيرس على أن على بريطانيا وشركائها الأوروبيين أن يدركوا أن إبقاء الموقف غامضاً ينبغي أن يكون قراراً سياسياً واعياً، لا نتيجة صياغة فضفاضة أو غير دقيقة، ودعا إلى الاتفاق على خطاب علني موحد يحمي الموقف الأوروبي إذا تعرض للتحدي أو النقد.

خلاف حقيقي داخل الدبلوماسية البريطانية 

وانتقلت البرقية بعد ذلك إلى القضية الأكثر صلة بسوريا، وهي الإشارة الواردة في مشروع إعلان فلورنسا إلى استعداد الاتحاد الأوروبي للمساعدة في تنمية الاقتصاد السوري وتصنيعه. ورأى بيرس أن بعض الإسرائيليين سيفسرون هذه العبارة على أنها تخلٍّ كامل عن النفوذ الاقتصادي الأوروبي قبل استخدامه حافزاً في المفاوضات الإسرائيلية – السورية.

وأقر الدبلوماسي البريطاني لدى تل أبيب بأن الاتحاد الأوروبي سبق أن وافق على عدم ربط المفاوضات في شأن الاتفاق التجاري بين سوريا والاتحاد الأوروبي بالتقدم في عملية السلام، لكنه حذر من أن صياغة إعلان فلورنسا تجاوزت، في رأيه، حدود ذلك التفاهم، لأنها قد تعني التزاماً أوروبياً واسعاً بدعم التنمية والتصنيع في سوريا من دون مقابل سياسي.

وطرح بيرس تساؤلاً عما إذا كانت بريطانيا وبقية الدول الأوروبية مستعدة فعلاً للتخلي عن أهم حافز اقتصادي غير مرتبط بالاتفاق التجاري كان يمكن استخدامه للضغط على دمشق وإقناعها بإظهار مرونة في مفاوضاتها مع إسرائيل، وأشار إلى أن السفارة البريطانية لدى تل أبيب اطلعت على أرقام مختلفة تتعلق بالمساعدات المحتملة المقدمة إلى سوريا ضمن برنامج MEDA، لكنها لم تتذكر عقد نقاش أوروبي جماعي محدد ونهائي في شأن استخدام هذه المساعدات باعتبارها وسيلة ضغط سياسي.

وبذلك، تكشف البرقيتان عن خلاف حقيقي داخل الدبلوماسية البريطانية حول العلاقة بين التعاون الاقتصادي والسياسة الخارجية. فقد رأت السفارة البريطانية لدى تل أبيب أن المساعدات الأوروبية لسوريا تمثل ورقة ضغط نادرة ينبغي عدم التخلي عنها قبل ضمان مرونة سورية في عملية السلام، بينما حذرت السفارة في دمشق من أن استخدام هذه الورقة سيقوض صدقية الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ويظهرهما كطرفين منحازين إلى إسرائيل.

 

وتبرز الوثائق أيضاً أن الخلاف لم يكن حول ضرورة تحقيق تقدم في المفاوضات السورية - الإسرائيلية، بل حول الوسيلة الأنسب للوصول إلى ذلك الهدف. فمن جهة، دعا بيرس إلى الحفاظ على الحوافز الاقتصادية وعدم تقديمها مجاناً، ومن جهة أخرى رأى وايتواي أن الانتظام الاقتصادي الأوروبي مع سوريا سيؤدي تدريجاً إلى تحرير الاقتصاد السوري وتعميق ارتباطه بأوروبا، وهو ما يخدم المصالح البريطانية على المدى البعيد أكثر من الضغوط العلنية والمباشرة.

وتعكس هذه المراسلات كذلك التناقض الذي واجهته السياسة الأوروبية خلال تسعينيات القرن الـ20 بين التأكيد الرسمي أن مسار برشلونة مستقل عن عملية السلام في الشرق الأوسط، والرغبة العملية لبعض الدبلوماسيين في استخدام برامج التعاون الاقتصادي والمساعدات الأوروبية للتأثير في مواقف الدول العربية داخل المفاوضات.

وفي المحصلة، تقدم الوثيقتان صورة نادرة عن كيفية صناعة السياسة البريطانية تجاه سوريا في مرحلة دقيقة أعقبت فوز "الليكود" في إسرائيل، وتكشفان أن صياغة إعلان أوروبي واحد كانت موضع تنازع بين سفارتين بريطانيتين تنظر كل منهما إلى المصالح البريطانية من موقع مختلف: تل أبيب التي ركزت على أوراق الضغط المتاحة في المفاوضات، ودمشق التي حذرت من خسارة الثقة السورية وتقويض الدور البريطاني والأوروبي في عملية السلام.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير