ملخص
السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تحقيق تقدم محدود وتدرجي في الملفات الإنسانية وإجراءات بناء الثقة، مثل تبادل الأسرى والمحتجزين، وتسهيل وصول المساعدات، وفتح قنوات اتصال أكثر انتظاماً بين الطرفين. وقد تقود هذه الخطوات، إذا حافظ الطرفان على الحد الأدنى من الالتزام، إلى ترتيبات تهدئة موضعية أو موقتة يمكن البناء عليها لاحقاً في مفاوضات أوسع حول وقف إطلاق النار.
وصل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان بيكا هافيستو، إلى الخرطوم والحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات "الدعم السريع" منذ أبريل (نيسان) 2023 لا تزال تفرض واقعها، وتتسع معها رقعة المواجهات في عدد من أقاليم البلاد. وتأتي الزيارة بينما تشهد جبهات النيل الأزرق وكردفان ودارفور تصعيداً عسكرياً، بالتزامن مع تحركات وتعزيزات ميدانية للطرفين، وما رافق القتال الأخير في النيل الأزرق، المتاخم لإثيوبيا، من موجات نزوح من مناطق الكرمك وقيسان.
وأعلنت الأمم المتحدة أن هافيستو يجري مشاورات مع الأطراف الرئيسة حول تدابير خفض التصعيد وحماية المدنيين في إطار اتصالات تشمل القوى العسكرية والسياسية والمدنية. والتقى في الخرطوم برئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق عبدالفتاح البرهان، وبحث معه التطورات السياسية والجهود الرامية إلى دفع مسار الحوار. وأجرى اتصالاً هاتفياً بقائد قوات "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو "حميدتي"، ذكر أنه تناول تطورات الوضع السياسي والأمني والإنساني ومساعي إنهاء الحرب.
وبالتزامن مع الزيارة، تحرك ممثلو "الآلية الخماسية"، التي تضم الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي و"إيغاد" وجامعة الدول العربية إلى جانب الأمم المتحدة، لعقد اجتماعات في شأن المشهد السياسي والمقترحات المطروحة للحوار. وأكد هافيستو، خلال اتصالاته، استمرار الأمم المتحدة في التواصل مع أطراف سودانية داخل البلاد وخارجها، فيما جدد المتحدث باسم المنظمة الدولية ستيفان دوجاريك الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين والبنية التحتية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومن دون عوائق.
وتزامنت التحركات مع مبادرة الحوار السوداني - السوداني التي أطلقتها لجنة من 19 شخصاً في الخرطوم، بهدف تهيئة مسار سياسي وإجراء مشاورات مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، في وقت تتواصل الجهود الدولية والإقليمية للبحث عن تسوية تفاوضية للنزاع.
مراحل متعاقبة
منذ اندلاع الحرب، مر الحضور السياسي الأممي في السودان بثلاث مراحل متعاقبة ارتبطت بثلاثة مبعوثين ومسارات مختلفة للعمل الدبلوماسي. وكان فولكر بيرتس موجوداً في العاصمة الخرطوم عند اندلاع القتال، واستخدم اتصالاته المباشرة بقيادتي الجيش و"الدعم السريع" لمحاولة تثبيت هدن إنسانية وفتح ممرات للإغاثة. ومع إجلاء موظفي الأمم المتحدة من الخرطوم، انتقل إلى بورتسودان، حيث واصل اتصالاته بالطرفين ونسق مع الوسطاء الإقليميين. وحذر من استحالة حسم الحرب عسكرياً، قبل أن يغادر منصبه في سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، ثم أغلقت بعثة "يونيتامس" رسمياً في فبراير (شباط) 2024.
خلف بيرتس، رمطان لعمامرة، الذي عين مبعوثاً شخصياً للأمين العام في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وسجل خلال ولايته أربع زيارات معلنة إلى السودان، في مايو (أيار) 2024 إلى بورتسودان، حيث التقى الفريق البرهان وبحث استئناف المسار السياسي، وفي أغسطس (آب)، ضمن وفد أممي رفيع ركز على الأزمة الإنسانية والتقى بمسؤولين سودانيين ونازحين، ثم في ديسمبر (كانون الأول)، لمناقشة تطورات الحرب وتنسيق الجهود الدولية والإقليمية، وأخيراً في أبريل (نيسان) 2025، حيث عاد إلى بورتسودان ودفع باتجاه حوار عاجل ووقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين.
وبالتوازي، قاد لعمامرة في يوليو (تموز) 2024 محادثات جنيف التقريبية، فعقد نحو 20 جلسة منفصلة مع وفدي الجيش و"الدعم السريع" حول حماية المدنيين والوصول الإنساني، وأسفرت الجولة عن التزامات أحادية من "الدعم السريع"، لكنها لم تنتج اتفاقاً لوقف إطلاق النار.
في فبراير (شباط) الماضي، عين غوتيريش، بيكا هافيستو خلفاً لعمامرة. بدأ هافيستو زياراته الميدانية في يونيو (حزيران) الماضي، ثم عاد إلى السودان هذا الأسبوع، مواصلاً اتصالاته بالقيادات السودانية ضمن مهمته.
رسائل عاجلة
حملت زيارة بيكا هافيستو إلى السودان حزمة رسائل أممية متداخلة، صيغت حول مسارين متوازيين: احتواء تداعيات الحرب على المدنيين، وإبقاء المسار السياسي مفتوحاً أمام تسوية لا تستند إلى موازين القوة العسكرية وحدها.
أولاً، خفض التصعيد: نقل هافيستو إلى قيادة الدولة والجيش دعوة واضحة إلى تهدئة العمليات العسكرية وتهيئة الظروف التي تسمح بالانتقال من إدارة القتال إلى معالجة أسبابه السياسية. ولم يطرح خفض التصعيد باعتباره بديلاً من وقف إطلاق النار، بل كخطوة تمهيدية نحو وقف شامل للأعمال العدائية.
ثانياً، حماية المدنيين: وضعت الرسالة الأممية حماية السكان والبنية المدنية في صدارة الأولويات، بما يشمل الحد من آثار العمليات العسكرية وضمان استمرار الخدمات الأساسية والمساعدات، في وقت تتسع الحاجات الإنسانية وتتراجع قدرة المدنيين على الاحتماء من الحرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثالثاً، ملف الأسرى والمحتجزين: دفع هافيستو باتجاه استئناف الاتصالات الخاصة بتبادل الأسرى والمحتجزين المدنيين، مع إشراك اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وتحمل هذه النقطة أهمية عملية، لأنها تفتح قناة تفاوضية محددة يمكن اختبار جدية الأطراف من خلالها بعيداً من القضايا السياسية الأكثر تعقيداً.
رابعاً، الحوار كمدخل للتسوية: أكد أن الحوار يظل الطريق إلى سلام مستدام ووقف شامل لإطلاق النار، معلناً استعداده للتعامل مع مختلف القوى السودانية والعمل مع شركاء الآلية الخماسية لدفع عملية سياسية أكثر شمولاً، على أن تستجيب لتطلعات السودانيين ولا تختزل في ترتيبات بين القوى العسكرية.
خامساً، الحفاظ على مؤسسات الدولة المدنية: عكست إثارته قضية الاختبارات الموحدة، بالتعاون مع "اليونيسف"، اهتماماً باستمرار الحقوق والخدمات التعليمية الأساسية في مختلف مناطق البلاد، بما يحول دون تحول الحرب إلى قطيعة مؤسسية طويلة الأمد.
سادساً، إعادة الإعمار: حملت إشادته بأعمال البناء والتعمير في الخرطوم رسالة موازية مفادها أن استعادة الحياة المدنية وإعادة بناء المدن جزء من مسار السلام، وليست مرحلة مؤجلة إلى ما بعد التسوية.
وبذلك جمعت زيارة هافيستو بين رسائل عاجلة تتصل بسلوك طرفي النزاع، ورسائل أطول مدى تتعلق بإعادة فتح المجال أمام عملية سياسية وحماية ما تبقى من مؤسسات الحياة العامة.
مستوى التعهدات
خلال تحركاته مع طرفي الحرب، نجح هافيستو في فتح قنوات مع طرفي القتال وانتزاع مواقف سياسية ووعود أولية تتصل بخفض التصعيد وإنهاء الحرب، إلا أن هذه المواقف ظلت حتى الآن في نطاق الرسائل السياسية والاستعدادات المعلنة، ولم تتحول إلى التزام متبادل يفرض وقف العمليات العسكرية أو يحدد آلية واضحة لتنفيذ التهدئة ومراقبتها. ففي أبريل الماضي، أبلغ "حميدتي" هافيستو استعداده لوقف الحرب والتعاون في إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، وهي إشارة سياسية قصد منها إبداء استعداد قيادة "الدعم السريع" للانخراط في مسار لإنهاء القتال، لكن ذلك بقي منفصلاً عن أي تفاهم متزامن مع الجيش أو ترتيب ميداني قابل للتحقق.
وفي الجانب الآخر، فإن الرسائل المباشرة التي نقلها هافيستو إلى الفريق البرهان، مع أنها تعكس وجود مساحة للحوار حول إجراءات محددة لتخفيف حدة الصراع، لكنها في الوقت ذاته تظهر أن مضمون هذه الاتصالات يعكس استعداداً لمناقشة إجراءات إنسانية وسياسية يمكن أن تمهد لخفض التوتر.
وهنا تكمن الفجوة الأساسية التي تواجه مهمة هافيستو، فالوعود السياسية لا تزال أوسع من السلوك العسكري على الأرض. واستمرار العمليات القتالية، وتبدل خطوط المواجهة، وتكرار الدعوات إلى التهدئة من دون ترتيبات تنفيذية، كلها تشير إلى أن إرادة التفاوض لم تتحول بعد إلى إرادة لوقف الحرب. وبذلك، على رغم أن هافيستو حقق تقدماً في إعادة فتح قنوات التواصل وتثبيت مفردات مشتركة حول التهدئة وحماية المدنيين، فإنه لم ينجح بعد في تحويل هذه المواقف إلى تفاهم ثنائي قابل للقياس والتنفيذ، وهو الاختبار الحقيقي لأي تقدم دبلوماسي في الحرب السودانية.
سيناريوهات محتملة
تبرز زيارة بيكا هافيستو الأخيرة أمام اختبار أكثر صعوبة من مجرد تحريك الاتصالات السياسية، إذ سيكون معيار نجاحها قدرة الوساطة على انتزاع خطوات عملية من طرفي الحرب في بيئة لا تزال فيها الحسابات العسكرية تتقدم على اعتبارات التسوية. وبالنظر إلى طبيعة المواقف التي خرجت من لقاءاته، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى إدارة الصراع واحتواء تداعياته منها إلى تسوية سريعة تنهيه.
السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في تحقيق تقدم محدود وتدرجي في الملفات الإنسانية وإجراءات بناء الثقة، مثل تبادل الأسرى والمحتجزين، وتسهيل وصول المساعدات، وفتح قنوات اتصال أكثر انتظاماً بين الطرفين. وقد تقود هذه الخطوات، إذا حافظ الطرفان على الحد الأدنى من الالتزام، إلى ترتيبات تهدئة موضعية أو موقتة يمكن البناء عليها لاحقاً في مفاوضات أوسع حول وقف إطلاق النار. وانخراط "الخماسية" في المشاورات الجارية قد يمنح جهود هافيستو ثقلاً سياسياً أكبر، ويوسع قدرة الوسطاء على تنسيق الضغوط والحوافز.
أما السيناريو الأقل ترجيحاً، فيتمثل في حدوث اختراق سياسي يفضي خلال فترة قصيرة إلى وقف شامل للقتال والانتقال إلى مفاوضات مباشرة حول تسوية سياسية. ويتطلب ذلك تغيراً واضحاً في حسابات طرفي الحرب، وقبولاً بترتيبات رقابة وضمانات متبادلة، وهو ما لا تبدو مؤشراته ناضجة بعد.
وفي المقابل، يبقى سيناريو التعثر قائماً إذا استمرت العمليات العسكرية بوتيرتها الحالية، وتحولت التعهدات السياسية إلى أدوات لكسب الوقت وإعادة التموضع. ولا توجد حتى الآن ضمانات معلنة تكفل تحقق أي من التوقعات الإيجابية، فالاتصالات لم تنتج اتفاقاً ملزماً، ولا آلية مراقبة، ولا ثمناً واضحاً لخروقات التهدئة. لذلك، ستقاس جدوى زيارة هافيستو بما سيحدث على الأرض خلال الأسابيع المقبلة، لا بما صدر عن الاجتماعات من مواقف دبلوماسية.