ملخص
تمكنت الصين سريعاً من تحويل محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالنفط والغاز إلى استخدام الفحم، مما أظهر مرونة غير مسبوقة في مواجهة صدمة نفطية استثنائية.
انخفض الطلب على النفط خلال الحرب بصورة حادة، وبمستويات تجاوزت كثيراً توقعات محللي صناعة الطاقة، مما أظهر أن العالم يتمتع بمرونة أكبر مما كان يعتقد في كيفية استخدام النفط، كما أن الحرب أحدثت تغييرات مستدامة في الاقتصاد العالمي وبدلت طريقة حركة التجارة الدولية.
وأسهمت الحرب في زيادة إنتاج النفط خارج الشرق الأوسط، ورسخت مكانة الصين باعتبارها قوة مؤثرة في سوق النفط، كما أعادت طرح مسألة سيطرة إيران على مضيق هرمز.
بحسب "سي أن أن" لا تنتج الصين كميات كبيرة من النفط، لكنها أثبتت خلال حرب إيران أنها أقوى قوة مؤثرة في السوق النفطية.
ويقول كبير الاقتصاديين في شركة "آر أس أم" الأميركية جو بروسويلاس إن السبب يعود لقدرة الصين الفريدة على تعديل مستوى طلبها.
أدى اعتماد بكين الكبير على المخزونات النفطية الضخمة التي راكمتها قبل الحرب إلى خفض وارداتها من النفط الخام بنحو 5 ملايين برميل يومياً.
وفي مرحلة ما، ستضطر الصين إلى إعادة ملء هذه المخزونات، مما سيؤدي إلى ارتفاع الطلب مجدداً، لكن بعض التغيرات في سلوك المستهلكين الصينيين قد تصبح دائمة.
على سبيل المثال، ووفق بيانات وزارة النقل الصينية، ارتفع شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة خلال عطلة عيد العمال التي استمرت خمسة أيام في مايو (أيار)، بنسبة 55.6 في المئة مقارنة بالعام السابق.
وخلال هذه العطلة، كانت أقل بقليل من ربع المركبات التي تسير على الطرق السريعة في الصين كهربائية، أي بزيادة 33 في المئة عن العام السابق.
وتمكنت الصين سريعاً من تحويل محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالنفط والغاز إلى استخدام الفحم، مما أظهر مرونة غير مسبوقة في مواجهة صدمة نفطية استثنائية.
وانخفض الطلب على النفط خلال الحرب بصورة حادة، وبمستوى فاق كثيراً توقعات محللي قطاع النفط.
وأظهر ذلك أن العالم يتمتع بمرونة أكبر بكثير مما كانت التقديرات السابقة تفترضه، في ما يتعلق باستخدام النفط.
وبحسب "جيه بي مورغان"، فمن إجمال 1.9 مليار برميل من النفط الخام الشرق أوسطي الذي فقدته السوق خلال الحرب، جرى امتصاص نحو 800 مليون برميل، أي أقل بقليل من نصف الكمية، من خلال انخفاض استهلاك الأفراد والشركات للنفط.
ولا يزال من غير الواضح أي جزء من هذه المرونة سيكون دائماً وأي جزء سيكون موقتاً.
لكن أي انخفاض دائم في استهلاك النفط، حتى لو اقتصر على الصين وحدها، قد يخفض الطلب إلى مستوى يمنعه من العودة بالكامل لمستوياته السابقة، وربما يكون العالم قد وصل بالفعل إلى "ذروة النفط".
وقالت رئيسة قسم تحليل السلع الأساسية في "جيه بي مورغان" ناتاشا كانيفا، "يظهر التاريخ أن الصدمات النفطية السابقة أدت في كثير من الأحيان إلى انخفاض مستدام في الطلب على البنزين، وقد يحدث الأمر نفسه هذه المرة".
إنتاج النفط خارج الشرق الأوسط
وتشير "سي أن أن" إلى أن أحد التغيرات المهمة الأخرى خلال حرب إيران، تمثل في ارتفاع إنتاج النفط من مصادر لم تكن في صدارة التوقعات.
وقال رئيس شركة "ليبو أويل أسوشيتس" آندي ليبو إن عمليات استكشاف وتطوير مصادر الطاقة البديلة خارج الشرق الأوسط تشهد توسعاً، فيما زادت المشاريع النفطية القائمة أيضاً من عمليات الحفر.
وبحسب بيانات "جيه بي مورغان"، رفعت البرازيل إنتاجها من النفط الخام بنحو 800 ألف برميل يومياً، فيما أضافت غويانا 300 ألف برميل يومياً، وكندا 200 ألف برميل، والنرويج 150 ألف برميل يومياً.
أما الولايات المتحدة، التي امتنعت في البداية عن زيادة الإنتاج بسبب مخاوف من أن يكون ارتفاع أسعار النفط موقتاً، فأصبحت الآن تنتج يومياً نحو 900 ألف برميل أكثر مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
ويأتي الجزء الأكبر من زيادة الإنتاج الأميركي من منصات خاصة ترسل النفط إلى المصافي، لإنتاج وقود الطائرات والغاز الطبيعي المخصص للسوق الأوروبية التي تعاني نقصاً في الإمدادات.
وقد ينخفض إنتاج الولايات المتحدة بعض الشيء بعد إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، إلا أن "جيه بي مورغان" تتوقع بقاء الإنتاج قريباً من مستوياته الحالية.
وفاجأت البرازيل محللي النفط بإنتاج تجاوز التوقعات بكثير، فيما يرجح أن يؤدي نجاح مشاريعها النفطية إلى مزيد من الزيادة في الإنتاج.
ارتفاع الإنتاج
ومن المتوقع أيضاً أن تصل هذا الشهر سفينة إنتاج نفط جديدة إلى سواحل غويانا، مما سيساعد في تسريع الإنتاج من حقل النفط الضخم في البلاد.
وبدأ منتجو النفط في الشرق الأوسط، في محاولة للتكيف مع هذه الظروف، بتغيير طرق نقل الخام وإنشاء مسارات بديلة.
واستخدمت السعودية قوافل ضخمة من الشاحنات لنقل الشحنات إلى البحر الأحمر، كما رفعت استخدام خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب إلى أقصى طاقته من أجل تجاوز مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، يجري العراق محادثات مع شركة "شيفرون" لبناء خط أنابيب باتجاه البحر المتوسط.
وكانت الإمارات قد أعلنت في أبريل (نيسان) أنها ستغادر منظمة "أوبك"، وتشير تقارير إلى أن العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في المنظمة، قد يكون الدولة التالية التي تخرج منها.
وقال وزير النفط العراقي لـ"بلومبيرغ" إنه إذا لم تُرفع أهداف الإنتاج بصورة كبيرة، فسيتعين على العراق اتخاذ قرار بشأن الاستمرار في عضوية "أوبك" من عدمه.
وأفادت "بلومبيرغ" بأن العراق يريد الحصول، بعد الحرب، على إذن لإنتاج خمسة ملايين برميل يومياً، فيما يتمثل هدفه على المدى الطويل في رفع الإنتاج إلى سبعة ملايين برميل يومياً.
وبحسب "سي أن أن"، قد يدفع هذا الوضع السعودية إلى السماح لدول أخرى بإنتاج كميات تفوق مستوى الطلب العالمي على النفط.
وقد يكون ذلك إيجابياً بالنسبة إلى المستهلكين، لأنه قد يخفض الأسعار، لكنه من جهة أخرى قد يؤدي إلى فائض نفطي دائم في السوق ويخفض أرباح المنتجين بصورة حادة.
مضيق هرمز
قبل الحرب، كانت السفن التي ترفع أعلام مختلف الدول تستطيع عبور مضيق هرمز بحرية لنقل البضائع إلى الشرق الأوسط أو خارجه.
وكان نحو خمس نفط العالم يمر يومياً عبر هذا الممر الضيق، لكن التصورات في شأن الجهة التي تسيطر على المضيق تغيرت بعد الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي.
وأعلنت إيران أنها فرضت سيطرتها على المضيق، وهاجمت سفناً كانت تسعى إلى الدخول إلى الخليج أو الخروج منه.
وأتاح الإغلاق الفعلي للمضيق لإيران ورقة ضغط اقتصادية مهمة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها في دول الخليج، كما أدى إلى خروج نحو 13 مليون برميل من النفط يومياً من الإمدادات العالمية.
وفي مايو الماضي، غيرت إيران تكتيكها فبدلاً من محاولة إغلاق المضيق، بدأت تنظيم حركة المرور فيه، وأنشأت ما سمته "منظمة مضيق الخليج"، وطالبت السفن العابرة بالتسجيل لديها، واتباع مسار ملاحي معتمد، ودفع رسوم في مقابل العبور.
وبعد توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في أواخر يونيو (حزيران) الماضي، وافقت إيران على وقف تحصيل الرسوم لمدة 60 يوماً، لكنها واصلت مهاجمة بعض السفن العابرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعد أن جرى التخلي عملياً عن مذكرة التفاهم، بدأ الجيش الأميركي تنسيق ومرافقة عمليات عبور "مظلمة" وليلية عبر المضيق بهدف زيادة صادرات النفط الخليجية ومنع هجمات الطائرات الإيرانية المسيرة.
هذه الجهود حققت نجاحاً، إلا أن الحاجة إلى مثل هذه العملية الواسعة والمكلفة تظهر مدى النفوذ الذي أصبحت إيران تتمتع به في مضيق هرمز.
ويرى محللون في سوق النفط أن التسوية النهائية للحرب قد تتضمن في نهاية المطاف نوعاً من الاتفاق يسمح لإيران بتحصيل رسوم في مقابل ضمان المرور الآمن عبر المضيق.
ويخشى بعض المنتقدين أن يشكل مثل هذا الاتفاق سابقة، قد تدفع دولاً أخرى إلى فرض رسوم على مرور السفن عبر الممرات المائية الدولية.
ومع ذلك، تقول ناتاشا كانيفا إنه إذا أنشأت إيران هيكل رسوم شبيهاً بالنظام الذي تطبقه تركيا في مضائقها، فقد يؤدي ذلك إلى إضافة نحو دولار واحد إلى سعر كل برميل نفط.
وقد تضطر ناقلة نفط خام عملاقة إلى دفع نحو 260 ألف دولار، في مقابل رحلة ذهاب وإياب عبر مضيق هرمز.