ملخص
تكشف الوثائق بذلك عن سياسة أوروبية جمعت بين تقديم الدعم الاقتصادي والفني من جهة، واستخدام المساعدات كحافز للإصلاح والانخراط السياسي من جهة أخرى. وفي المقابل، ظلت الديون السورية المتأخرة عائقاً أمام توسيع التمويل الأوروبي، ولا سيما قروض بنك الاستثمار الأوروبي. وهكذا اتسمت العلاقة الأوروبية–السورية بمزيج من الانفتاح السياسي والاقتصادي، والحذر المرتبط بالإصلاح والديون والتطورات الإقليمية.
في خريف عام 1996، دخلت العلاقات السورية – الأوروبية مرحلة اتسمت بتزايد الاهتمام الفرنسي بسوريا، وسعي باريس إلى حضور سياسي أكثر تأثيراً في الشرق الأوسط. وتزامن ذلك مع توجه أوروبي أوسع نحو ربط التعاون الاقتصادي مع دمشق بجهود الإصلاح الداخلي ومسار اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية. وفي هذا الإطار، ترصد البرقيات البريطانية الصادرة عن السفارة البريطانية في دمشق تفاصيل زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى سوريا بين الـ19 والـ21 من أكتوبر (تشرين الأول) 1996، وما أسفرت عنه من تفاهمات على المستويين السياسي والاقتصادي، وفي مقدمتها الاتفاق الخاص بتسوية الديون السورية المستحقة لفرنسا.
وتقول البرقية البريطانية إن شيراك وصل إلى دمشق في المحطة الأولى من جولته في الشرق الأوسط، على رأس وفد سياسي واقتصادي واسع ضم وزير الخارجية الفرنسي هيرفي دو شاريت، والوزير المنتدب للاقتصاد والمالية، ووزير الدولة للعمل والشؤون الاجتماعية، ورئيس معهد العالم العربي في باريس، إضافة إلى مجموعة من رجال الأعمال الفرنسيين. ويكشف تكوين الوفد عن أن باريس لم تنظر إلى الزيارة باعتبارها مناسبة سياسية بروتوكولية فحسب، بل أرادتها مدخلاً لتوسيع حضورها الاقتصادي والتجاري والعلمي في سوريا.
استقبال الأبطال
ووصفت البعثة البريطانية الاستقبال الذي حظي به الرئيس الفرنسي بأنه استقبال "بطل"، إذ استقبلته حشود ترفع الأعلام في المطار، واصطفت الجماهير على امتداد الطريق المؤدي إلى دمشق. ويعكس هذا المشهد، وفقاً للسياق الذي رسمته الوثيقة، ما كانت تتمتع به فرنسا من مكانة سياسية وثقافية لدى السوريين، ويدل على رغبة دمشق في إظهار الزيارة بوصفها حدثاً استثنائياً يكرس عودة الدور الأوروبي إلى المنطقة.
وخلال الزيارة، أُعلن عن التوصل إلى اتفاق يتعلق بإعادة سداد الديون السورية المستحقة لفرنسا. ووقعت مذكرات تفاهم للتعاون في مجالات التعليم العالي والتكنولوجيا والبحث العلمي، إلى جانب مشروعات مشتركة في البحث والتطوير. وتبين من الوثيقة أن هذه التفاهمات لم تكن منفصلة عن المسار السياسي للزيارة، بل شكلت جزءاً من محاولة فرنسية لبناء علاقة مؤسسية طويلة الأمد مع سوريا، تجمع بين التعاون الأكاديمي والتقني والمصالح التجارية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي تصريحاته العلنية، شدد شيراك على أن فرنسا وأوروبا ينبغي أن تضطلعا بدور في الشرق الأوسط لا يقتصر على إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراعات. وقال إن أوروبا لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي أمام عملية السلام، وإن الحاجة إلى تحقيق قدر من التوازن في البحث عن التسوية تبرر حضوراً فرنسياً وأوروبياً داخل العملية التفاوضية.
وورد في البرقية أن الرئيس الفرنسي ربط إمكان تحقيق السلام باحترام الاتفاقات السابقة، مؤكداً أن التسوية ينبغي أن تستند إلى مبادئ الأرض مقابل السلام، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحقها في الأمن. ومع ذلك، امتنع عن توجيه انتقادات مباشرة إلى العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، وأقر بأن التدخل الأميركي أسهم في تحقيق تقدم خلال السنوات السابقة، لكنه أضاف أن ذلك لا يلغي ضرورة اضطلاع أوروبا بدور أكبر، من دون أن يعني هذا الطرح انتقاصاً من الدور الأميركي.
ومن خلال هذه المواقف، حاول شيراك تقديم فرنسا كقوة تسعى إلى استكمال الجهود الأميركية لا منافستها بصورة معلنة. غير أن تأكيده المتكرر على ضرورة التوازن وعلى عدم ترك ملف السلام في يد طرف دولي واحد كان يعكس رغبة فرنسية واضحة في استعادة موقع سياسي أكثر تأثيراً في المنطقة.
أما في الشق الثنائي، فقد أعلن شيراك رغبة فرنسا في توثيق علاقاتها مع سوريا، وخصوصاً في المجالين الاقتصادي والتجاري، ودعا إلى توسيع الشراكة الأوروبية – المتوسطية. وتكشف هذه الإشارة أن باريس كانت تنظر إلى عملية برشلونة بوصفها أداة اقتصادية وسياسية تسمح بدمج سوريا تدريجاً في شبكة من العلاقات الأوروبية، من دون أن يكون ذلك مشروطاً علناً بتحقيق تقدم فوري في المفاوضات مع إسرائيل.
في شأن لبنان
وفي المقابل، تضمنت المحادثات نقاشاً مطولاً في شأن لبنان. فقد أوضح الرئيس السوري حافظ الأسد أن جزءاً كبيراً من اجتماعاته مع شيراك خُصص لهذا الملف، وقدم تبريراً مفصلاً لاستمرار الدور السوري في لبنان. أما الرئيس الفرنسي فأكد أن مبدأ الأرض مقابل السلام ينبغي أن يطبق على الساحة اللبنانية أيضاً، وأن يستعيد لبنان سيطرته الكاملة على أراضيه تنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم 425.
وتشير الوثيقة إلى أن السفارة البريطانية كانت تعتزم إرسال تقييم مستقل للزيارة في برقية لاحقة، مما يدل على أن الدبلوماسيين البريطانيين نظروا إلى الحدث باعتباره تحولاً مهماً في العلاقات الفرنسية – السورية، وليس مجرد زيارة رئاسية عابرة.
ولم ينتهِ الاهتمام البريطاني بنتائج الزيارة عند حدود المواقف السياسية، إذ تابعت السفارة في دمشق ملف الديون السورية بصورة مباشرة. ففي اجتماع لرؤساء بعثات دول الاتحاد الأوروبي عُقد في الـ23 من أكتوبر 1996، سأل السفير البريطاني نظراءه عما إذا كانت حكوماتهم قد أعادت جدولة الديون السورية خلال السنوات السابقة.
وذكرت البعثة البريطانية أن الممثل الإسباني تحدث عن اتفاق جرى خلال عامي 1991– 1992، باعت الدولة الإسبانية بموجبه ديونها إلى مصارف خاصة، على أساس أن تسترد هذه المصارف الأموال لاحقاً وفق معدلات لم تكن محددة في النقاش. أما الممثل البلجيكي فقال إن بلاده توصلت في عام 1994 إلى اتفاق لإعادة الجدولة، تضمن إعفاءً من جزء من أصل الدين أو الفوائد.
وأفاد الممثل السويدي بأنه لا يمتلك معلومات تفصيلية، لكنه يعتقد أن بلاده أعادت جدولة الديون السورية في عام 1993. وفي الوقت نفسه، أشار الممثل الألماني إلى استمرار الخلاف في شأن الديون المستحقة لألمانيا الشرقية السابقة، إذ كانت وزارة المالية الألمانية ترى ضرورة معاملتها بالطريقة نفسها التي تعامل بها ديون ألمانيا الغربية، بينما اعتبر السوريون أن تلك الديون كانت سياسية، وأنها ترتبت على عقود لم تنفذ ألمانيا الشرقية كثيراً منها.
وتضمنت المناقشات أيضاً تقييماً لطريقة تعامل اليابان والولايات المتحدة مع الديون السورية. فقد رأى المشاركون أن اليابان أعادت الجدولة عملياً من خلال استمرار تقديم مساعدات سخية، في حين لم تكن واشنطن تضغط من أجل تسديد الديون، بل كانت تسمح بتراكم الفوائد وتكتفي بإطلاع السوريين على قيمتها. ووصف أحد المشاركين هذا النموذج بأنه من نوع الدائنين الذين يفضل السوريون التعامل معهم.
غير أن الدبلوماسيين الأوروبيين اتفقوا على عدم وجود أي تقدم في معالجة الديون المستحقة إلى البنك الدولي للإنشاء والتعمير. وأثار ذلك تساؤلاً أساسياً حول ما إذا كانت هذه المتأخرات ستشكل حاجزاً لا يمكن تجاوزه أمام استئناف إقراض سوريا من جانب بنك الاستثمار الأوروبي في إطار عملية برشلونة.
وهكذا توضح الوثائق أن زيارة شيراك لم تكن منفصلة عن ملف الديون، بل شكلت نموذجاً لمحاولة دولة أوروبية التقدم بصورة ثنائية في علاقتها مع دمشق، في وقت كانت المؤسسات الأوروبية الأخرى لا تزال مقيدة بمشكلة المتأخرات السورية. وتكشف أن لندن كانت تراقب التجربة الفرنسية، وتحاول معرفة ما إذا كان يمكن الاستفادة منها في إعادة صياغة علاقتها المالية مع سوريا من دون التخلي عن شروط الانضباط المالي.
تحديث وإصلاح
إلى جانب التحركات الفرنسية لتوسيع التعاون مع دمشق، تضمنت الوثائق البريطانية برنامجاً أعده وفد المفوضية الأوروبية لدى الجمهورية العربية السورية في أغسطس (آب) 1996 لدعم قطاع الاتصالات، وهو البرنامج الذي يقدم نموذجاً عملياً لكيفية استخدام الاتحاد الأوروبي مساعداته لتشجيع تحديث مؤسسات الدولة السورية وإصلاح قطاعاتها الاقتصادية.
وتوضح وثيقة المفوضية أن خدمات الاتصالات في سوريا كانت تدار من قبل مؤسسة الاتصالات السورية (STE)، وهي شركة مملوكة للدولة تتمتع بشخصية قانونية مستقلة ومسؤولية مالية خاصة. وعلى رغم الجهود والاستثمارات الكبيرة التي نُفذت، ولا سيما في إطار الخطة الخمسية السابعة التي غطت الأعوام 1991–1995، فإن المؤسسة لم تكن تقدم مستوى الخدمات الذي تحتاج إليه الحكومة السورية في مساعيها إلى تحديث الاقتصاد.
وتسجل الوثيقة سلسلة طويلة من أوجه القصور داخل القطاع، في مقدمتها ضعف أنظمة إصدار الفواتير وتحصيل الرسوم، وعدم كفاية خطوط المشتركين، وتراجع كفاءة تشغيل الشبكات وصيانتها، وضعف الإجراءات الوقائية والتصحيحية، وعدم قدرة الأنظمة التشغيلية القائمة على تلبية المتطلبات الحديثة.
ولفتت المفوضية إلى ضعف خدمات الاتصالات في المناطق الريفية، والحاجة إلى تطوير إجراءات التدريب، وتحديث أنظمة التمويل والمحاسبة، وإعادة النظر في التعرفة المطبقة على الخدمات. وبذلك، لم تكن المشكلة محصورة في نقص التجهيزات التقنية، بل امتدت إلى بنية الإدارة وآليات الرقابة المالية وتأهيل الكوادر.
ولمعالجة هذه الاختلالات، خصص الاتحاد الأوروبي منحة تبلغ 10 ملايين وحدة نقدية أوروبية (ECU) ضمن برنامج MEDA، على أن يمتد تنفيذ برنامج دعم قطاع الاتصالات مدة ثلاث سنوات. وكان الهدف المعلن مساعدة الحكومة السورية في تنفيذ سياستها الخاصة بالتنمية الاقتصادية من خلال تعزيز قدرة مؤسسة الاتصالات على تطوير القطاع.
وتضمنت الخطة رفع القدرات المؤسسية للمؤسسة وتحسين أدائها العام، بما يمكنها من إدارة التغيرات المرتبطة بالنمو السريع للقطاع والتطور التكنولوجي. واستهدفت مراجعة مفاهيم الإدارة، وتبسيط الإجراءات المالية والإدارية، ووضع برامج تدريب مستدامة لتحسين مهارات الموظفين، وإعداد مبادئ توجيهية وخطط بعيدة المدى لتطوير القطاع.
مكونات المشروع
وتقدم الوثيقة تفاصيل عملية عن مكونات المشروع، إذ كان من المقرر تحسين نوعية الخدمات المقدمة إلى المشتركين، ورفع المعايير التقنية إلى المستوى الدولي، وإعادة تنظيم أنظمة التشغيل والصيانة الخاصة بشبكات الكابلات المحلية للوصول إلى درجات أعلى من الكفاءة.
وشمل المشروع أيضاً إدخال إجراءات مالية وفنية متقدمة لمراقبة العمليات والسيطرة عليها، وزيادة قدرة المؤسسة السورية على استيعاب الاستثمارات والشراكات الدولية. ويكشف هذا الهدف أن المفوضية لم تكن تسعى فقط إلى إصلاح الخدمات القائمة، بل أرادت تهيئة المؤسسة للانفتاح مستقبلاً على المستثمرين والتكنولوجيا والخبرات الأجنبية.
ولتحقيق النتائج المتوقعة، تقرر تنفيذ أنشطة في المجالات التقنية والمالية والإدارية، وتقديم مساعدة فنية للإدارة العليا في مؤسسة الاتصالات، وتوزيع الخبرات على الأنشطة الرئيسة. وجعل البرنامج تنمية الموارد البشرية عنصراً مركزياً، عبر إعادة هيكلة مراكز التدريب القائمة وتزويدها بالمختبرات والمعدات اللازمة.
وكان تنفيذ المشروع يتطلب توفير أجهزة ومستلزمات متعددة، شملت الحواسيب والبرمجيات وأجهزة الاختبار ومختبرات التدريب. وتولت مؤسسة الاتصالات السورية مسؤولية التنفيذ تحت إشراف وزارة الاتصالات، مع التزامها توفير موظفين سوريين للعمل إلى جانب الخبراء والمشروعات المختلفة.
وتوضح وثيقة مؤرخة في الثالث من يوليو (تموز) 1996، أن بريطانيا لم تعتبر مخصصات برنامج MEDA لسوريا مساعدات مالية منفصلة عن الاعتبارات السياسية. فقد أشار الدبلوماسي آر. إن. بي. ماكير إلى غموض يحيط بمبلغ إضافي قدره 65 مليون وحدة نقدية أوروبية، مرجحاً أن يكون صرفه مرتبطاً، بصورة غير معلنة، بالتقدم نحو اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وبالتطورات في مسار السلام مع إسرائيل.
وأثار ماكير مخاوف من أن يؤدي تسرب هذه الأرقام إلى اعتبار دمشق المبلغ تعهداً أوروبياً ثابتاً، واقترح توضيح شروط الحصول عليه داخل البرنامج الإرشادي. وحذر من احتمال مطالبة سوريا بهذه الأموال لاحقاً إذا لم تُنفذ الإصلاحات المطلوبة.
وتكشف الوثائق بذلك عن سياسة أوروبية جمعت بين تقديم الدعم الاقتصادي والفني من جهة، واستخدام المساعدات كحافز للإصلاح والانخراط السياسي من جهة أخرى. وفي المقابل، ظلت الديون السورية المتأخرة عائقاً أمام توسيع التمويل الأوروبي، ولا سيما قروض بنك الاستثمار الأوروبي. وهكذا اتسمت العلاقة الأوروبية – السورية بمزيج من الانفتاح السياسي والاقتصادي، والحذر المرتبط بالإصلاح والديون والتطورات الإقليمية.