Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الموافقة الخطية" تفتح ملف التدخل الإيراني في العراق

أصدرت الحكومة قراراً حظرت فيه وبصورة نهائية ما أطلقت عليه "التنسيق المنفرد" لزيارة أي مسؤول له صفة عسكرية وأمنية

يعد هذا التعميم السري الثاني من نوعه خلال شهرين ويشمل أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية (أ ف ب)

ملخص

صدور مذكرة سرية تمنع زيارة أي مسؤول إيراني له صفة عسكرية وأمنية أياً كانت أسباب الزيارة، في تعميم يشمل أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية.

لا يمكن فصل ملف حصر السلاح بيد الدولة الذي اقترب موعد تحقيقه في الـ30 من سبتمبر (أيلول) الجاري عن التأثيرات التي تمارسها إيران على الحكومة العراقية، والضغط من أجل جعل ملف حصر السلاح لا يتعارض مع وجود وقوة الفصائل الموالية لطهران.

وعلى رغم تأكيد الحكومة العراقية أن قرار تسليم السلاح قرار وطني داخلي، فإنه لا يمكن نفي الضغوط الإيرانية، فبعد منح رئيس الوزراء صلاحية كاملة في كيفية التعامل مع آلية حصر السلاح بيد الدولة، بعد نهاية المهلة المحددة أواخر شهر سبتمبر الجاري كموعد لانسحاب من تبقى من الجنود الأميركيين من العراق، أعلن عدد من الفصائل المسلحة وفي مقدمها "كتائب حزب الله" و"النجباء" عدم الاعتراف بموعد تسليم السلاح، كونه "سلاحاً عقائدياً مرتبطاً بمحور المقاومة الذي تقوده إيران"، وانضم المالكي إلى هذا الرأي، وأعلن ضمن تصريحات تلفزيونية أنه "لا تسليم للسلاح بعد نهاية مهلة الـ30 من الشهر الجاري"، وقال إن "مفردة النزع غير مستخدمة، لأن الطرف الآخر يصبح عنوانه منزوع السلاح، وهذا له أثر نفسي وعملي، لذلك الأفضل استخدام مفردة تنظيم واحتواء السلاح".

مع كل زيارة مسؤول إيراني لبغداد تتبدل نبرة الخطاب الحكومي العراقي حيال ملف سلاح الفصائل، فتتراجع عبارة "نزع السلاح" تدريجاً لتحل محلها مفردة "تنظيم السلاح".

ويأتي ذلك في وقت أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، لإحدى الصحف الرسمية، "أن الحكومة العراقية حريصة على تنظيم ملف السلاح كونه ملفاً سيادياً".

إلى ذلك أوضح المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي في إجابته عن سؤال حول قوة الفصائل التي تعلو الدولة، قائلاً "إن الدولة العراقية هي من تمتلك سلطة القانون وهي التي تتحكم وتدير شؤون الناس، وستكتمل مقومات سيادة الدولة بعد الـ30 من سبتمبر الجاري، ولن يكون هناك أي فرد أو جهة قادرة على الادعاء بأنها تتفوق في قوتها على الدولة".

الموافقة الخطية لزيارة أي مسؤول إيراني

بعدما كانت القيادات السياسية والأمنية الإيرانية تتنقل بحرية في العراق وتجري لقاءات مع سياسيين وقادة فصائل، أصدرت الحكومة العراقية، وبحسب تصريحات صحافية، قراراً حظرت فيه وبصورة نهائية ما أطلقت عليه "التنسيق المنفرد" لزيارة أي مسؤول إيراني له صفة عسكرية وأمنية أياً كانت أسباب الزيارة.

ويعد هذا التعميم السري، الصادر بموجب مذكرة، الثاني من نوعه خلال شهرين، ويشمل أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية، التي باتت مشمولة بأحكامه ولم تعد بمنأى عن تبعات هذا التعميم.

إذ تقول المصادر إن زيارة أي مسؤول إيراني تستلزم "الموافقة الخطية" من رئيس الحكومة العراقي في حال الحاجة إليها، أو تستهدف التنسيق الأمني أو الاقتصادي. تجديد التعميم السري الذي سبق أن أصدرته الحكومة العراقية في يوليو (تموز) الماضي، جاء بعد تعميم سابق، إلا أنه سرعان ما خرق على يد الجنرال الإيراني إسماعيل قاآني قائد قوة فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي ظهر في مطار النجف العراقي لتأمين وصول جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي الذي شُيع في العراق، قبل أن يعود قاآني نفسه الشهر الماضي لإطلاق ما بدا أنها تهديدات لفصائل موالية لإيران لنزع سلاحها.

ووفق التعميم الجديد، فإن زيارات المسؤولين الإيرانيين الذين لديهم خلفيات أمنية أو عسكرية لن تكون مسموحة إطلاقاً، وطالب الزيدي وفق المذكرة بأن يكون مجلس الوزراء ساحة لأي نقاش في شأن طلبات زيارات قادة إيرانيين إلى العراق، وأن يطاول النقاش أيضاً "شكل الزيارة وأهميتها" و"عائدها السياسي والاقتصادي على العراق". وبعد موافقة الحكومة العراقية على زيارة مسؤول إيراني ما، "يبلغ عبر القنوات السياسية والدبلوماسية بتفادي التدخل في أي شأن عراقي، أو الإساءة إلى أي دولة مجاورة للعراق، وعدم إقحام العراق في أي ملف إقليمي أو دولي".

سرية المذكرة

يتساءل الباحث والصحافي رعد هاشم كيف أن المذكرة التي وصفت بـ"السرية" تنشر على إحدى صفحات المواقع، ولماذا لم يجر تعميمها؟ ويرى هاشم أن هذا يدل على أن هناك مبعوثين إيرانيين غير رسميين وضباطاً من الحرس الثوري يدخلون العراق من دون علم الدولة العراقية.

وأوضح هاشم أن المذكرة الأخيرة تأتي في إطار توجه عراقي متدرج لتقييد دخول المسؤولين الإيرانيين، لافتاً إلى أنها تمثل "الخطوة الثانية" في هذا المسار، بعدما جرى تطبيق التعميم الأول تمهيداً للانتقال إلى الإجراءات الجديدة.

واستبعد أن تصل بغداد إلى حد القطيعة مع طهران من دون ضغوط أميركية مباشرة، مشيراً إلى أن القوى السياسية العراقية تتحدث عن رغبتها في الحفاظ على علاقات متوازنة ومحايدة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، إلا أن الممارسة السياسية، بحسب رأيه، تكشف استمرار ميل جزء كبير من الطبقة السياسية نحو طهران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ورأى أن احتمال حدوث قطيعة تدريجية مع إيران قد يصبح أكثر واقعية بعد الـ30 من سبتمبر الجاري، في حال اتسعت الضغوط الاقتصادية لتشمل المنافذ البرية مع دول الجوار وتمتد إلى المجال الجوي، مما قد يدفع بغداد إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات.

وبحسب هاشم، فإن السياسة العراقية تجاه إيران تتأثر بدرجة كبيرة بمستوى الضغوط الأميركية وتطورات المنطقة، لافتاً إلى أن ملف السلاح يشهد بدوره تحولاً في الخطاب الرسمي، إذ عادت الحكومة إلى الحديث عن "حصر السلاح" بعدما كانت تستخدم تعبير "تنظيم السلاح"، في ما يعكس، وفق تقديره، تأثيراً واضحاً للضغط الأميركي.

وتوقع هاشم أن يمر ملف نزع السلاح خلال الأشهر المقبلة بمراحل من التقدم والتراجع، قبل الوصول إلى صيغة توافقية مع نهاية العام. ورجح أن تبدأ العملية بالأسلحة الأكثر ثقلاً وخطورة، وفي مقدمها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، على أن تمتد لاحقاً إلى بقية أنواع الأسلحة.

تسريب المذكرة قد يكون مقصوداً

إلى ذلك ترى هبة عبدالوهاب، الباحثة المتخصصة في القضايا الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط، أن تسريب خبر المذكرة إلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مقصود لإظهار أن الحكومة العراقية اتخذت خطوة باتجاه إعادة ضبط علاقتها مع إيران أو الحد من تدخلها، وقالت "لا أعتقد أن هذه الصورة تعكس حقيقة الوضع، حتى وإن وجدت المذكرة، فمن المحتمل أن تكون جزءاً من تفاهم غير معلن بين الطرفين، وليس قراراً عراقياً أحادياً ضد طهران".

القرار هو إيراني

لا يخفي الباحث في الشأن السياسي يحيى الكبيسي شكوكه من وجود مذكرة حكومية عراقية تلزم الموافقة الخطية من رئيس الوزراء علي الزيدي لزيارة أي مسؤول إيراني، ويرى أن "الحكومة العراقية لا تملك الإرادة ولا القدرة على إصدار مذكرة مثل هذه"، فـ"’الإطار التنسيقي‘ الذي يحتكر قرار الحكومة وقرار الدولة العراقية بالكامل، لن يسمح بهكذا مذكرة، بسبب سيطرة إيران المطلقة على قراره". ومن ثم، بحسب الكبيسي "لن يكون هناك شيء اسمه تسليم السلاح، فهذه خرافة سوِّقت لخداع الأميركيين ليس أكثر، والقرار ليس بيد الحكومة العراقية، بل قرار إيراني بالمطلق".

تنظيم العلاقة مع إيران

بدوره، يشكك الباحث في "مركز الجزيرة للدراسات" لقاء مكي في إمكانية الجزم بصحة المذكرة المتداولة في شأن منع المسؤولين الإيرانيين من زيارة العراق، لكنه يرى أن وجودها أو عدمه لا يلغي وجود توجه عراقي نحو إعادة تنظيم العلاقة مع طهران ووضعها ضمن أطر أكثر وضوحاً.

ويستبعد مكي في الوقت ذاته إمكانية ذهاب بغداد إلى قطيعة مع إيران، قائلاً إن "أي حكومة عراقية لن تُقدم على قطع العلاقات مع إيران"، كونها دولة جارة ذات نفوذ واسع داخل العراق، ولها حلفاء وشركاء في الأوساط السياسية والأمنية. لكنه يلفت إلى أن هناك، في المقابل، إدراكاً متزايداً بضرورة إعادة ضبط هذه العلاقة، والحد من مستوى اندماجها وتدخلها، بما يحول دون تحول النفوذ الإيراني إلى واقع يجعل العراق يبدو وكأنه جزء من المجال الإيراني.

ومع تشابك العلاقات الاقتصادية والمالية بين البلدين، إلى جانب الروابط العسكرية والأمنية، يرى مكي أن رئيس الوزراء علي الزيدي لا يستطيع تجاهل المطالب الأميركية، نظراً إلى ما قد تترتب عليها من تداعيات مالية خطرة على العراق، في وقت لا ترغب أي حكومة عراقية في مواجهة أزمة من هذا النوع.

ويرى أن تنظيم العلاقة مع إيران بدلاً من قطعها قد يكون الخيار الأكثر واقعية، خصوصاً إذا جرى تحويلها إلى علاقة رسمية تخضع لضوابط واضحة، بما قد يخفف من الهواجس الأميركية. ويشير إلى أن الولايات المتحدة لا تطالب العراق بقطع علاقاته مع إيران، وإنما ترفض "التدخل الإيراني عبر الميليشيات، إلى جانب الوجود الأمني والبيروقراطي".

ويختم مكي "النفوذ الإيراني في العراق أوسع من مجرد زيارات المسؤولين الإيرانيين ولقائهم قادة الفصائل المسلحة بعيداً من علم الحكومة، إذ يرتبط أيضاً بحجم وطبيعة الوجود الإيراني على الأرض". ويرى أن "الاختبار الحقيقي" لمسار العلاقة بين بغداد وطهران سيظهر بعد الـ30 من سبتمبر الجاري.

إيران لا ترغب في خسارة العراق

لم يصدر بيان رسمي عن الحكومة العراقية يؤكد صحة المذكرة من عدمها، وما هو متداول حتى الآن يستند إلى تقارير إعلامية ومعلومات منسوبة إلى مصادر غير معلنة، ولذلك لا يمكن التعامل معه على أنه قرار رسمي، وهذا ما تشير إليه هبة عبدالوهاب الباحثة المتخصصة في القضايا الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط، قائلة "وجود مذكرة لا يعني قطع العلاقات بين العراق وإيران، ولا يشير بالضرورة إلى حدوث تحول جوهري فيها، فالزيارات الرسمية التي تحصل عبر القنوات الحكومية والدبلوماسية يمكن أن تستمر بصورة طبيعية، وقد يكون التغيير، إن وجد، متعلقاً بآليات إدارة العلاقة وطريقة إظهارها، وليس بطبيعتها أو بجوهرها".

وتضيف "إيران حريصة جداً على ألا تخسر العراق، لأنه يمثل أهم معاقل نفوذها في العالم العربي، لذلك تتعامل معه بدقة وحذر شديدين، ليس فقط من خلال علاقتها الرسمية بالحكومة العراقية، وإنما أيضاً عبر القوى السياسية والفصائل والجهات المحلية التي تمثل مصالحها داخل العراق، طهران استطاعت أن تبني شبكة نفوذ واسعة تجعل إدارة مصالحها غير مرتبطة حصرياً بزيارات المسؤولين الإيرانيين إلى بغداد".

تزايد الزيارات

يشير الباحث في شؤون الشرق الأوسط منتظر العطية إلى أن هناك تزايداً للزيارات الميدانية لمسؤولين إيرانيين إلى بغداد خلال الفترة الأخيرة بعد التنسيق بين البلدين، إذ تتركز النقاشات حول ملف تسليم السلاح إلى الدولة وضبطه ضمن المؤسسات الرسمية، مما يعكس إدراكاً متنامياً بضرورة معالجة هذا الملف كجزء أساس من معادلة الاستقرار الداخلي والإقليمي.

العطية يوضح أن هذا الحراك الميداني الجاد يقابله خطاب إعلامي غير رسمي عبر القنوات الفضائية وعلى ألسنة بعض الإعلاميين، ما زال يفتقر إلى موقف حكومي واضح أو رؤية سياسية متماسكة، إذ "يقتصر في جوهره على إطلاق عبارات وشعارات متفرقة لا تحمل مضموناً عملياً، وتظهر غالباً كردود فعل آنية كلما تصاعد الضغط الأميركي على إيران، من دون أن يرتبط بخطة استراتيجية محددة".

العامل الخارجي

العطية يوضح أن العامل الخارجي يبقى حاضراً بقوة، فدور الولايات المتحدة في صياغة التعريفات والمفاهيم المرتبطة بملف السلاح والأمن لا يمكن تجاهله، خصوصاً مع اقتراب شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل الذي قد يشهد تحولات في طبيعة العلاقات الثنائية. ويقول "تبرز الحاجة الملحة إلى إيجاد سبل عملية لتعزيز العلاقات مع واشنطن، سواء عبر تفاهمات سياسية أو رسائل تهدئة موجهة للرأي العام. وفي هذا السياق المعقد، يبرز دور أطراف اعتادت الساحة تدخلها بين فترة وأخرى لإيصال رسائل إعلامية عبر الأثير تهدف إلى تخفيف حدة التنافس بين القوى المتصارعة في المنطقة، في محاولة للحفاظ على التوازن القائم ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة".

هندسة العلاقات من جديد

بالعودة إلى هبة عبدالوهاب، فهي ترى أن إيران تدرك أن تعرض العراق لعقوبات دولية واسعة سيضر بمصالحها لأن العراق يمثل رئة اقتصادية مهمة لها، إلى جانب كونه عمقاً جيوسياسياً أساساً في العالم العربي والشرق الأوسط، "قد تكون طهران مستعدة لتغيير آليات تحرك مسؤوليها وطريقة تواصلها مع حلفائها، أو جعل هذه التحركات أقل ظهوراً، لحماية العراق من العقوبات وحماية مصالحها داخله في الوقت ذاته".

وبحسب هبة "هذا لا يعني أن إيران غيرت سياستها أو تخلت عن نفوذها في العراق، بل ربما أصبحت أكثر حرصاً على حماية هذا النفوذ في ظل الحرب والضغوط الإقليمية والدولية التي تواجهها، إلى جانب التلويح بفرض عقوبات على الجهات العراقية التي تساعدها أو تعمل امتداداً لها، قد يكون التغيير من خلال أسلوب تفعيل العلاقة وإدارتها وإظهارها أمام المجتمع الدولي، وليس جوهر العلاقة بين بغداد وطهران".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات