Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فاروق الشرع للأوروبيين عام 1996: نراهن عليكم

وزير الخارجية السوري تحدث بعد فوز الليكود مطالباً بدور للقارة العجوز موازن للولايات المتحدة ومحذراً من انفجار الشارع العربي

فاروق الشرع طالب الأوروبيين بعد فوز الليكود عام 1996 بدور أوروبي موازن لواشنطن ومحذراً من انفجار الشارع العربي (اندبندنت عربية) 

ملخص

تكشف وثيقة بريطانية أن دمشق كانت تنظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكاً مرغوباً فيه سياسياً، لا بسبب الإيمان الكامل بفاعليته، بل لأنه يمثل ثقلاً محتملاً يحد من الهيمنة الأميركية والإسرائيلية على عملية السلام.

في الـ12 من يونيو (حزيران) 1996، دونت الخارجية البريطانية تفاصيل نقاش جرى خلال مأدبة غداء عقدت في لوكسمبورغ خلال اليوم السابق، وجمعت وزير الخارجية السوري فاروق الشرع بعدد من كبار المسؤولين الأوروبيين. وجاء اللقاء بدعوة من الرئاسة الأوروبية التي كان يمثلها وزير الخارجية الإيطالي لامبرتو ديني، في وقت كانت فيه العواصم الأوروبية تحاول استيعاب التداعيات السياسية لفوز حزب الليكود في الانتخابات الإسرائيلية، وما قد يعنيه ذلك لمستقبل عملية السلام في الشرق الأوسط.

واستهل الشرع مداخلته بتقديم تقييم سوري للتغيرات التي شهدتها إسرائيل عقب الانتخابات، معتبراً أن ما جرى يمثل تحولاً بالغ الخطورة. وأوضح أن سوريا وإسرائيل دولتان متجاورتان خاضتا حروباً متكررة، وأن كل طرف أصبح يمتلك معرفة واسعة بالآخر، غير أن أكثر ما أثار القلق السوري، بحسب تعبيره، هو أن غالبية المتعلمين في إسرائيل بدوا متشددين وغير مستعدين للتسوية.

وفي سياق حديثه عن السياسات الإسرائيلية السابقة، وصف الشرع عملية "عناقيد الغضب" بأنها خطأ فادح ارتكبه رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز، مؤكداً أن هذه لم تكن المرة الأولى التي ترتكب فيها إسرائيل أخطاء من هذا النوع. واستعاد في هذا السياق تطورات لبنان، قائلاً إنه قبل عام 1982 لم يكن هناك "حزب الله"، وإن العمليات الإسرائيلية أسهمت عملياً في نشأته وتعزيز حضوره.

 

ومضى وزير الخارجية السوري في تحليله قائلاً إن مقتل شخص مثل يحيى عياش لا ينهي ظاهرة المقاومة، لأن كل عياش يسقط سيظهر بعده 10 آخرون. وأشار إلى أن بيريز كان يقود حكومة قوية، وكان بإمكانه أن يكون أكثر جرأة في توجيه المجتمع الإسرائيلي نحو السلام، لكنه لم يفعل.

وفي المقابل، رسم الشرع صورة مختلفة للمشهد العربي، موضحاً أن معظم الحكومات العربية كانت تمارس ضغوطاً على شعوبها لدفعها إلى تقبل فكرة السلام، لكنه حذر من أن استمرار هذه الحكومات في زيادة الضغط على الرأي العام قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انفجاره، في إشارة إلى أن السياسات الرسمية العربية تجاوزت في بعض الحالات حدود ما يمكن للمجتمعات تحمله.

وعقب هذه المداخلة، تولى وزير خارجية لوكسمبورغ جاك بوس الرد على الوزير السوري بدعوة من الرئاسة الأوروبية، وأشار إلى ضرورة التمييز بين الخطاب الذي يقال خلال الحملات الانتخابية والواقع السياسي الذي ستضطر الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلى التعامل معه بعد توليها السلطة. وأعرب عن ثقته بأن الحكومة الإسرائيلية ستلتزم الاتفاقات القائمة، على رغم القلق الذي أثارته تصريحات قادة الليكود خلال الانتخابات.

وفي معرض حديثه عن الدور الأوروبي، أكد بوس أن الاتحاد الأوروبي يريد أن يكون له مقعد على طاولة المفاوضات سياسياً واقتصادياً، لا أن يقتصر دوره على تمويل التسويات بعد التوصل إليها. وذهب إلى حد القول إن أوروبا قد تكون مستعدة للمساهمة عسكرياً في ترتيبات المراقبة في هضبة الجولان، إذا تطلب الاتفاق المستقبلي مثل هذا الدور.

 

وأشار إلى أن الدول العربية تبنت بعد الانتخابات الإسرائيلية موقف "الانتظار والترقب"، وسأل الشرع عن الكيفية التي ترى بها سوريا دور الاتحاد الأوروبي عند استئناف عملية السلام.

ورداً على ذلك، قال الشرع إنه يتفق مع كثير مما طرحه بوس، لكنه أقر بأن مسألة المشاركة الأوروبية معقدة. واستعاد تجربة مؤتمر مدريد، موضحاً أن الدول العربية حاولت آنذاك إقناع وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر بضرورة وجود أوروبي فاعل في المؤتمر، لكن هذه المحاولات لم تنجح، ولم يسمح للأوروبيين بالحضور إلا من خلال المفوضية.

وأوضح أن معظم الدول العربية كانت تؤيد دوراً أوروبياً نشطاً، وإن كانت بعض الحكومات العربية أقل حماساً لذلك. ولفت إلى أن دولة أو دولتين مهمتين داخل الاتحاد الأوروبي كانتا تنصحان العرب باستمرار بالتركيز على العمل مع الولايات المتحدة بدلاً من التعويل على أوروبا. ومع ذلك، رأى الشرع أن وضع الاتحاد الأوروبي أصبح أفضل مما كان عليه قبل أربعة أعوام.

وعندما طلب منه السفير البلجيكي فيليب دو شوتيت توضيح مقصده، أشار الشرع إلى أن الدول الأوروبية خلال حرب الخليج اكتفت باتباع الولايات المتحدة، ولم تؤد أي دور قيادي مستقل، ولا سيما داخل مجلس الأمن.

غير أنه استدرك بأن التطورات الأخيرة في لبنان قدمت تجربة مختلفة، أثبتت فيها الدول الأوروبية أنها قادرة على تحقيق حضور مؤثر. ومن وجهة نظره، يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يبني لنفسه دوراً حقيقياً داخل عملية السلام إذا تمكن من تحسين مستوى التنسيق بين دوله ومؤسساته.

وانتقل النقاش بعد ذلك إلى ملف التعاون الإقليمي، إذ أعرب الوزير الإسباني المساعد دي ميغيل عن رغبته في رؤية سوريا أكثر نشاطاً في التعاون الاقتصادي الإقليمي، موضحاً أن هذا الموضوع يحظى بأهمية خاصة لدى الاتحاد الأوروبي.

 

ورد الشرع بأن سوريا تؤمن بضرورة تحقيق السلام أولاً، ثم الانتقال بعد ذلك إلى التعاون الاقتصادي والإقليمي، مشيراً إلى أن بعض أصدقاء سوريا العرب بدأوا يندمون على مشاركتهم في المسار المتعدد الأطراف.

ولتوضيح هذه النقطة، ذكر أن وزير الخارجية القطري أبلغه في الأسبوع السابق بأن الدوحة لن تظل ملتزمة التطبيع إذا شهدت عملية السلام تراجعاً جديداً. وهنا اعترض الشرع على وصف الوزير الإسباني لسوريا بأنها دولة معزولة، مؤكداً أن هذا التوصيف لا يعكس الواقع.

وضرب مثالاً بالأردن، قائلاً إن الشعب الأردني يدعم النهج الذي تتبعه سوريا، لا النهج الذي يتبعه الملك حسين. وأضاف أن جميع الدول العربية، من المغرب إلى العراق، ترغب في إقامة علاقات وثيقة جداً مع سوريا، لكن حكوماتها ضعيفة إلى درجة تجعلها عاجزة عن اتخاذ قرارات مستقلة.

وفي مرحلة لاحقة من النقاش، سأل المسؤول الألماني هوير عن طبيعة الضمانات الأمنية التي يمكن أن تتوقعها إسرائيل بعد مرور أعوام عدة على التوصل إلى اتفاق سلام.

فأجاب الشرع بأن المساواة يجب أن تكون المبدأ الحاكم لأي ترتيبات أمنية، وأن سوريا تفضل الحديث عن أمن المنطقة بأكملها، لا عن أمن إسرائيل وحدها. وشدد على أن إسرائيل لا يمكنها أن تتوقع الاحتفاظ بموقع مهيمن لمجرد أنها الدولة الأقوى عسكرياً في المنطقة.

وأعرب عن أمله في أن ينجح الأوروبيون في تطوير تصور شامل للأمن الإقليمي، وخص ألمانيا بالذكر، قائلاً إن عليها أن تسهم في هذا التصور لأنها عانت كثيراً في تاريخها، وتسببت في معاناة الآخرين.

وفي معرض تفسيره للشكوك السورية إزاء الخطاب الأمني الإسرائيلي، استعاد الشرع تجربة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، موضحاً أن إسرائيل قالت عند دخولها الأراضي اللبنانية إنها ستنسحب بعد تحقيق أهدافها الأمنية، لكنها، بحسب قوله، حققت تلك الأهداف ولم تنسحب، وهو ما عزز لدى السوريين الاعتقاد بأن المخاوف الأمنية الإسرائيلية تستخدم أحياناً ذريعة لإخفاء نزعات توسعية.

وعاد رئيس الجلسة لامبرتو ديني ليتناول مسألة النفوذ الأميركي، موضحاً أن دول الشرق الأوسط تلجأ إلى الولايات المتحدة ليس بالضرورة بسبب تفوق دبلوماسييها على الأوروبيين، وهو ما قال إنه سيرفضه، بل لأن كلام واشنطن مدعوم بقوة عسكرية كبيرة.

وأوضح أن الولايات المتحدة ترتبط في نظر العرب ارتباطاً وثيقاً بإسرائيل، في حين أن أوروبا في موقع أفضل لبناء علاقات قائمة على الثقة مع العالم العربي، لكنه شدد على أن الاتحاد الأوروبي يريد تطوير هذه الثقة من دون الإضرار بعلاقاته الجيدة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبين ديني أن أوروبا تمتلك الإمكانات الاقتصادية والفنية التي تؤهلها لضمان أي تسوية مستقبلية، ثم طرح السؤال المركزي: كيف يمكن الجمع بين الجهود الأوروبية والأميركية من دون تنافس أو ازدواجية؟

ورد الشرع بأن إسرائيل تمارس نفوذاً مفرطاً داخل الولايات المتحدة، وأن الإسرائيليين يملون مواقفهم على الأميركيين، ثم يحاول الأميركيون بدورهم فرضها على العالم العربي.

ومع ذلك، لم يرفض دوراً أميركياً – أوروبياً مشتركاً، بل قال إن أوروبا تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً إلى جانب الولايات المتحدة، وأكد أن مفهوم السلام والأمن للجميع يمكن قبوله، أما الهيمنة فلا يمكن قبولها بأي شكل.

وفي تعليق ختامي اتسم بنبرة ساخرة، سجل معد الوثيقة البريطانية بي جي أس وول أنه لاحظ ارتفاع بعض الحواجب حول الطاولة عندما تحدث ديني بحماسة عن "المصير الأوروبي – الشرق أوسطي". وأضاف أن فيليب دو شوتيت همس له قائلاً إن الوقت قد حان ليتدخل بموضوع "احتياط لحوم الأبقار"، في إشارة ساخرة إلى الرغبة في إعادة النقاش إلى قضية أوروبية عملية بعد اندفاع ديني في الحديث عن الدور التاريخي لأوروبا.

واختتم المسؤول البريطاني تقييمه بالقول إن انطباعه العام عن مداخلات فاروق الشرع هو أن الوزير السوري كان يرغب في رؤية أوروبا قوة موازنة للولايات المتحدة، لكنه لم يكن يملك ثقة كبيرة بقدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل هذا الطموح إلى تأثير فعلي.

وبذلك تكشف الوثيقة أن دمشق كانت تنظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكاً مرغوباً فيه سياسياً، لا بسبب الإيمان الكامل بفاعليته، بل لأنه يمثل ثقلاً محتملاً يحد من الهيمنة الأميركية والإسرائيلية على عملية السلام. وفي المقابل، كان الأوروبيون يسعون إلى ترجمة قوتهم الاقتصادية إلى دور سياسي وأمني أوسع، مع استمرار الشكوك حول قدرتهم على العمل بصورة موحدة ومستقلة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير