Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فاروق الشرع في لندن عام 1996: تقييمان متناقضان لنتنياهو

تقدم الوثائق رؤية بريطانية لطبيعة العلاقات مع سوريا عقب وصول زعيم ليكود الجديد إلى السلطة ومساع أوروبية لتطوير شراكتها مع دمشق ضمن مسار برشلونة

فاروق الشرع أكد استعداد سوريا لصنع السلام دون تقديم تنازلات (اندبدنت عربية)

ملخص

أوصت لندن بأن يستغل ريفكيند اجتماعه مع فاروق الشرع لتأكيد استمرار اهتمام الاتحاد الأوروبي بإتمام الاتفاق، مع تجنب إعطاء الانطباع بأن المفاوضات مرتبطة مباشرة بمسار السلام العربي– الإسرائيلي، على رغم إدراك الدبلوماسيين البريطانيين أن التقدم السياسي سيؤثر بصورة غير مباشرة في وتيرة التعاون الاقتصادي.

تكشف مجموعة وثائق دبلوماسية بريطانية أصلية محفوظة ضمن سجلات وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية، وتعود إلى الفترة الممتدة بين 21 نوفمبر (تشرين الثاني) و13 ديسمبر (كانون الأول) عام 1996، كواليس زيارة وزير الخارجية السوري السابق فاروق الشرع إلى لندن.

تضم هذه الوثائق برقيات متبادلة داخل إطار التعاون السياسي الأوروبي (COREU)، ومذكرات إحاطة أعدتها وزارة الخارجية البريطانية قبيل زيارة الشرع إلى لندن يومي 26 و27 نوفمبر 1996، إضافة إلى تقييمات بريطانية لاجتماعاته مع وزير الخارجية مالكوم ريفكيند، ووثائق تتناول المفاوضات السورية - الإسرائيلية، والعلاقات بين سوريا والاتحاد الأوروبي، والتحضيرات لمؤتمر الاستثمار الأورومتوسطي الذي استضافته لندن. كذلك تتضمن الوثائق مراسلات حول موقف الاتحاد الأوروبي من قضية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والخلاف مع الحكومة السورية في شأن أسعار الصرف التفضيلية.

وتقدم هذه الوثائق رؤية بريطانية داخلية لطبيعة العلاقات مع دمشق في أواخر عام 1996، في مرحلة اتسمت بتراجع عملية السلام العربية - الإسرائيلية عقب وصول حكومة بنيامين نتنياهو إلى السلطة، وفي الوقت الذي كان الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تطوير شراكته مع سوريا ضمن مسار برشلونة، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم الإضرار بعملية السلام في الشرق الأوسط.

 

وتكشف الوثائق أن لندن كانت تنظر إلى الحوار مع دمشق بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إبقاء سوريا منخرطة في الأطر الأوروبية، وتشجيعها على الإصلاح الاقتصادي، وتهيئة الظروف للتوصل إلى اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي.

وأكدت الوثائق أن زيارة فاروق الشرع إلى المملكة المتحدة يومي 26 و27 نوفمبر 1996 شكلت محطة مهمة في العلاقات الثنائية، إذ عقد اجتماعات ومأدبة عمل مع وزير الخارجية البريطاني مالكوم ريفكيند. وأشارت الوثائق إلى أن ريفكيند استعرض خلال اللقاء انطباعاته عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واصفاً إياه بأنه "سياسي متشدد لكنه قادر على البراغماتية، وليس أيديولوجياً جامداً"، في محاولة لإقناع الجانب السوري بأن الحكومة الإسرائيلية الجديدة لا تزال تمتلك هامشاً لاستئناف المفاوضات. غير أن فاروق الشرع رفض هذا التقييم، مؤكداً أنه لا يعتقد أن عملية السلام تحتل مكانة حقيقية على جدول أعمال حكومة نتنياهو، وأن الحكومة الإسرائيلية الجديدة لم تغيّر سياساتها منذ فوزها في الانتخابات، بل تسعى إلى الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأراضي المحتلة.

 

ولفتت الوثائق إلى أن النقاش انتقل بعد ذلك إلى المسار السوري– الإسرائيلي، إذ شدد الشرع على أن التفاهمات السرية التي جرى التوصل إليها برعاية الولايات المتحدة عام 1994 تضمنت التزاماً إسرائيلياً بالانسحاب من هضبة الجولان حتى خط الرابع من يونيو (حزيران) عام 1967. وأوضح أن هذه التفاهمات كانت مدونة في محاضر مكتوبة ومحفوظة لدى سوريا وإسرائيل والولايات المتحدة، وإن كانت غير موقعة رسمياً.

وفي المقابل، سأل ريفكيند عما إذا كان بالإمكان التوصل إلى صيغة سياسية جديدة لتقريب وجهات النظر بين دمشق وتل أبيب، خصوصاً بعدما أعلن نتنياهو استعداده لاستئناف المفاوضات على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338. إلا أن الشرع أجاب بأن ذلك غير كافٍ، مؤكداً أن سوريا مستعدة لإظهار "قدر كبير من الشجاعة من أجل السلام، لكنها ليست مستعدة لتقديم تنازلات". كذلك أبدى موافقته على مقارنة نتنياهو نفسه بمناحيم بيغن بدلاً من إسحاق شامير، من دون أن يرى في ذلك مؤشراً على تغيير حقيقي في الموقف الإسرائيلي.

وكشفت الوثائق أن الجانبين ناقشا أيضاً العلاقات الثنائية البريطانية - السورية، إذ اتفق ريفكيند والشرع على أنها تشهد أوضاعاً جيدة نسبياً، كذلك استعرض وزير الخارجية البريطاني الأفكار الأولية التي كانت لندن تعمل عليها لإنشاء منظمة للتعاون في الشرق الأوسط، موضحاً أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، وأنه لن يكون بديلاً عن عملية السلام أو عن المؤسسات الإقليمية القائمة، بل إطاراً مكملاً لها. كذلك أطلع ريفكيند ضيفه السوري على التحضيرات الخاصة بمؤتمر الاستثمار الأورومتوسطي المقرر عقده في لندن خلال مارس (آذار) 1997، وحث الحكومة السورية على المشاركة فيه، مشيراً إلى أن الشرع أبدى استعداداً أولياً للتجاوب مع هذه الدعوة.

 

وأضافت الوثائق أن وزارة الخارجية البريطانية أعدت قبل الزيارة مذكرة تفصيلية بعنوان "نقاط للحديث" تضمنت التوجيهات التي ينبغي أن يستخدمها ريفكيند أثناء لقائه مع الشرع. وأكدت المذكرة أهمية تشجيع سوريا على المضي قدماً في مفاوضات اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن هذه الاتفاقية ستسهم في تعزيز العلاقات السورية - الأوروبية، كذلك ستشكل ركناً مهماً في مشروع الشراكة الأورومتوسطية الذي أطلقه مؤتمر برشلونة. وأيضاً أوصت المذكرة، في حال أثار الشرع الموضوع، بالإعراب عن الأمل في أن تبادر سوريا إلى تسوية متأخراتها المالية، ولا سيما تجاه البنك الدولي، لأن ذلك سيسمح باستئناف قروض بنك الاستثمار الأوروبي المخصصة لسوريا.

وذكرت الوثائق أن وزارة الخارجية البريطانية أرفقت بهذه المذكرة خلفية سياسية موسعة أوضحت فيها أن الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الأوروبي - السوري عقد في 11 يونيو 1996 في إطار اتفاق التعاون الموقع عام 1978، وأن المناقشات آنذاك ركزت على فرص التوصل إلى اتفاقية شراكة جديدة، وعملية السلام في الشرق الأوسط، ومتابعة نتائج مؤتمر برشلونة، إضافة إلى ملف حقوق الإنسان. كذلك أشارت إلى أن المفوضية الأوروبية كانت قد بدأت بالفعل محادثات استكشافية مع دمشق في شأن الاتفاقية الجديدة، ووافقت على إجراء دراسة مشتركة مع الحكومة السورية لتقييم أثر الاتفاقية المحتملة على الاقتصاد السوري.

 

وأكدت الوثائق أن برنامج العمل الذي انبثق من مجلس التعاون الأوروبي– السوري تضمن سلسلة من الاجتماعات القطاعية على المستويين الوزاري والفني، في حين كانت المملكة المتحدة تستعد لاستضافة مؤتمر الاستثمار الأورومتوسطي يومي 6 و7 مارس 1997 باعتباره أبرز مساهمة بريطانية في مسار برشلونة. كذلك أوضحت أن الاجتماع المقبل لوزراء الخارجية ضمن العملية الأورومتوسطية (برشلونة الثانية) كان مقرراً عقده يومي 16 و17 أبريل (نيسان) 1997، إلا أن مكان انعقاده لم يكن قد حدد بعد، بخاصة بعدما أبلغت سوريا شركاءها بأنها لن تشارك في أي اجتماع يعقد على أرض عربية إذا كانت إسرائيل طرفاً فيه، وهو موقف رأت لندن أن حسمه ينبغي أن يترك للدول المتوسطية نفسها. وأشارت الوثائق أيضاً إلى أن إعلان برشلونة الصادر في نوفمبر 1995 وضع الإطار العام للتعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي بين الاتحاد الأوروبي و12 دولة متوسطية.

وأظهرت الوثائق هذا المحور بتقييم للعلاقات الاقتصادية بين سوريا والاتحاد الأوروبي، موضحة أن حصة سوريا الإرشادية من برنامج MEDA للفترة 1996–1998 بلغت 55 مليون وحدة نقدية أوروبية (MECU)، مع إمكانية الحصول على 65 مليون وحدة إضافية إذا أحرزت مفاوضات اتفاقية الشراكة تقدماً ملموساً. كذلك أشارت إلى أن أي تقدم على المسار السوري– الإسرائيلي قد يؤدي إلى زيادة الدعم الأوروبي، وإن لم يكن هناك ارتباط رسمي بين الأمرين. وأوضحت الوثائق كذلك أن استمرار ديون سوريا الخارجية، ولا سيما متأخراتها تجاه البنك الدولي، ظل يشكل العقبة الرئيسة أمام استئناف قروض بنك الاستثمار الأوروبي، على رغم وجود محاولات لإعادة جدولة بعض الديون مع عدد من الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وإسبانيا والدنمارك وبلجيكا، في حين كانت بريطانيا تتابع تلك الترتيبات قبل اتخاذ أي قرار مماثل.

 

واستعرضت المذكرات البريطانية الخلفية الاقتصادية والسياسية التي كانت تحكم العلاقة بين دمشق والاتحاد الأوروبي، مبينة أن مفاوضات اتفاقية الشراكة الأوروبية– السورية لم تكن مجرد ترتيبات تجارية، وإنما كانت جزءاً من رؤية أوروبية أوسع لدمج دول جنوب المتوسط في إطار اقتصادي وسياسي واحد أطلقه إعلان برشلونة خلال نوفمبر 1995.

ورأت وزارة الخارجية البريطانية أن إبرام الاتفاق مع سوريا سيعزز الاستقرار الإقليمي، ويشجع دمشق على تبني إصلاحات اقتصادية وإدارية تدريجية، فضلاً عن توسيع انخراطها في مؤسسات التعاون الأورومتوسطي. ولهذا أوصت لندن بأن يستغل ريفكيند اجتماعه مع فاروق الشرع لتأكيد استمرار اهتمام الاتحاد الأوروبي بإتمام الاتفاق، مع تجنب إعطاء الانطباع بأن المفاوضات مرتبطة مباشرة بمسار السلام العربي– الإسرائيلي، على رغم إدراك الدبلوماسيين البريطانيين أن التقدم السياسي سيؤثر بصورة غير مباشرة في وتيرة التعاون الاقتصادي.

 

وفي السياق ذاته، أبرزت المذكرات أن مجلس التعاون الأوروبي - السوري، الذي انعقد في 11 يونيو 1996 بموجب اتفاق التعاون الموقع عام 1978، وفر الإطار الرسمي الذي انطلقت منه مفاوضات اتفاقية الشراكة الجديدة. وأوضحت أن ذلك الاجتماع لم يقتصر على مناقشة العلاقات الاقتصادية، بل تناول أيضاً عملية السلام في الشرق الأوسط، ونتائج مؤتمر برشلونة، وملف حقوق الإنسان، إضافة إلى مستقبل التعاون الفني بين الجانبين. كذلك بينت أن المفوضية الأوروبية كانت قد شرعت بالفعل في إجراء اتصالات تمهيدية مع الحكومة السورية، واتفقت معها على إعداد دراسة مشتركة لتقييم الآثار الاقتصادية المحتملة للاتفاقية، بما يسمح للطرفين بتقدير انعكاساتها على الاقتصاد السوري قبل الانتقال إلى مرحلة التفاوض التفصيلي.

ومن ناحية أخرى، أظهرت الوثائق أن بريطانيا كانت تنظر إلى مؤتمر الاستثمار الأورومتوسطي، الذي تقرر عقده في لندن يومي 6 و7 مارس 1997، بوصفه فرصة سياسية واقتصادية لإعادة تنشيط مسار برشلونة. ولهذا حرص ريفكيند على تشجيع فاروق الشرع على المشاركة السورية، معتبراً أن وجود دمشق في المؤتمر سيبعث برسالة إيجابية إلى المستثمرين الأوروبيين، ويؤكد استمرار انخراط سوريا في عملية التعاون الإقليمي على رغم الجمود الذي أصاب مفاوضات السلام. كذلك أوضحت المذكرات أن المؤتمر يمثل أهم مساهمة بريطانية في السياسة المتوسطية للاتحاد الأوروبي خلال تلك المرحلة، وأن نجاحه يعتمد على مشاركة جميع الشركاء المتوسطيين، بمن فيهم سوريا.

 

وفي المقابل، لفتت الوثائق إلى أن لندن كانت تدرك وجود عقبات مالية تحول دون تطوير العلاقات الاقتصادية الأوروبية مع دمشق، وفي مقدمتها استمرار المتأخرات السورية المستحقة للبنك الدولي. ولذلك أوصت وزارة الخارجية البريطانية بأن يثير ريفكيند هذه المسألة بصورة هادئة إذا طرحها الجانب السوري، موضحاً أن تسوية هذه الالتزامات ستسمح بإعادة تفعيل قروض بنك الاستثمار الأوروبي، وهو ما سيعود بفوائد مباشرة على الاقتصاد السوري. كما أوضحت أن هذا الملف كان يحظى باهتمام خاص داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، لأن استمرار الديون المتراكمة كان يقيد قدرة المؤسسات المالية الأوروبية على تمويل مشاريع جديدة داخل سوريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي معرض تقييمها لمستقبل العلاقات الاقتصادية، أوضحت المذكرات أن المفوضية الأوروبية خصصت لسوريا حصة إرشادية من برنامج MEDA للفترة 1996–1998 بلغت 55 مليون وحدة نقدية أوروبية  (MECU)مع إمكانية تخصيص 65 مليون وحدة إضافية إذا شهدت مفاوضات اتفاقية الشراكة تقدماً ملموساً. وبينت الوثائق أن هذا التمويل لم يكن يمثل التزاماً نهائياً، بل كان مرتبطاً بمدى إحراز تقدم في المفاوضات وبقدرة سوريا على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، مع ملاحظة أن أي انفراج في عملية السلام قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع دعمه الاقتصادي، حتى وإن لم يكن هناك ارتباط قانوني مباشر بين الملفين.

وفي سياق متصل، أوضحت المذكرات أن الدبلوماسية البريطانية تابعت أيضاً الجهود السورية لإعادة جدولة ديونها الخارجية مع عدد من الدول الأوروبية، مشيرة إلى أن فرنسا وإسبانيا والدنمارك وبلجيكا كانت قد توصلت إلى ترتيبات ثنائية مع دمشق، في حين فضلت المملكة المتحدة انتظار نتائج تلك التجارب قبل اتخاذ خطوات مماثلة. ويعكس هذا الموقف، بحسب الوثائق، حرص لندن على الموازنة بين تشجيع الانفتاح الاقتصادي السوري والحفاظ على الانضباط المالي الذي كانت المؤسسات الأوروبية والدولية تشترطه لاستئناف برامج التمويل والاستثمار.

وفي ختام تقييمها، خلصت وزارة الخارجية البريطانية إلى أن العلاقات مع سوريا دخلت مرحلة يمكن البناء عليها سياسياً واقتصادياً، شريطة استمرار الحوار الثنائي، وتقدم مفاوضات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وعدم انهيار عملية السلام في الشرق الأوسط. كذلك عكست الوثائق قناعة بريطانية بأن دمشق، على رغم تمسكها بمواقفها التفاوضية تجاه إسرائيل، لم تكن راغبة في عزل نفسها عن أوروبا، بل كانت تسعى إلى توسيع تعاونها مع الاتحاد الأوروبي والاستفادة من برامجه الاقتصادية والاستثمارية، وهو ما جعل لندن ترى أن الحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة مع القيادة السورية يخدم المصالح البريطانية والأوروبية على حد سواء.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير