ملخص
ارتفاع كلفة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي يدفع الشركات نحو اشتراكات متعددة وتسعير بحسب الاستخدام، فيما قد تضغط المنافسة الصينية على الأسعار، ليصبح اشتراك الـ20 دولاراً فئة أساسية لا شاملة.
في الأول من فبراير (شباط) 2023، أطلقت OpenAI اشتراك ChatGPT Plus مقابل 20 دولاراً شهرياً، وهو سعر سرعان ما أصبح معياراً شائعاً لاشتراكات نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بعدما تبعته شركات كبرى بخطط مدفوعة قريبة من القيمة نفسها. ومع الوقت، ترسخت لدى المستخدمين فكرة أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم يمكن أن يكون بتكلفة تشبه اشتراك نتفليكس أو سبوتيفاي.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير. فمع ارتفاع كلفة تشغيل النماذج وتوسع قدراتها، ظهرت اشتراكات احترافية تصل إلى 200 دولار شهرياً، إلى جانب خدمات تعتمد التسعير بحسب الاستخدام وشراء وحدات نصية إضافية (Tokens).
وهنا يبرز السؤال: هل يستطيع اشتراك الـ20 دولاراً الصمود، أم إن السوق تتجه إلى عصر جديد تتدرج فيه الأسعار بحسب مستوى القدرات والاستخدام، من عشرات الدولارات إلى مئاتها شهرياً؟
الفاتورة الحقيقية للذكاء الاصطناعي؟
إذا نظرنا إلى اقتصاديات الذكاء الاصطناعي، تبدو استدامة الاشتراكات منخفضة السعر موضع تساؤل، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في كلفة الحوسبة وتشغيل النماذج المتقدمة. وتشير تقديرات إلى أن إيرادات OpenAI قد تقترب من 25 مليار دولار خلال عام 2026، في وقت قد يصل فيه إنفاقها على القدرة الحاسوبية إلى عشرات المليارات من الدولارات، إلى جانب تكاليف البحث والتطوير والموظفين والبنية التحتية ومراكز البيانات.
ولا تمثل اشتراكات الأفراد المصدر الوحيد لإيرادات شركات الذكاء الاصطناعي، إذ تعتمد أيضاً على العملاء المؤسسيين والشركات وواجهات البرمجة (API). وللتوضيح حسابياً، فإن وجود 50 مليون مشترك يدفع كل منهم 20 دولاراً شهرياً يعني إيرادات سنوية تبلغ نحو 12 مليار دولار، وهو مثال يوضح حجم الاشتراكات المطلوبة لكي تصبح وحدها مصدراً رئيساً للدخل.
شهر العسل الذي موّله المستثمرون
ويرى رئيس مجلس إدارة شركة Carabiner Networks البريطانية المتخصصة في مراكز البيانات، لوكران بيرك، أن سعر 20 دولاراً لم يكن يعكس بالضرورة الكلفة الكاملة لتشغيل هذه الخدمات، بقدر ما كان جزءاً من استراتيجية لتسريع تبني التقنية وجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين. وبحسب بيرك، تمر التقنيات الجديدة عادة بمراحل تبدأ بالوعي والتجربة، قبل الانتقال إلى الاستخدام الواسع، ومع اتساع السوق تبدأ الضغوط المرتبطة بكلفة الحوسبة وتشغيل النماذج والاعتمادية والحوكمة المؤسسية بالظهور بصورة أكبر.
ويعد أن جزءاً من كلفة هذه المرحلة تحمله المستثمرون ضمن سباق الشركات على اكتساب المستخدمين وبناء الحصة السوقية. ومن هنا، قد يكون سعر 20 دولاراً مناسباً كمدخل لجذب العملاء، لكنه لا يعني بالضرورة أن السعر نفسه قادر على إتاحة أقوى النماذج واستخدامها بكثافة على المدى الطويل.
ومع ارتفاع مستويات الاستخدام، بدأت السوق بالفعل تتجه إلى فئات متعددة من الاشتراكات، تختلف أسعارها بحسب قدرات النماذج وحجم الاستخدام والخدمات المقدمة.
ماذا تشتري الـ20 دولاراً فعلياً؟
ويشير لوركان بيرك إلى أن اشتراكات الأفراد لا تُسعّر عادة وفق عدد الوحدات النص (Tokens)، كما يحدث في واجهات البرمجة المخصصة للمطورين، بل يحصل المستخدم مقابل اشتراكه على حدود استخدام تختلف بحسب النموذج والخدمة، مثل عدد الرسائل أو حجم الاستخدام خلال فترة زمنية معينة.
في المقابل، تكشف أسعار واجهات البرمجة بصورة أوضح قيمة الاستهلاك، إذ تُسعر الوحدات النصية بالمليون، مع اختلاف السعر بين وحدات الإدخال والإخراج ووحدات التفكير، وكذلك بين نموذج وآخر.
وبحساب تقريبي يستند إلى أسعار واجهات البرمجة العامة، يمكن أن تعادل قيمة 20 دولاراً بضعة ملايين من الوحدات النصية شهرياً، لكن هذه المقارنة لا تعني أن التكلفة الفعلية التي تتحملها الشركة مساوية لسعر واجهة البرمجة، إذ تكون تكاليف التشغيل الداخلية مختلفة وغير معلنة.
ويفسر ذلك جزئياً اعتماد الشركات على حدود الاستخدام بدلاً من منح المستخدم كمية ثابتة ومعلنة من الوحدات النصية؛ فالاشتراك يمنح الوصول إلى الخدمة ضمن حدود مرنة، وليس رصيداً محدداً يمكن تحويله مباشرة إلى عدد ثابت من الكلمات أو الرسائل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من الاشتراك المدعوم إلى عداد الاستهلاك
ويرى خوزيه سينتينو، المدير العام لشركة ADQ Solutions، أن المرحلة المقبلة قد تتجه إلى نموذج تسعير أكثر ارتباطاً بحجم الاستخدام، مع الإبقاء على الاشتراكات منخفضة السعر كبوابة أولى لجذب المستخدمين.
وبحسب سينتينو، قد تبدأ الرحلة بفئة مجانية أو منخفضة التكلفة، قبل انتقال المستخدمين الأكثر اعتماداً على الأدوات إلى فئات أعلى سعراً أو إلى تسعير محسوب وفق الاستهلاك. ويعود ذلك إلى أن المستخدم الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بصورة يومية ومكثفة يختلف اقتصادياً عن مستخدم يلجأ إليه بصورة محدودة.
ولا يعني ذلك اختفاء الاشتراكات الثابتة، بل قد تصبح جزءاً من منظومة أوسع تضم فئات متعددة، تبدأ من الاستخدام الأساس وتصل إلى الخطط الاحترافية والاستهلاك المحسوب.
ويشير سينتينو إلى أن هذه التحولات ترتبط أيضاً بالكلفة الفعلية لتشغيل النماذج، من المعالجات ومراكز البيانات إلى الكهرباء والتبريد والشبكات، وهي عناصر تجعل من الصعب فصل التسعير على المدى الطويل عن حجم الموارد التي يستهلكها كل مستخدم.
رفع الأسعار مع بقاء المستخدمين
ولا يُتوقع أن يحدث التحول بصورة مفاجئة. فرفع الأسعار أو تقليص مزايا الاشتراكات دفعة واحدة قد يدفع المستخدمين إلى المنافسين، لذلك يرجح سينتينو أن تسلك الشركات نهجاً تدريجاً.
وقد يكون ذلك عبر إضافة فئات جديدة، أو منح القدرات الأقوى للمشتركين في الخطط الأعلى، أو تقليص بعض حدود الاستخدام، أو تقديم أرصدة إضافية مدفوعة عند تجاوز الحدود الأساسية.
وبهذا الشكل، لا ينتقل المستخدم مباشرة من اشتراك منخفض السعر إلى فاتورة مرتفعة، بل تتحول السوق تدريجاً إلى درجات مختلفة، يدفع فيها كل مستخدم بحسب حجم الاستخدام والقدرات التي يحتاج إليها.
ويأتي ذلك في سوق تتركز فيه القدرات الحاسوبية وتطوير النماذج المتقدمة لدى عدد محدود من الشركات الكبرى، في حين تحاول الشركات الأصغر ومشاريع المصدر المفتوح تقديم بدائل أقل كلفة أو أكثر تخصصاً.
الصين في بؤرة منافسة الأسعار
قدرة الشركات الأميركية على رفع الأسعار ليست بلا حدود، إذ قد تشكل النماذج الصينية أحد أهم عناصر الضغط التنافسي خلال الأعوام المقبلة.
ويرى سينتينو أن الشركات الصينية تتقدم بسرعة في تطوير نماذج قادرة على المنافسة، فيما قد تمنحها المنافسة المحلية القوية والرغبة في اكتساب حصة عالمية حافزاً لتقديم خدمات بأسعار أقل.
وقد تلعب كفاءة النماذج دوراً أساساً في هذه المعادلة. فكلما استطاعت الشركات إنجاز المهام نفسها باستخدام قدرة حاسوبية أقل، انخفضت كلفة التشغيل وأصبح من الممكن تقديم الخدمة بسعر أكثر تنافسية.
كما أن نجاح الصين في تطوير رقائق محلية أكثر تقدماً وتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب قد يؤثر مستقبلاً في كلفة تشغيل نماذجها.
لكن انخفاض الأسعار لا يعني اختفاء الكلفة الأساسية للصناعة، إذ تظل النماذج المتقدمة بحاجة إلى مراكز بيانات ضخمة، وطاقة، وتبريد، وشبكات ومعالجات متخصصة. لذلك ستعتمد قدرة أي شركة على خفض الأسعار بصورة مستدامة على مقدار ما تحققه من تقدم في كفاءة البرمجيات والشرائح والبنية التحتية.
حرب الأسعار: الأذكى أم الأرخص؟
وهنا قد تتحول المنافسة العالمية من سباق على بناء أذكى نموذج فقط، إلى سباق آخر لا يقل أهمية: من يستطيع تقديم أفضل قدرات بأقل كلفة؟
فقد تراهن الشركات الأميركية على النماذج الأكثر تقدماً والقدرات الأعلى، بينما تحاول شركات صينية المنافسة بنماذج تحقق مستوى قوياً من الأداء بسعر أقل.
وإذا اتسعت الفجوة السعرية بين النموذج الأكثر تطوراً والنموذج الذي يقدم أداء كافياً لمعظم الاستخدامات اليومية، فقد يختار جزء كبير من المستخدمين الخيار الأرخص، بينما تستمر الشركات والمؤسسات والمستخدمون المحترفون في دفع مبالغ أكبر مقابل القدرات الأعلى.
لذلك، قد لا تكون النتيجة اختفاء اشتراك الـ20 دولاراً، بل تغير موقعه داخل السوق. فقد يتحول إلى فئة أساسية توفر مستوى جيداً من الذكاء الاصطناعي، في مقابل اشتراكات أعلى سعراً تمنح المستخدم قدرات أكبر، وحدود استخدام أوسع، ونماذج أكثر تقدماً.
وبهذا، يبدو مستقبل التسعير أقرب إلى سوق متعددة الطبقات، بدلاً من سعر واحد يمنح جميع المستخدمين الوصول إلى أقوى مستويات الذكاء الاصطناعي.