Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصين تحول أسواق المال إلى أداة لتحدي أميركا في الذكاء الاصطناعي

قفزة بـ 500% لشركة شرائح صينية ترسم ملامح الصراع التكنولوجي مع الولايات المتحدة

تأتي هذه الخطوة الصينية لسد الفجوة التمويلية مع الولايات المتحدة، التي طالما شكّل الوصول إلى رأس المال إحدى أكبر مزاياها التنافسية (أ ف ب)

ملخص

بكين تستبدل الدعم الحكومي بالأسواق لمواجهة واشنطن.

كشفت تحركات اقتصادية حديثة عن إستراتيجية جديدة تعتمدها الصين لمنافسة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، فبدلاً من الاعتماد الصرف على الدعم الحكومي المباشر، بدأت بكين في استخدام قوة أسواقها المالية (الأسهم والسندات) البالغة قيمتها 28 تريليون دولار لمنافسة الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.

وتجسد هذا التوجه في الظهور الاستثنائي لسهم شركة "سي إكس إم تي" المصنعة لشرائح الذاكرة في بورصة شانغهاي؛ حيث قفز السهم خلال ساعات قليلة من بدء تداوله بأكثر من 500 في المئة. وأدى هذا الارتفاع القياسي إلى جعل الشركة الأكثر قيمة سوقية في بر الصين الرئيسي، متجاوزة "البنك الصناعي والتجاري الصيني" الذي تصدر القائمة لسنوات.

وتُعد شركة "سي إكس إم تي" الركيزة الأساسية لآمال بكين في تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب ومنافسة واشنطن في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

 وجاء هذا الصعود الصاروخي عقب تسريع الجهات التنظيمية لإجراءات الطرح العام الأول للشركات الاستراتيجية، وتوسيع قنوات التمويل عبر مبيعات السندات. كما شهدت الأسواق تدخلاً سريعاً من السلطات الصينية لاستعادة الثقة عقب تراجع أسهم التكنولوجيا في يوليو(تموز) الماضي، وهو التدخل الذي شكّل إدراج سهم شركة "سي إكس إم تي"  أحد عوامله الحسم.

وتأتي هذه الخطوة الصينية لسد الفجوة التمويلية مع الولايات المتحدة، التي طالما شكّل الوصول إلى رأس المال إحدى أكبر مزاياها التنافسية.

وبحسب بيانات جمعت شركات التكنولوجيا الصينية نحو 217 مليار دولار عبر الطروحات الأولية ومبيعات السندات خلال العامين الماضيين، بينما جمعت نظيراتها الأميركية أكثر من 6 دولارات مقابل كل دولار حصلت عليه الشركات الصينية، بقيادة شركات مثل "أمازون" و"ألفابت".

ويفتح هذا التحول الطريق أمام الاستفادة من مدخرات العائلات الصينية البالغة 26 تريليون دولار وهي الأكبر عالمياً بالتوازي مع تمتع الشركات المحلية بتكاليف تمويل تُعد من بين الأرخص على مستوى العالم.

وفي تعليق على هذه التحركات، قال كريس ميلر، الأستاذ بجامعة "تافتس" ومؤلف كتاب "حرب الشرائح": "على مدى السنوات القليلة الماضية، امتلكت الشركات الأميركية قدرة أكبر على الوصول إلى رأس المال، لكن تكاليف التمويل لديها آخذة في الارتفاع.

وإذا تمكنت الشركات الصينية من ضمان ميزة مستدامة في الوصول إلى التمويل، فسيوفر لها ذلك تفوقاً، رغم أن الحوسبة المحلية الصينية لا تزال أعلى تكلفة بكثير بسبب الجودة الأدنى لشرائح الذكاء الاصطناعي المحلية."

كيف مهدت بكين المسار السريع للطروحات الأولية، وما المفارقة التي كشفت عنها؟

مهدت الجهات التنظيمية في بكين الطريق لشركة "سي إكس إم تي" قبل أشهر من إدراجها، حيث كانت أول شركة تخضع لبرنامج تجريبي لـ "المراجعة الأولية" المخصص للشركات ذات الأهمية الاستراتيجية، مما أتاح حل العقبات الرئيسية قبل تقديم طلب الطرح الرسمي.

وانتقلت الشركة من مرحلة تقديم الطلب إلى التداول في أقل من ثمانية أشهر في إجراء سريع مقارنة بالمدد المعتادة التي قد تستغرق سنوات لتجمع نحو 9.8 مليار دولار في أحد أكبر الطروحات الأولية بالبلاد منذ فترة طويلة.

إلا أن الطرح كشف في الوقت نفسه عن مفارقة؛ إذ أغلق السهم في يومه الأول مرتفعاً بنسبة 466 في المئة، ما أشار إلى تسعيره بمستوى أقل بكثير مما كان المستثمرون مستعدين لدفعه.

ورغم أن أسلوب التسعير المحافظ لحكومة بكين يحمي المستثمرين من الخسائر، فإنه يمنح الشركة ترسانة مالية أصغر مقارنة بمنافسيها؛ مثل شركة إس كيه هاينكس الكورية الجنوبية التي جمعت أخيراً 26.5 مليار دولار في الأسواق الأميركية.

وعندما هددت موجة بيع في أسهم التكنولوجيا بإعاقة هذا الزخم قبل أيام من الإدراج، نفذت السلطات الصينية واحدة من أوسع عمليات التدخل، حيث تحركت الصناديق الحكومية وكبار المستثمرين والجهات التنظيمية لتثبيت معنويات السوق.

ويعكس هذا التدخل إطار سياسات منسقاً بدأ تطبيقه منذ عام 2025 لدعم شركات التكنولوجيا في مختلف مراحل نموها عبر الإقراض المصرفي، وإصدار السندات، وأسواق رأس المال، والاستثمارات طويلة الأجل، بمشاركة بنك الشعب الصيني، ولجنة تنظيم الأوراق المالية، ووزارة المالية.

ويرى محللون أنه في حال تعثر النمو الاقتصادي للصين خلال النصف الثاني، فمن المرجح أن يلجأ صانعو السياسات إلى أدوات نقدية موجهة لدعم مجالات حيوية كالابتكار التكنولوجي، بدلاً من ضخ تحفيز اقتصادي واسع النطاق.

وفي سياق متصل، ارتفع مؤشر ستار 50 المتركز في قطاع الشرائح بنسبة 30 في المئة هذا العام ليصل إلى مستوى قياسي في يونيو (حزيران) الماضي، مقارنة بارتفاع لم يتجاوز 1.4 في المئة لمؤشر سي إس آي  300. وتستعد شركات إضافية للإدراج؛ حيث تسعى شركتا "زد آيه آي" و "ميني ماكس غروب للطرح في الأسهم من الفئة (أ) بعد إدراجهما في هونغ كونغ، بينما أبلغت شركة "مون شوت" للذكاء الاصطناعي مستثمريها باستعدادها للطرح العام خلال ستة أشهر، في حين بدأت شركة ديب سيك التمهيد لطرحها الخاص.

من جانبه، أشار هونغ هاو، مدير الاستثمار الرئيسي في شركة لوتس لإدارة الأصول، إلى أنه "في الوقت الذي تتكفل فيه الشركات العملاقة في الولايات المتحدة بتغطية معظم تكاليف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فإن رأس المال في الصين يجب أن يأتي من السوق إن لم تقدمه الدولة."

كيف يعكس سوق السندات طبيعة المعركة التمويلية بين الصين والولايات المتحدة؟

أظهرت البيانات الصادرة عن سوق السندات الصيني اتجاهاً مماثلاً، حيث قدمت السلطات تشجيعاً كبيراً للسندات الخضراء والموجهة للتكنولوجيا، وحثت البنوك والمستثمرين على دعم إصدارات قطاع العلوم والتكنولوجيا، مع فتح السوق أمام مقترضين جدد.

وباعت شركات التكنولوجيا الصينية سندات محلية وخارجية بقيمة لا تقل عن 38 مليار دولار هذا العام، وهو الرقم الأعلى للفترة نفسها منذ عام 2016. غير أن هذا الرقم لا يمثل سوى 7 في المئة من أصل 578 مليار دولار جمعتها الشركات الأمريكية، التي يعود ثلثها لشركات "أمازون" و"ألفابت" و"سبيس إكس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتسعى بكين من خلال هذا التوجه إلى خفض مستويات الرافعة المالية عقب سنوات من النمو المعتمد على الديون، وفي ظل تباطؤ الاقتصاد وزيادة أعباء الديون على الحكومات المحلية، ما دفع صانعي السياسات للبحث عن مصادر تمويل جديدة للصناعات الحيوية دون تحميل الميزانية العمومية للدولة أعباء إضافية.

وحول ذلك، قال المحلل المالي فرايزر هاوي، المشارك في تأليف كتاب "الرأسمالية الحمراء":"لم تعد لدى الدولة القدرة ذاتها على تحفيز الاقتصاد أو تمويل القطاعات كافة كما في السابق.

وفي الوقت الذي وجهت فيه الجهات التنظيمية المؤسسات المالية بتقديم تمويل مستقر لشركات التكنولوجيا دون فرض أهداف إقراض ملزمة، أفاد مصرفيون بأن معظم القروض المصرفية توجهت للشركات الناضجة بدلاً من الشركات الناشئة عالية النمو المكلفة والمحفوفة بالخسائر في مراحلها الأولى، رغم تشكيل القروض التكنولوجية 22 في المئة من إجمالي الإقراض الجديد للشركات في الربع الثاني وفق بيانات بنك الشعب الصيني، وهو ما يفسر تسريع التحول نحو أسواق رأس المال.

هل يمنح التمويل الأرخص الصين تفوقاً تنافسياً في السباق التكنولوجي؟

تسجل البيانات فارقاً لصالح الصين في تكلفة الاقتراض، إذ بلغ متوسط عائد السندات التي أصدرتها شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى 1.9 في المئة هذا العام، بانخفاض يزيد على 300 نقطة أساس عن الشركات الأمريكية، وهو أوسع فارق مسجل منذ عام 2015 على الأقل، متأثراً بانخفاض معدلات الفائدة والتضخم في الصين.

وعلى سبيل المثال، أصدرت شركة "كونتمبوراري أمبيركس تكنولوجي" لسلاسل البطاريات سندات باليوان لمدة خمس سنوات بفائدة 1.58 في المئة، مقابل 5.25 في المئة دفعتها شركة إل جي الكورية الجنوبية على سندات دولارية للمدة نفسها.

وأوضحت تشو لي، رئيسة أدوات الدخل الثابت الآسيوية في شركة "فيديليتي إنترناشونال"، أن هذا الفارق يمنح الشركات الصينية ميزة تنافسية ملموسة بفضل توفر "رأس المال الصبور" طويل الأجل، مما يتيح لها الاستثمار بجرأة أكبر في الذكاء الاصطناعي والأبحاث والسعة الإنتاجية.

وشملت الاستفادة الشركات الأصغر حجماً؛ حيث باعت شركة جيانغسو ليتال الكترونيك لمكونات الأجهزة الكهربائية أول سندات عامة لها بقيمة 200 مليون يوان بفائدة 2.5 في المئة لمدة ثلاث سنوات لشراء أجهزة حاسوبية لأعمال الذكاء الاصطناعي، وهو ما وصفه أجينغ دينغ، أمين مجلس إدارة الشركة، بـ "التحول الواضح من الأعلى إلى الأسفل" لصالح القطاعات الناشئة والشركات غير المملوكة للدولة.

إلى أين تتجه تدفقات المستثمرين، وهل يكفي المال وحده لسد الفجوة التكنولوجية؟

تظهر حركة رؤوس الأموال في الأسواق تحولاً من القطاعات التقليدية كالعقارات والاستهلاك نحو تصنيع الشرائح والصناعات المتقدمة، حتى بات وزن قطاع التكنولوجيا في مؤشر سي إس آي 300 ينافس القطاع المالي ويفوقه أحياناً.

وفي المقابل، حذر غاري تان، مدير المحافظ في شركة "أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس"، من أن سهم "تشانغشين ميموري تكنولوجيز" يتداول بعلاوة سعرية مرتفعة مقارنة بنظرائه العالميين، مما يشير إلى أن السياسات الحكومية وقيمة الندرة تلعبان دوراً أكبر من المؤشرات المالية الأساسية في المدى القريب.

كما لفتت "تشو لي" من شركة "فيديليتي إنترناشونال" إلى أن ضخ المبالغ الضخمة في القطاعات المدعومة قد يؤدي إلى زيادة الطاقة الإنتاجية وضغط هوامش الربح، كما حدث سابقاً في قطاعي الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية.

وعلى صعيد القدرة الفعلية للمال على سد الفجوة التكنولوجية، أكد هونغ شو وي، كبير الاقتصادين في مؤسسة أنباوند للبحوث الاقتصادية،: "رأس المال شرط ضروري ولكنه ليس كافياً بمفرده؛ إذ تشكل الأرض والتكنولوجيا والمواهب أشكالاً أخرى من رأس المال، ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل الاكتشافات إلى تطبيقات تجارية".

وتشير التقديرات إلى أن الصين قد تتطلب تمويلاً أقل لتحقيق أهداف مشابهة، إذ أعلنت شركات مثل "ديب سيك" و "مون شوت" عن تطوير نماذج منافسة بتكلفة تقل كثيراً عن النظراء الغربيين. وتظهر تقديرات مجموعة "يو بي إس" أن تكاليف تدريب النماذج الصينية تقل عن 10 في المئة مقارنة بالشركات الرائدة كـ "أوبن آيه آي" و"أنثروبيك" ، فيما يقل متوسط أسعار واجهات برمجة التطبيقات للنماذج الصينية عن 20 في المئة مقارنة بالمنافسين المباشرين.

علق كايل تشان، الباحث في معهد بروكينغز والمتخصص في السياسات الصناعية والتكنولوجية الصينية، قائلاً:"إن ما سيحدد شكل المنافسة التكنولوجية بين واشنطن وبكين هو الاستثمار المستمر وواسع النطاق في الابتكار والقدرة الصناعية معاً، والبلد الذي يمتلك هذه المقومات مجتمعة هو من سيحقق التفوق الدائم".

اقرأ المزيد