ملخص
يواجه المسيحيون في القدس ومناطق أخرى من إسرائيل والضفة الغربية تصاعداً في المضايقات والاعتداءات، وسط مخاوف متنامية على سلامتهم وهويتهم الدينية، فيما تحاول مبادرات يهودية ومسيحية وجهود رسمية حماية التعايش وملاحقة المعتدين. وفاقم الصراع منذ السابع من أكتوبر 2023 مشاعر الخوف والشك بين الأديان ودفع مزيداً من المسيحيين إلى التفكير في الهجرة، لكن الكنائس والمؤمنين يتمسكون بالبقاء وممارسة شعائرهم والحفاظ على حضورهم التاريخي في الأراضي المقدسة.
تتوجه الأخت ماييلا إلى عملها مرتدية غطاء الرأس وزي الرهبنة الأسودين التقليديين، بالقرب من الموقع الذي تعرضت فيه راهبة كاثوليكية أخرى لاعتداء عنيف في البلدة القديمة بالقدس. لكن رحلتها لم تعد كما كانت، إذ ترافقها الآن متطوعة يهودية لحمايتها.
فالمسيحيون لا يشكلون سوى أقل من اثنين في المئة من سكان إسرائيل، ويخشى كثيرون منهم أن يعرضهم إظهار إيمانهم علناً لمضايقات ازدادت حدة مع تعمق الصراع في المنطقة.
وتقول الأخت ماييلا، وهي راهبة مكسيكية تقيم في القدس بشكل متقطع على مدى أكثر من 20 عاماً: "أشعر بالخوف بعد الاعتداء بالضرب على الراهبة. في السابق، كان المرء يشعر هنا بأمان أكبر. بعض الناس كانوا يبصقون، وبعضهم كان يلقي التحية. أما الآن فعلينا أن نعيش متوكلين على الله".
وإذا كانت ماييلا تستمد القوة من إيمانها ومن مساعدة المتطوعين المحليين، فإن ذلك لم يضع حداً للحوادث. فقد بصق مراهق أخيراً خلفها أثناء مرورها برفقة المتطوعة بالقرب من مجموعة من اليهود المتشددين دينياً. وأصر الشاب على أنه لم يكن سوى ينظف حلقه، لكن المتطوعة أبلغت الشرطة بالواقعة.
وتندرج مثل هذه الحوادث ضمن معاناة أوسع يواجهها المسيحيون في إسرائيل، ولا سيما منذ الهجوم الذي قادته حركة "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما أعقبه من تعمق للصراع والانقسام. ومع ذلك، يرى زعماء دينيون ومحللون بعض المؤشرات الإيجابية، من بينها تشديد عمل الشرطة، وملاحقة المعتدين قضائياً، وتعيين مبعوث حكومي إسرائيلي من الروم الأرثوذكس معنيّ بالعلاقات مع العالم المسيحي.
لكن الشعور بانعدام الأمان لا يقتصر على القدس. ففي أنحاء شمال إسرائيل، يشعر بعض المسيحيين بأن الدولة لا توفر لهم الحماية الكافية من الجرائم لأنهم ليسوا يهوداً. ومع ذلك، لم تمنعهم هذه المخاوف من ممارسة شعائرهم، إذ شاركت جماعات كاثوليكية أخيراً في احتفال على "جبل طابور"، وهو الموقع الذي تذكر الأناجيل أن يسوع ظهر فيه متجلياً بصحبة موسى وإيليا.
وقالت الأخت منى، وهي راهبة قادت إحدى المجموعات الشبابية: "في عالم تملأ فيه الظلمة قلوب الناس، علينا أن ننشر نور الله بين الآخرين".
وهذا التمسك بالتعايش يتجاوز المسيحيين وحدهم. فبالنسبة إلى كثير من المسيحيين واليهود، تمثل حماية العيش المشترك في الأراضي المقدسة واجباً أخلاقياً، في ضوء التاريخ الطويل من الاضطهاد الديني الذي عاشه الطرفان.
وفي هذا السياق، قالت ييسكا هاراني، وهي تربوية وناشطة إسرائيلية يهودية رافقت الأخت ماييلا: "لا أريد أن يخرج المسيحيون من بيوتهم في القدس وهم يشعرون بالخوف... لقد عشنا هذا طوال ألفي عام من تاريخنا اليهودي، ولن أسمح بأن يحدث ذلك".
وتتجسد حساسية هذا التعايش بوضوح في البلدة القديمة، حيث يمر يومياً رجال يهود يعتمرون قبعات سوداء وتتدلى من ملابسهم أهداب دينية تُعرف باسم "تسيتسيت"، إلى جانب نساء مسلمات محجبات وكهنة مسيحيين بثيابهم الفضفاضة، ويتقاطع الجميع في متاهة الأزقة الحجرية. ويتوجه كثير منهم للصلاة عند "حائط المبكى"، أو "كنيسة القيامة"، أو باحة "المسجد الأقصى"، وهي من بين أقدس المواقع لدى اليهودية والمسيحية والإسلام على التوالي، وتقع جميعها على مسافات متقاربة.
لكن هذا التقارب الجغرافي لا يعني دائماً غياب الاحتكاك. فالأب ألبيرتو باري، الذي يتولى الحوار بين الأديان والعلاقات المسيحية - اليهودية بصفته أمين سر رهبنة "حراسة الأراضي المقدسة"، يقول: "إذا تجولت بزي الرهبنة، فلا بد أن يبصق أحدهم إلى جوارك عاجلاً أم آجلاً". ومع ذلك، يحذر من التعميم، مضيفاً: "من المهم ألا نعمم، لأن ذلك يطلق العنان لمعاداة السامية".
وتظهر الأرقام أن هذه المضايقات لم تعد حالات معزولة. فقد سجل "مركز بيانات الحرية الدينية"، الذي أسسته هاراني لتوثيق المضايقات التي يتعرض لها المسيحيون، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة التي تتوافر عنها بيانات عدداً من الحوادث في القدس يقارب ثلاثة أضعاف ما كان يسجل قبل أربعة أعوام، بمعدل نحو حادثة واحدة يومياً الآن، وترتكبها في جميع الحالات تقريباً جماعات من القوميين الدينيين اليهود.
وفي إحدى أخطر تلك الحوادث، وُجه الاتهام إلى رجل يهودي من إحدى مستوطنات الضفة الغربية المحتلة بالاعتداء العنيف على راهبة في أبريل (نيسان). وقال الراهب أوليفييه بوكيويون، مدير "المدرسة الفرنسية للكتاب المقدس والآثار" في القدس، حيث تعمل الراهبة كباحثة، إن المدرسة تتوقع "ملاحقة قضائية فاعلة على المستويين الجنائي والمدني".
وقد دفع الاعتداء السلطات الإسرائيلية أيضاً إلى التحرك. فكان السفير جورج ديك، مبعوث إسرائيل الجديد المكلف بناء ما يسميه "العلاقة الخاصة" بين المسيحيين والدولة، من بين الذين تواصلوا مع قيادات كنسية كاثوليكية لإدانة الاعتداء وتقديم الدعم، في إطار مهمة تشمل حماية المسيحيين والتعاون معهم في قضايا مثل مكافحة معاداة السامية.
وقال ديك لوكالة "أسوشيتد برس": "نعتبر أن أي حادثة تستهدف المسيحيين غير أخلاقية وغير قانونية، ويجب ملاحقة مرتكبيها. وهذا بالضبط ما سنفعله. نريد أن نتأكد من أن إسرائيل تواصل الازدهار والنمو بوصفها مكاناً لا يستطيع المسيحيون فيه البقاء فحسب، بل الازدهار أيضاً".
لكن حادثة الراهبة لم تكن الوحيدة التي أثارت القلق. ففي الفترة نفسها تقريباً، أثارت واقعتان أخريان إدانة دولية، بعدما حطم جندي إسرائيلي صليباً في حديقة منزل إحدى العائلات، فيما وضع جندي آخر سيجارة في فم تمثال للسيدة العذراء مريم في جنوب لبنان، حيث يقاتل الجيش الإسرائيلي مسلحي "حزب الله". وحُكم على الجنديين المتورطين بالسجن العسكري.
وعلى رغم أن معظم الإسرائيليين يعتبرون مثل هذه المضايقات غير مقبولة، فإن الخطر لم يختف. ويقول جون منيّر من "مركز روسينغ للتعليم والحوار"، وهو منظمة تعنى بالعلاقات بين الأديان في القدس، إن القوميين الدينيين اليهود، ولا سيما الشبان غير المتعلمين منهم، لا يزالون يشكلون تهديداً.
ويربط منيّر هذا العداء للمسيحيين بعوامل عدة، منها تاريخ اضطهاد اليهود في البلدان الأوروبية ذات الغالبية المسيحية، وممارسات دينية مسيحية يراها بعض هؤلاء نوعاً من عبادة الأصنام، إلى جانب "عدم تسامح عام" مع كل من ليس يهودياً بالقرب من المواقع المقدسة مثل "حائط المبكى".
ويضاف إلى هذه العوامل أثر الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، إذ إن معظم المسيحيين المحليين في إسرائيل والضفة الغربية المحتلة فلسطينيون.
وتظهر هذه التوترات بوضوح في الطيبة، آخر قرية في الضفة الغربية يسكنها مسيحيون بالكامل، حيث قطع مستوطنون يهود أخيراً أسوار منازل ودمروا حدائق فاكهة وخضروات، بحسب الأب بشار فواضله، كاهن رعية "كنيسة المسيح الفادي الكاثوليكية".
وقال فواضله: "الجميع هنا خائفون. فالمستوطنون يأتون ويذهبون كل يوم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي محاولة للحد من الاعتداءات، أعلن الجيش الإسرائيلي القرية منطقة عسكرية مغلقة في وقت سابق من هذا الأسبوع. لكن ذلك لم يبدد المخاوف في شأن قدرة إسرائيل ورغبتها في كبح المستوطنين، وهي مخاوف امتدت حتى إلى الإنجيليين الذين يعدون من أشد المسيحيين دعماً لإسرائيل.
وقال ديفيد بارسونز، المتحدث باسم "السفارة المسيحية الدولية في القدس": "ما يحدث في الطيبة مقلق حقاً. وقد أدرك القادة الإسرائيليون منذ بعض الوقت أن الدعم المسيحي لدولتهم ليس حيوياً فحسب، بل يمثل أيضاً مصلحة استراتيجية".
لكن تداعيات السابع من أكتوبر لم تقتصر على الشعور بالأمان، بل طاولت أيضاً جهود التقارب نفسها. ويقول الأب باري إن "خوفاً عاماً وشكوكاً" خيما على مجمل العمل بين الأديان منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023.
وتجلت هذه الأزمة عندما دُعي "معهد ماغنيفيكات" للموسيقى بين الأديان، الذي يديره باري، إلى العزف في مسيرة للسلام في القدس. لكن أعضاءه الفلسطينيين رفضوا المشاركة بعدما رأوا أن المنصة أقيمت عند إحدى بوابات البلدة القديمة ومحاطة بأعلام إسرائيلية.
وقال باري: "شعرت بفشل حقيقي. نحن نعتقد، كمسيحيين، أن لنا دوراً بالغ الأهمية في إعادة جمع ما تفرق... سيكون الأمر صعباً، لكننا نستطيع القيام به".
ومع كل ذلك، ظلت روح الصمود المستمدة من الإيمان حاضرة بين الحجاج الذين تجمعوا على "جبل طابور" الأسبوع الماضي للاحتفال بـ"عيد التجلي"، حتى فيما قال عدد منهم إن تصاعد التوترات بين الأديان والجريمة دفع كثيراً من مسيحيي المنطقة إلى الهجرة.
وقال جون عاقله، البالغ 20 عاماً، والذي جاء مع مجموعة الأخت منى: "من الصعب جداً أن نحافظ على هويتنا كمسيحيين في الشرق الأوسط، لكنها الأهم بالنسبة إلينا".
وكان عشرة حجاج قد انطلقوا من مدينة الناصرة القريبة، حيث نشأ السيد المسيح، عند الساعة الرابعة والربع فجراً، في رحلة صعود إلى الجبل بقيادة الأب فادي شلّوفي، ضمن تقليد سنوي حافظوا عليه حتى خلال الحرب.
وعلى قمة الجبل، أثناء إحيائه قداساً في "كنيسة التجلي"، قال لهم الأب شلّوفي: "سنقدم تضحيات كثيرة، لكن كونوا على يقين من أن شيئاً ما سيتغير في هذه الأرض".
© The Independent