ملخص
تُقرأ اتفاقية مكة بوصفها خطوة لإعادة رسم الدور الأميركي في الشرق الأوسط، إذ تسعى السعودية وتركيا وباكستان إلى بناء قدرات دفاعية ذاتية وتعميق التعاون في الصناعات العسكرية وتقاسم الأعباء الأمنية، مع الحفاظ على روابطها القائمة بواشنطن. ويأتي الاتفاق في ظل تحولات إقليمية متسارعة منذ 2023، والحرب مع إيران، وتراجع الموثوقية الأميركية، بما يدفع الدول الثلاث إلى تعزيز الردع المشترك وحماية الوضع القائم من الممارسات الإيرانية والإسرائيلية، مع الاستفادة من مزاياها النسبية في الطاقة والصناعات الدفاعية والقدرات النووية.
بعد إبرام "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، حرصت السعودية وتركيا وباكستان على تأكيدها كإطار مكمل لا بديل عن شبكة علاقاتها ومصالحها المتنوعة، إذ أوضحت الرياض أن هذه الخطوة لا تأتي على حساب علاقاتها الخليجية والعربية والدولية، وشددت أنقرة على عدم التعارض مع الالتزامات الأطلسية، فيما أكدت إسلام آباد انفصال الاتفاقية الجديدة عن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع السعودية.
ومع ذلك، دلت الاتفاقية على اهتمام متزايد لدى الدول الإقليمية الكبرى بتعميق شراكاتها البينية، مما أثار التساؤلات حول أثرها في الدور الأميركي في الشرق الأوسط. وفي حين تقرأ الترتيبات الأمنية الأخيرة ضمن مسار تشكل نظام إقليمي جديد بعد سنوات من تراجع الموثوقية الأميركية، فإن عدداً من المحللين يرون أنها لا تعني بالضرورة استبدال الولايات المتحدة، بل بناء طبقات أمنية متعددة وتعزيز الردع.
إعادة رسم الدور الأميركي
على مدى 46 عاماً، شكلت "عقيدة كارتر" أحد أسس السياسة الأميركية في المنطقة، إذ نصت على أن أي محاولة من قوة خارجية للسيطرة على الخليج العربي تعد اعتداءً على المصالح الأميركية، وستواجه بكل الوسائل الضرورية، بما فيها القوة العسكرية. وفي حين أثبتت حرب إيران حديثاً استعداد واشنطن للتدخل العسكري، فإنها أثارت تساؤلات حول مدى اتساق قراراتها مع مصالح شركائها الإقليميين، خصوصاً أن السعودية وتركيا وباكستان دفعت نحو التهدئة وتجنب اتساع الحرب.
وحتى الآن لم تصدر أميركا موقفاً واضحاً من الاتفاقية، لكن رئيس مكتب الخليج في "البنتاغون" سابقاً ديفيد دي روش يقول لـ"اندبندنت عربية" إن الولايات المتحدة ترحب عموماً بالترتيبات الأمنية التعاونية الإقليمية بين شركائها، ما دامت لا تتحول إلى أطر غير فاعلة أو تخرج عن الغرض منها، مضيفاً، "في هذه الحالة أعتقد أن واشنطن سترحب بالاتفاق ما دام لا يتخذ توجهاً واضحاً معادياً لإسرائيل".
وفي حين ينظر إلى اتفاقية مكة كمؤشر إلى أن الشرق الأوسط يبتعد عن "نظام أمني أميركي التنظيم حصراً"، يوضح أستاذ الدراسات الدفاعية في جامعة "كينغز كوليج لندن" أندرياس كريغ أن الاتفاقية لا تعني بالضرورة أن السعودية وتركيا وباكستان تحاول استبدال الولايات المتحدة، بل تعمل على بناء القدرات لحماية مصالحها، خصوصاً في ظل عجز واشنطن عن منع اندلاع الحروب الإقليمية أو ضبط إسرائيل أو ردع الهجمات الإيرانية.
ويضيف الباحث السعودي في العلاقات الدولية إياد الرفاعي بأن اتفاقية مكة تأتي ضمن مسار إعادة رسم الدور الأميركي في المنطقة لا إنهائه لكونها استجابة لتحولات بنيوية متراكمة تعيد تشكيل وجه المنطقة منذ عام 2023، وسط استعداد الدول الثلاث لمرحلة ما بعد الحرب على إيران حتى لا تكون مجرد متلقية للأدوار في ترتيبات اليوم التالي، بل طرفاً يشارك في رسم مستقبل المنطقة.
تعزيز الردع وتقاسم العبء
اكتسبت اتفاقية مكة زخمها من الظروف الإقليمية الراهنة إلا أنها لم تكن وليدة اللحظة، إذ سبقها تأسيس اللجنة الدفاعية الثلاثية واستضافة الرياض أول اجتماعاتها في أغسطس (آب) 2023. وبينما تعزز الاتفاقية الردع باعتبار الهجوم على أي من الدول الثلاث هجوماً على الجميع على غرار المادة الخامسة لـ"الناتو"، فإن المسار الذي سبق توقيعها يكشف تركيزاً رئيساً على بناء قدرات دفاعية ذاتية مستدامة، وهو ما أوضحه وكيل وزارة الخارجية السعودية رائد قرملي بتأكيد أن الاتفاقية لا تمثل محور عسكري أو تكتل طائفي، وليست مرتبطة بمساع نووية أو سباق تسليح.
ويشكل التعاون في الصناعات الدفاعية وتوطينها والبحث العلمي حجر الأساس لاتفاقية مكة وفق التصريحات الرسمية. على سبيل المثال، تضاعفت مصلحة تركيا من إنجاح مشروعها لتطوير مقاتلات "قآن" الشبحية بعد استبعادها من برنامج "أف-35" الأميركي. ويعكس المشروع نفسه فرص التكامل، إذ تشارك كوادر باكستانية في تطويره، بينما بحثت السعودية الاستثمار فيه وتوطين أجزاء من إنتاجه.
وفي حين تعزز الاتفاقية التوجه الأميركي نحو تقاسم الشركاء للأعباء الأمنية، يشير الرفاعي إلى أن الترتيب الجديد مرتبط أكثر بتقلب الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة خلال العقود الماضية، فمنذ حرب العراق، تعاقبت إدارات سعت إلى توسيع الانتظام وأخرى دفعت نحو الانسحاب والتركيز على آسيا، على نحو يشبه التذبذب الذي شهدته السياسة الأميركية تجاه روسيا في أوروبا، لافتاً إلى أن "هذا التقلب بين الانخراط والانسحاب دفع دول المنطقة إلى البحث عن مظلات أمنية إضافية وحلول أكثر اعتماداً على الذات، خصوصاً أنها الأقدر على فهم تحديات المنطقة والأكثر امتلاكاً للشرعية السياسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية للتعامل معها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى الباحث بجامعة بيرمنغهام البريطانية عمر كريم في حديث إلى "اندبندنت عربية" أن الاتفاقية وسيلة لتقاسم الأعباء الأمنية على المستوى الإقليمي، ولإسهام حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في أمن المنطقة، إذ تشير الروابط الوثيقة التي تجمع الدول الثلاث بواشنطن إلى أن الاتفاقية الجديدة ستكمل الأطر الأمنية القائمة التي تتمحور حول الولايات المتحدة، إضافة إلى أن الدول الثلاث تعتمد بدرجات متفاوتة على واشنطن في المجال الدفاعي، ولذلك يصعب عليها المضي في مسار يتعارض فعلياً مع المصالح الأميركية في المنطقة.
حماية الوضع القائم
ولا يمكن فصل الترتيبات الأمنية الجديدة عن تداعيات حرب إيران، إذ يرى كريم أن الدول الثلاث لديها مصلحة مشتركة في ردع القوى التي تسعى إلى تغيير الوضع القائم وكبح مساعي إيران إلى الهيمنة. هذه المساعي ليست وليدة الحرب، لكن كريم يشير إلى مقاربة استراتيجية إيرانية جديدة تركز على التحكم بحركة الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب. وتأثرت مصلحة الدول الثلاث في حماية الوضع القائم بالدور الأميركي على وجه الخصوص، إذ أثارت مذكرة التفاهم مع طهران قبل نحو شهرين مخاوف من أن تؤدي رغبة واشنطن في تجنب حرب طويلة واستعادة حركة الملاحة إلى تنازلات أميركية لإيران في مضيق هرمز. وتعززت المخاوف مع استئناف المفاوضات، بعدما دعا ترمب إلى التوصل إلى اتفاق سريع، فيما واصلت طهران إطالة أمد التفاوض لاستثمار عامل الوقت.
ويضيف الباحث في جامعة بيرمنغهام بأن الاتفاقية توجه رسالة لطهران بعدم التسامح مع نموذجها القائم على استخدام الجهات الفاعلة من غير الدول لزعزعة الاستقرار وتحقيق أهدافها الإقليمية، مشيراً إلى أن الترتيب الجديد يضعف الذريعة الإيرانية القائمة على الاعتراض على تدخل قوى من خارج المنطقة، إذ يصعب على طهران الطعن في ترتيب أمني تقوده قوى إقليمية.
وتمثل إسرائيل أيضاً تحدياً مشتركاً للدول الثلاث نظراً إلى سلوكها العسكري المتزايد جرأة والمتسع نطاقاً، ولذلك يرى كريم أن الاتفاقية قد تشكل رادعاً لتحركات إسرائيل في القرن الأفريقي أو بلاد الشام ليس من طرف واحد، بل من ثلاث قوى متوسطة راسخة تمتلك مجتمعة قدرات مهمة واستعداداً للتحرك ضد محاولات إضعاف الدول أو تقويض سيادتها من خلال الجهات الفاعلة من غير الدول.
مزايا نسبية ودوافع خاصة
وإلى جانب الحسابات الإقليمية المشتركة، تحمل الاتفاقية دوافع خاصة لكل طرف يحددها دي روش بقوله إن السعودية تريد شركاء يمتلكون قواعد صناعية لتنويع وتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة تهديدات إيران ووكلائها، وتسعى تركيا إلى توسيع شبكة تحالفاتها في ظل شعورها بالرفض الأوروبي وتوتر علاقتها مع "الناتو"، خصوصاً أن حكومة أردوغان تنظر إلى الحلف بريبة وتعتقد أن محاولة الانقلاب حظيت بدعم أو تشجيع من بعض أعضائه، وفي مقدمهم الولايات المتحدة. أما باكستان، فيدفعها مفهوم "العمق الاستراتيجي" المتجذر في عقيدتها الأمنية إلى توسيع الشراكة مع الرياض وأنقرة لموازنة التفوق الديموغرافي والجغرافي الهندي.
ويشير المسؤول الأميركي السابق إلى أن تمتد الصناعات التركية تمتد من الذخائر إلى الطائرات المسيرة، بينما تملك باكستان قدرات مهمة في الصناعات العسكرية التقليدية، مثل قذائف المدفعية عيار 155 مليمتراً، ويمكن للسعودية الاستفادة من هذه القدرات في ظل اتجاه الولايات المتحدة ودول غربية أخرى إلى مزيد من التحفظ العام على تصدير الأسلحة خلال السنوات المقبلة، بما يدفع الرياض إلى تنويع مصادرها وضمان الوصول السريع إلى الذخائر بكميات كبيرة عند الحاجة، وفي المقابل، توفر السوق السعودية فرصاً مهمة للصناعات التركية والباكستانية.
وفي حين أوضحت الدول الثلاث أن الاتفاقية لا تستهدف دولاً بعينها، أكدت الرئاسة التركية أن الاتفاقية "مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة" وتوقع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان انضمام مصر. ويرجح دي روش حدوث ذلك، لكنه يعتقد أن القاهرة قد تتريث في الانضمام حتى تهدأ المخاوف الإسرائيلية، خصوصاً في ظل حرصها على حماية المساعدات الأميركية، ولا سيما العسكرية، من أي تحرك محتمل داخل الكونغرس.
وتنسجم قابلية الاتفاقية للتوسع مع وصف الرفاعي لها بأنه من "تحالفات الضرورة"، فالتحالفات قد تقوم على تقارب هوياتي، أو تفرضها ضرورات البيئة الاستراتيجية، فيما يجمع التحالف الجديد بين العنصرين، إذ يضم ثلاث دول إسلامية لكنه يستجيب قبل كل شيء لتحولات هيكلية يشهدها الشرق الأوسط منذ 2023، تجاوزت حدود المواجهات العسكرية العابرة إلى تغيرات في موازين القوة، والقدرات الهجومية والدفاعية للدول، وحدود النفوذ والسيطرة، وحتى الخرائط السياسية والجغرافية. ومن ثم، لا يأتي الاتفاق بوصفه استعراضاً للقوة، بل استجابة لهذه التحولات، على حد تعبيره.