ملخص
جرى تداول منشورات ورسائل على صفحات منصات رقمية عدة، مثل "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك" و"واتساب" تدعو إلى اقتحام معبر مدينة سبتة في الـ15 من أغسطس الجاري، لأن "معبر تاراخال" سيكون بحسب هذه الدعوات مفتوحاً لولوج سبتة بأمن وأمان.
لم تعد الدعوات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم دخول جماعي للمهاجرين غير النظاميين إلى مدينة سبتة، الواقعة فوق التراب المغربي والخاضعة للسيادة الإسبانية، في 15 أغسطس (آب) الجاري، مجرد منشورات عابرة في الفضاء الرقمي، بعدما بدأت تشد انتباه متابعين ومهتمين بملف الهجرة والحدود.
وتكتسب هذه الدعوات خطورتها من قدرتها على تحويل الفضاء الافتراضي إلى محفز لتحرك ميداني جماعي قد تكون كلفته أكبر من مجرد محاولة عبور للحدود، إذ يمكن أن تضع السلطات المغربية والإسبانية أمام اختبار أمني وإنساني وسياسي معقد، وأن تعيد إلى الواجهة مشاهد التدفقات الجماعية السابقة وما رافقها من توتر وخطابات متباينة حول الهجرة والحدود.
حملات رقمية
وجرى تداول منشورات ورسائل على صفحات منصات رقمية عدة، مثل "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك" و"واتساب" أيضاً، تدعو إلى اقتحام معبر مدينة سبتة يوم 15 أغسطس الجاري، لأن "معبر تاراخال" سيكون بحسب هذه الدعوات مفتوحاً لولوج سبتة بأمن وأمان.
ويتبادل مستخدمو هذه المنصات والمجموعات المغلقة، من المهتمين أو المعنيين بالهجرة غير النظامية إلى سبتة، معطيات ومعلومات مختلفة حول الهجرة الجماعية المزعومة، حتى لا تتكرر "أخطاء المحاولة الأولى" التي جرت في أواخر يوليو (تموز) الماضي.
ولجأ آخرون إلى استغلال الهوية البصرية لجريدة "هسبريس"، أكبر جريدة إلكترونية في المغرب، لترويج خبر زائف يتمثل في صدور تصريح عن الحكومة الإسبانية يفيد بفتح المعابر الحدودية يوم 15 أغسطس الجاري بصورة موقتة، لمدة لا تتجاوز 15 ساعة، من الساعة 10 صباحاً إلى 11 ليلاً، بدعوى معالجة الحالات الطارئة وتسهيل حركة المرور.
وتوزعت مواقف وتعليقات مرتادي هذه الصفحات والمجموعات الرقمية الداعية إلى تجريب الهجرة الجماعية في التاريخ المذكور، بين من يحث ويحرض ويدعو إلى التنسيق لإنجاح التجربة المرتقبة، ومن يشكك في نية محركي ومروجي هذه الدعوات، ومن يؤكد أنها معطيات ومعلومات مضللة تهدف إلى خلق الفوضى على الحدود مع سبتة، وتأزيم العلاقات المغربية -الإسبانية.
وتعمل السلطات الإسبانية، وفق وكالة الأنباء الرسمية، على تحليل الرسائل المتداولة في مواقع التواصل بحذر كبير، لكونها قد تكون صادرة من خارج إسبانيا والمغرب، وتميل أكثر إلى عدّ هذه الدعوات "محاولة جديدة لنشر معلومات مضللة، وليست مؤشراً إلى استعداد فعلي لتنفيذ محاولة عبور".
وسبق للسلطات المغربية أن أكدت أن المحاولة السابقة التي اقتحم فيها آلاف الأشخاص سبتة، وخلفت عديداً من الضحايا، لم تكن عفوية، بل كانت نتيجة حملات تضليل رقمي ممنهجة وشائعات كاذبة انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي توحي بفتح الحدود و"عبور آمن وسهل"، واستغلال مغلوط لحكم قضائي إسباني.
حملات تضليل
وبينما يصعب الجزم بما إذا كانت الدعوات ستتحول فعلاً إلى تحرك على الأرض لاقتحام سبتة، يطرح انتشارها سؤالاً أكثر إلحاحاً: من يقف خلفها؟ ولماذا الآن؟ ومن يمكن أن يستفيد من تحويل سبتة مجدداً إلى بؤرة توتر على الضفة الجنوبية للمتوسط؟
يقول في السياق فوزي بوخريص، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن هذه الدعوات تندرج ضمن حملات التضليل القائمة على نشر معلومات زائفة، بهدف الإضرار الجماعي عبر خلق حالة عدم استقرار في شمال المغرب وجنوب إسبانيا وأوروبا، وبهدف الإضرار بالأفراد، خصوصاً جموع المراهقين والشباب الذين يتعرضون لمضامين مضللة، تعيد تشكيل تمثلاتهم، وتدفعهم إلى المخاطرة بحياتهم.
وأوضح بوخريص أن "حجم وامتداد حملات التضليل وما تتطلبه من إمكانيات مادية وبشرية يكشف أنها نتاج فاعلين رسميين ينتمون إلى أنظمة سياسية، تستثمر عن قصد وبطريقة منظمة في هذه الحملات ضمن استراتيجياتها في الحكم والصراع والتأثير".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشرح المحلل نفسه أن "هناك أنظمة في المنطقة جعلت من سياسة التضليل بالاعتماد على تكنولوجيا الإعلام والاتصال ممارسةً اعتيادية ومتواترة في الحكم، داخلياً وخارجياً".
ولم يفت بوخريص الإشارة إلى أن خطورة هذه الممارسة تزايدت في الأعوام والعقود الأخيرة، بفعل تضافر ثلاثة عوامل أساسية، هي: صعود قوة شبكات التواصل الاجتماعي، وتنامي البنيات التحتية الرقمية، والتزايد المطرد في استخدام الذكاء الاصطناعي.
تجار أزمات
ولا تنحصر الجهات التي تحرض وتحشد لتجمعات المهاجرين غير النظاميين لاقتحام سبتة في هذه الأنظمة السياسية وحدها، بل هناك جهات تشتغل لحسابها الخاص، وتتمثل، على الخصوص، في عدد من المواقع الإلكترونية والمؤثرين في الدول المغاربية والأوروبية.
يقول بوخريص إن "هؤلاء الفاعلين الخواص يقومون بدور مُسرع لعملية الحشد ومضخم لها، لأن النموذج الاقتصادي لمشاريعهم الرقمية قائم على تضخيم التفاعلات ومضاعفتها، ولو بنشر محتويات مضللة وزائفة، من أجل رفع العائدات الإعلانية وزيادة المردودية المالية".
واستطرد الأستاذ الجامعي بأنه "لا يمكن لحملات التحريض والحشد لتجمعات المهاجرين غير النظاميين لاقتحام سبتة أن تنجح من دون مساهمة فعالة من جموع المراهقين والشباب أنفسهم، الذين يتبنون تلك السرديات على رغم زيفها، لانعدام ثقة بنيوي تجاه السياسات العمومية في بلدانهم، فيعدون بالتالي مشاركتهم في عملية الاقتحام بمثابة رد فعل مناهض لواقع الحال السائد في بلدانهم وللاختيارات والنخب السياسية المسؤولة عن ذلك".
وسجل بوخريص أن المراهقين والشباب الذين يشكلون وقود هذه الأحداث ليسوا سلبيين في تفاعلاتهم مع حملات التحريض والحشد، بل هم، من خلال فعلهم غير القانوني وغير النظامي، يكشفون حقيقة أنه بقدر ما هناك عرض للسرديات المضللة، بقدر ما هناك طلب عليها، تغذيه الشروط البنيوية لبلدان شمال أفريقيا، التي تعرف مشكلات سوسيو-اقتصادية وثقافية وانعداماً للثقة في السياسات العمومية والمؤسسات والنخب الحاكمة.
وخلص بوخريص إلى أن حملات التحريض والحشد لتجمعات المهاجرين غير النظاميين لاقتحام سبتة تجد وستجد في المستقبل في الهشاشات الاجتماعية والسياسية ما يعزز جاذبيتها، ويخلق شروط "تحققها".
أخطار أمنية وسياسية
وخلف هذه الدعوات، التي لا من غير المعلوم بصورة واضحة الجهات التي تقف وراءها أو الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، تلوح سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية وإنسانية وسياسية يصعب ضبط مآلاتها، خصوصاً في منطقة حدودية شديدة الحساسية تتقاطع فيها اعتبارات السيادة والهجرة والأمن والعلاقات المغربية - الإسبانية.
يقول في هذا الصدد لحبيب ستاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية في جامعة مراكش، إن "أخطر ما في هذه الدعوات ليس فقط احتمال تنفيذها، وإنما قدرتها على خلق حالة من التوتر الأمني والسياسي حتى إن لم تتحول إلى تحرك واسع على الأرض، فمجرد انتشار دعوات عبر مواقع التواصل لاقتحام الحدود يفرض على السلطات في المغرب وإسبانيا رفع مستوى اليقظة الأمنية، ويزيد من احتمال وقوع احتكاكات أو حوادث غير محسوبة".
ووفق زين الدين، في الجانب المغربي، يمثل هذا النوع من الدعوات تحدياً أمنياً وإنسانياً في آن واحد، لأن أي محاولة لعبور جماعي قد تعرض حياة المشاركين للخطر، كذلك قد تستغل من قبل شبكات الهجرة غير النظامية أو جهات تسعى إلى تأجيج التوتر بين الرباط ومدريد.
وزاد المحلل بأن المغرب، الذي يتحمل التزامات واضحة في مجال تدبير الهجرة ومكافحة الشبكات غير القانونية، يدرك أن هذا الملف لا يمكن أن يعالج بمقاربة أحادية، بل من خلال عمل تشاركي يقوم على المسؤولية المشتركة والمصلحة المتبادلة بين مختلف الأطراف، بما يوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق والكرامة الإنسانية.
أما بالنسبة لإسبانيا، يردف زين الدين، فإن "أي ضغط على حدود سبتة يعيد إلى الواجهة حساسية هذا الملف، سواء على المستوى الأمني أو السياسي الداخلي، وبخاصة في ظل الجدل الأوروبي المستمر حول الهجرة وحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي"، مبيناً أن "مدريد تنظر إلى مثل هذه الدعوات على أنها تهديد يتجاوز البعد المحلي إلى بعد أوروبي أوسع".
احتواء الدعوات
في المقابل، نبه ستاتي إلى أنه "لا ينبغي أيضاً الانخداع بما يروج على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن التجارب السابقة أظهرت أن جزءاً من هذه الدعوات يقوم على التعبئة الرقمية أكثر من اعتماده على قدرة حقيقية على الحشد والتنفيذ".
ورأى أن "خطورة الدعوات تكمن في أنها قد تدفع أفراداً أو مجموعات إلى التحرك بطريقة عفوية، وهو ما يفرض على الجانبين تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي لتفادي أي تصعيد".
وشدد الأستاذ الجامعي على أن "هذه الواقعة تظهر بجلاء أن الفضاء الرقمي، على رغم ما أتاحه من فرص غير مسبوقة للتواصل والوصول إلى المعلومة، يضاعف الحاجة إلى الوعي والقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الواقع والزيف".
واسترسل زين الدين بأن "مصلحة المغرب وإسبانيا تبدو مشتركة في احتواء مثل هذه الدعوات، لأن أي انفلات على الحدود لن ينتج عنه سوى توتر سياسي وخسائر إنسانية، في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية مرحلة من التعاون المتقدم في ملفات الأمن والهجرة".
وبالنسبة للمغرب، يردف المتكلم، فإن التحدي لا يقتصر على المقاربة الأمنية فقط، بل يتطلب أيضاً تفكيراً جاداً في تعزيز الحقوق والكرامة وتوسيع آفاق المشاركة والاندماج، خصوصاً أن البلاد مقبلة على استحقاق انتخابي مهم"، في إشارة إلى الانتخابات التشريعية المقررة في الـ23 من سبتمبر (أيلول) المقبل.
وانتهى زين الدين إلى أن "تحصين المكتسبات ومواجهة التحديات يمران أيضاً عبر تعزيز الثقة، والاستماع إلى انتظارات الشباب، ومعالجة أسباب الإحباط، بما يجعل الاستقرار نتيجة للتنمية والإنصاف والمشاركة، وليس فقط نتيجة للضبط الأمني".