ملخص
ينتعش عدد كبير من المهن والأنشطة التجارية والاقتصادية غير المشروعة التي ترتبط بأزمات الهجرة الجماعية من المغرب صوب أوروبا، من قبيل تزوير الوثائق وبيع المعلومات وتنسيق أماكن التجمعات والإيواء قبل انطلاق جحافل المهاجرين.
تركت التدفقات الجماعية الهائلة لآلاف المهاجرين غير النظاميين نحو مدينة سبتة قبل أيام قليلة، ندوباً وارتدادات سياسية واقتصادية وإنسانية وإعلامية تجاوزت ضفتي المتوسط، ليحصي الخاسرون خسائرهم و"الرابحون" مكاسبهم السياسية والاقتصادية من هذه الأزمة.
وبعيداً من الحسابات والمواقف الرسمية، تبدو شبكات الاتجار بالبشر وعصابات التزوير والمهربون وبعض التيارات الشعبوية المستثمرة في خطاب الخوف من الهجرة من أبرز المستفيدين، مقابل خسائر باهظة تكبدها المهاجرون أنفسهم وأسرهم، فضلاً عن الأعباء التي واجهها المغرب وإسبانيا في تدبير واحدة من أزمات الهجرة الأكثر تعقيداً التي عرفتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة.
"الرابحون"
يرى الباحث والمحلل السياسي كريم عايش أن الاقتحامات الجماعية المتكررة من طرف المهاجرين غير النظاميين نحو مدينة سبتة تكشف عن أن هذه الأزمات لا تنتج رابحين حقيقيين بقدر ما تعيد توزيع الخسائر والمكاسب الظرفية بين أطراف وجهات متعددة، موضحاً أن شبكات تهريب البشر تظل المستفيد الأول من هذه الأزمة، وقبلها من أحداث هجرة جماعية أيضاً، بالنظر إلى استغلالها هشاشة الأوضاع الاجتماعية للمهاجرين غير النظاميين، وتحويلها حلم الهجرة صوب الضفة الأوروبية إلى تجارة مربحة.
وأجمعت المؤشرات، وحتى التصريحات الرسمية من المغرب وإسبانيا، على أن شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين خرجت بأكبر المكاسب من أزمة الاقتحامات الجماعية لسبتة، إذ أفلحت في استغلال الإشاعات المتعلقة بإمكان الوصول إلى أوروبا عبر سبتة، ودفعت آلاف الشباب إلى خوض المغامرة.
واتهمت وزارة الداخلية المغربية، كما الجانب الإسباني، شبكات الاتجار بالبشر بالوقوف وراء النزوح الجماعي صوب سبتة، من خلال استغلال الفضاء الرقمي ونشر إشاعات مفادها بأن أبواب سبتة مفتوحة، خصوصاً بعد قرار المحكمة العليا الإسبانية بعدم إرجاع من يصل إلى سبتة سباحة.
وتكسب شبكات الاتجار بالبشر زخماً مادياً كبيراً من وراء موجات العبور إلى سبتة ومليلة، لأن موجات المهاجرين تعني وجود آلاف الزبائن المرشحين للهجرة غير النظامية، مما يدر على هذه الشبكات أرباحاً مالية هائلة، ويوسع دائرة نفوذها وسيطرتها على تدبير مسارات الهجرة غير النظامية.
من جهة أخرى، لفت عايش إلى أن بعض التيارات السياسية المتطرفة والعنصرية، بخاصة في إسبانيا، تجني بدورها مكاسب من هذه الأحداث، إذ توظفها لتغذية الخطاب الشعبوي المطالب بتشديد سياسات الهجرة والرقابة على الحدود.
وأشار مصدر حكومي مغربي رفيع المستوى إلى هذه الحيثية بالقول خلال تصريحات صحافية إنه "من المخيّب للآمال أن توظف أحداث سبتة لتحقيق مكاسب انتخابية وتصفية حسابات سياسية، وأنه عندما كانت الأزمة في أوجها، وفي ظل تغطية إعلامية طغى عليها التهويل والسعي إلى الإثارة، رُصدت أكثر التعليقات تحريضاً وأكثر التحليلات شططاً".
وتأسف المسؤول الحكومي الكبير، قائلاً "رأينا إلى أي حد كان بعض الفاعلين السياسيين لم يتعاطوا مع الحدث بالطريقة المناسبة، وكم كانت ردود أفعالهم مخيبة للآمال"، معرباً عن صدمته الكبيرة، ليس فقط لغياب الرؤية، بل أيضاً بسبب القصور الاستراتيجي الشديد لدى بعضهم، والاستغلال السياسي لدى بعضهم الآخر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اقتصاد الأزمة
ولا ينحصر "الرابحون" من وراء أزمة الاقتحامات الجماعية في مكاسب اليمين الإسباني المتطرف، ولا في شبكات الاتجار بالبشر التي تقوم بتهريب المهاجرين الراغبين في مغادرة البلاد لأسباب اجتماعية واقتصادية وشخصية، بل أيضاً في أطراف تقتات وتتكسب مادياً من مثل هذه الأحداث.
وينتعش عدد كبير من المهن والأنشطة التجارية والاقتصادية غير المشروعة التي ترتبط بأزمات الهجرة الجماعية من المغرب صوب أوروبا من قبيل تزوير الوثائق وبيع المعلومات وتنسيق أماكن التجمعات والإيواء قبل انطلاق جحافل المهاجرين، علاوة على التكسب من مواقع التواصل الاجتماعي بفضل الترويج لمثل هذه الهجرات.
ويجمل هذه المعطيات الباحث في الاقتصاد الاجتماعي محمد مجدولين بقوله إن كل أزمة كبرى تتسم بطابعها الضخم وارتداداتها المتشابكة، يقف وراءها اقتصاد قائم بذاته، مما يمكن تسميته "اقتصاد الأزمات"، لكن بحسب شقه غير القانوني في حالة اقتحامات سبتة الأخيرة.
وأوضح في هذا الصدد أن أزمة الهجرة غير النظامية تتغذى، بلا شك، من ممتهني تزوير الوثائق لفائدة المرشحين للهجرة غير النظامية، إما بتغيير الهويات أو تزوير الأعمار بالنسبة إلى القاصرين باعتبار التعامل الخاص الذي يحظون به عند الوصول إلى الضفة الأخرى.
وزاد مجدولين أن ممارسات وأنشطة مهربي البشر والوسطاء والسماسرة تطورت بتطور الزمن والأحداث وسرعة التحول التكنولوجي، فلجأوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي لينشئوا صفحات خاصة للتنسيق والاستقطاب، يتكسبون منها المال.
وتابع أن أرباح هؤلاء المنتفعين من الأزمات كالهجرة الجماعية إلى سبتة، تتمثل أيضاً في البيع والتجارة بمعناهما الحرفي، من قبيل بيع سترات السباحة والقوارب المطاطية، فضلاً عن استئجار الغرف لإيواء المهاجرين غير النظاميين، وأيضاً وسائل النقل السري التي تنتعش في مثل هذه الأحداث.
خسائر بالجملة
ومقابل هؤلاء "الرابحين"، ترجح كفة الخاسرين في أزمة سبتة لأنها خسائر تتعلق بالأرواح البشرية التي لا يمكن تعويضها، وبآلام مئات الأسر المكلومة التي فقدت أبناءها، أو تترقب مصيرهم بعد فقدان أي أثر لهم، علاوة على الخسائر التي قد تصيب العلاقات المغربية- الإسبانية جراء آثار هذه الأزمات.
ويقول كريم عايش في هذا السياق إن الشباب الراغب في الهجرة غير النظامية يبقى الخاسر الأكبر لأنه يواجه أخطار الغرق والإصابات والاستغلال، فضلاً عن التبعات القانونية التي قد تنتهي بالإعادة للبلد الأصلي أو الحرمان من فرص الهجرة النظامية.
وعلى الجانب المغربي، خلفت الأزمة المذكورة ثمناً إنسانياً باهظاً، بعدما سقط عدد من الضحايا غرقاً أو أثناء محاولات العبور، بينما استمرت عمليات البحث عن مفقودين والتعرف إلى جثامين جرفتها الأمواج إلى السواحل الشمالية. كذلك وجدت آلاف الأسر نفسها أمام حال من القلق والترقب في انتظار معرفة مصير أبنائها.
وفي وقت حصرت السلطات المغربية عدد قتلى الهجرة الجماعية نحو سبتة في 11 قتيلاً، مترقبة ما سيصلها من جرد وإحصاءات من الطرف الإسباني، أفاد هذا الأخير بأن عدد القتلى بلغ 72 مهاجراً في الأقل.
ومن جهة أخرى، لفت عايش إلى أن العلاقات المغربية - الإسبانية تتضرر كلما تحولت هذه الوقائع إلى مادة للتجاذب السياسي أو الإعلامي، على رغم أن البلدين راكما خلال الأعوام الأخيرة مستوى متقدماً من التعاون الأمني في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يكمل المحلل، تأثرت مدينة سبتة بدورها جراء الاضطرابات الأمنية وما رافقها من تراجع في النشاطين التجاري والسياحي، فيما يتحمل المغرب كلفة مالية ولوجستية إضافية مرتبطة بالمراقبة الحدودية والتدخلات الأمنية والرعاية الاجتماعية للمهاجرين الموقوفين.
وخلص عايش إلى أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، وإنما تقتضي، في الآن نفسه، تعزيز التنمية وخلق فرص الشغل، إضافة إلى تعميق التعاون المغربي - الإسباني والأوروبي، إذ إن أمن المنطقة يظل في نهاية المطاف مرتبطاً بأمن الإنسان وآفاقه الاقتصادية والاجتماعية.
وتظل الخسارة الكبرى التي خلفتها أزمة سبتة هي خسارة الإنسان، مهاجرون قضوا أو فُقدوا، وأسر تتجرع آثار الموت والفقدان، وهي ندوب إنسانية ونفسية غائرة تفوق بكثير سائر الخسائر الاقتصادية والضغوط الأمنية.