Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة سبتة ترسخ خطاب الكراهية "اليميني" ضد المهاجرين

راجت تصريحات لقياديين في حزب فوكس حول أن الهجرة تهدد الهوية الإسبانية والقيم الأوروبية وربطتها بارتكاب الجرائم وانعدام الأمن المجتمعي

رصدت منظمات حقوقية إسبانية ارتفاعاً في منسوب الكراهية والتمييز في الخطابات المنتشرة عبر وسائل الإعلام (أ ف ب)

ملخص

أزمات الهجرة غير النظامية، وحتى الهجرة القانونية، تعد فرصة سياسية سانحة للتيارات اليمينية والشعبوية في إسبانيا وأوروبا لإعادة إنتاج أيديولوجيتها وخطاباتها حول مسألة الهجرة والهوية.

تجاوزت ارتدادات التدفقات الجماعية للمهاجرين غير النظاميين نحو مدينة سبتة، الخاضعة للسيادة الإسبانية، حدود الأزمة الإنسانية والأمنية، لتخلق تفاعلات سياسية وإعلامية قوية في إسبانيا وأوروبا، من خلال تصدر قضايا الهجرة والهوية والحدود واجهة الجدل والنقاش العام.

وفي سياق هذه النقاشات والسجالات العارمة، برزت موجة من الخطابات التي تتسم بالتمييز العنصري والكراهية والتحريض على الإقصاء ضد المهاجرين، متجسدة في حملات رقمية وتقارير صحافية وتصريحات لقادة اليمين المتطرف، ليتحول المهاجرون السريون، كما في كل أزمة مشابهة، إلى "أكباش فداء" في الصراعات السياسية.

سردية الكراهية

لم تكد مدينة سبتة تلملم جراحها وتطوي التبعات الأمنية والاجتماعية للاقتحامات الجماعية لآلاف المهاجرين غير النظاميين قبل أيام مضت، حتى انطلقت موجة من الخطابات تنطوي على منسوب غير قليل من الكراهية والتمييز العنصري ضد المهاجرين غير النظاميين.

وتسببت أحداث سبتة في تصاعد لافت للخطاب المعادي للمهاجرين غير النظاميين في إسبانيا، وداخل بلدان أخرى، من لدن أحزاب يمينية متطرفة على وجه الخصوص، موظفةً في ذلك وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في نشر صور وسرديات غذت خطاب الكراهية والتمييز.

وراجت تصريحات وخطابات لقياديين من اليمين الإسباني، وبخاصة في حزب فوكس، عدت أن الهجرة تهدد الهوية الإسبانية والقيم الأوروبية، وربطتها بارتكاب الجرائم وانعدام الأمن المجتمعي، لكن من دون تقديم أدلة واقعية على هذا الربط.

ووصف قياديون في أحزاب المعارضة الإسبانية ما حصل في سبتة من اقتحامات جماعية لآلاف المهاجرين غير النظاميين بأنه "غزو منظم"، مما يستدعي، حسب رأيهم، الإغلاق الكامل للحدود، والطرد الفوري لهؤلاء المهاجرين، وتكثيف المظاهر العسكرية في سبتة ومليلية.

ولم تقف مطالب عدد من الجهات في إسبانيا عند هذا الحد، بل طالبت الحكومة الإسبانية بعدم إجراء أي تسوية قانونية لأوضاع المهاجرين غير النظاميين، وذلك في خضم العملية التي أطلقتها مدريد أخيراً لتسوية أوضاع آلاف المهاجرين السريين في البلاد.

 

وكانت حكومة مدريد قد أطلقت، قبل أشهر قليلة، عملية استثنائية لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين الموجودين داخل البلاد، بموجب مرسوم ملكي صدق عليه مجلس الوزراء الإسباني في الـ14 من أبريل (نيسان) الماضي، وهي العملية التي أثارت، بعد أحداث سبتة، انتقادات كبيرة من عدة بلدان في الاتحاد الأوروبي.

ورصدت منظمات حقوقية إسبانية ارتفاعاً في منسوب الكراهية والتمييز والإقصاء في الخطابات المنتشرة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ضد المهاجرين، من بينها عبارات مثل "الدفاع عن أوروبا من الغزو"، و"لا مكان للمهاجرين بيننا"، و"ضرورة إرجاع المغاربة إلى بلدهم الأصلي"، و"المهاجرون يهددون هويتنا وديموغرافيتنا"، وغيرها من الخطابات التمييزية.

"أمننة الهجرة"

أفاد المحلل والباحث في قضايا الهجرة يونس مفيد بأن أزمات الهجرة غير النظامية، وحتى الهجرة القانونية، تعد فرصة سياسية سانحة للتيارات اليمينية والشعبوية في إسبانيا وأوروبا لإعادة إنتاج أيديولوجيتها وخطاباتها حول مسألة الهجرة والهوية.

وأوضح المتحدث أن المشاهد المأسوية لآلاف المهاجرين وهم يقتحمون معبر سبتة بالهتاف "تحيا إسبانيا"، ورفع شارات النصر، والسجود حمداً لله، فضلاً عن صور الأحذية وحتى الجثث التي تطفو على مياه البحر، كلها كانت مادة بصرية رمزية قوية وفتاكة، جاءت على طبق من ذهب لتلك الجهات اليمينية لإقناع الإسبان والأوروبيين بأن هويتهم مهددة، وأمنهم القومي مهدد، وحدودهم الأوروبية سهلة الاختراق.

وشدد الباحث على أن الأحزاب اليمينية، ومن يساند مواقفها وأيديولوجيتها، تلعب دائماً على وتر حساس لدى الأوروبيين، وهو إثارة المخاوف الجماعية التي تهدد كينونة الفرد والمجتمع الأوروبي، وإعطاؤه صورة مضببة ومضللة عن واقع الهجرة، بفصلها عن أسبابها الاجتماعية والاقتصادية وحصرها في كل ما هو أمني، وهو ما ينعت بفكرة "أمننة الهجرة".

واستطرد مفيد بأن "هذه الأحزاب والتيارات والقيادات اليمينية، ومن يسير في ركبها، تقدم نفسها أمام الرأي العام الداخلي على أنها المنقذ الوحيد للهوية المهددة من لدن المهاجرين، وذلك لتحقيق مكاسب سياسية في المعارك الانتخابية المرتقبة، ليصير بذلك المهاجرون ورقة سياسية رابحة، وكبش فداء تعلق عليه أزمات داخلية لا ترتبط بهم مباشرة".

ولا تتوقف التداعيات السلبية على صورة ووضعية المهاجرين عند هذا الحد، يردف المحلل، إذ إن "الأحزاب التقليدية تجد نفسها، أمام غلبة حجة التيارات الشعبوية ورواج خطابات الهوية والإقصاء والتشدد ضد المهاجرين، مضطرة إلى مسايرة هذا الطرح حتى لا تظهر أمام الرأي العام الداخلي على أنها متساهلة في هذا الملف الشائك".

ونبه المتحدث إلى أن مشكلات داخلية، مثل ارتفاع الأسعار والبطالة، صارت تلصق بالمهاجرين باعتبارهم شريحة اجتماعية ضعيفة سهلة الاستهداف من الناحية الاجتماعية والحقوقية، لتنتعش خطابات الكراهية والتنقيص والتمييز، وتصبح جزءاً من الخطاب السياسي والإعلامي اليومي، وهو ما يهدد قيم التعايش ويمنح الشعبوية شرعية متزايدة كلما تكررت الأزمات الحدودية.

جذور خطاب الكراهية

في السياق، يرى المتخصص في العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، خالد شيات، أن خطاب الكراهية والتمييز العنصري ضد المهاجرين لا يمكن اختزاله في ردود فعل ظرفية أو أحداث معزولة، بل يعد جزءاً من منظومة اجتماعية وثقافية.

وتابع شيات بأن "هذا النمط من الخطاب ينهل، في الوقت نفسه، من منظومة سياسية راسخة داخل عدد من الدول الأوروبية"، مكملاً أن "بعض القوى السياسية تستثمر هذا الخطاب بصورة أساس لتعزيز مواقعها الانتخابية وحشد التأييد الشعبي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف شيات أن اليمين الأوروبي، ولا سيما ما يوصف باليمين المتطرف، جعل من معاداة الأجانب أحد المرتكزات الأساس لخطابه السياسي، إذ يوجه انتقاداته لكل ما يعده خارج المنظومة الحضارية والثقافية الغربية الأوروبية، مبرزاً أن هذا التوجه ليس وليد الأعوام الأخيرة، بل يمتد إلى عقود طويلة، وربما إلى مراحل تاريخية أقدم، ارتبطت بتغليب الانتماء الوطني الضيق ورفض كل ما يأتي من خارج الحدود.

وتابع المتحدث أن هذه النزعات تتعزز مع تزايد موجات الهجرة والتحولات الديموغرافية التي تعرفها أوروبا، مشيراً إلى أن الخطاب المعادي للمهاجرين، وبخاصة في إسبانيا تجاه المغاربة، يستند في كثير من الأحيان إلى مصطلحات وصور نمطية ذات جذور تاريخية ولغوية، تقوم على مهاجمة كل ما هو مغربي أو مسلم، وهو ما يجد صداه في خطاب اليمين الإسباني الذي يجعل من الهجرة إحدى قضاياه المحورية.

وأكد المتخصص في العلاقات الدولية أن تصاعد هذا الخطاب يرتبط أيضاً بالاستحقاقات الانتخابية، موضحاً أنه كلما اقتربت مواعيد الانتخابات ارتفعت حدة استثمار خطاب الكراهية، وتصاعدت الدعوات الرافضة للهجرة والمهاجرين، إلى جانب الترويج لكونهم يشكلون تهديداً للدولة وللقيم التي تقوم عليها، وفق تصور هذه التيارات السياسية.

وخلص شيات إلى أن أخطر ما يفرزه هذا المسار يتمثل في تكريس خطاب يتعارض مع قيم التعايش والشراكة بين ضفتي المتوسط، لافتاً إلى أن تنامي نفوذ التيارات اليمينية المتشددة يقابله تراجع صوت المدافعين عن قيم العيش المشترك والاستمرارية الإنسانية، وهو ما يتيح لهذه القوى استثمار الأزمات والظروف الاستثنائية لتعزيز حضورها الثقافي والاجتماعي والسياسي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير