ملخص
بينما يتبادل 4 أشقاء الحراسة الليلية لمنزلهم فوق تلة بعيدة بقضاء جنين، يرسم المشهد الميداني في شمال الضفة الغربية تحولاً خطراً، حيث يلتهم التوسع الاستيطاني المتسارع ما تبقى من أراضٍ ومزارع، تحت مظلة حكومية إسرائيلية أطاحت عملياً اتفاقات "أوسلو"، وأعادت فتح المستوطنات المخلاة منذ 2005. وأمام هدم المتاجر، وإغلاق الطرق الزراعية بالركام، ونشر القواعد العسكرية في عمق المنطقتين "أ" و"ب"، يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين بين مطرقة التجريف اليومي وسندان فرق الحراسة الاستيطانية المسلحة، وسط معدل اعتداءات بلغ 6 حوادث يومياً خلال 2026، ليتحول الخوف على الأطفال والمستقبل إلى واقع يومي يعيشه أهالي المنطقة.
لم يذهب الفلسطيني أمير رحال وإخوته الثلاثة إلى أعمالهم منذ أسابيع، إذ يتناوبون بدلاً من ذلك على حراسة ما تبقى من أرضهم فوق تلة في الضفة الغربية المحتلة، خشية تعديات مستوطنين يقيمون في الجوار.
يقول رحال، وهو أب لثلاثة أطفال يبلغ 31 سنة، مشيراً إلى سقف منزل جاهز نصبه مستوطن حديثاً على بعد 100 متر من منزله، "نحن أربع إخوة نعيش هنا، لا نغادر المنزل جميعنا دفعة واحدة، اثنان يغادران واثنان يبقيان".
ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية "سرقوا الدجاج، وأخذوا أراضي الزيتون، وباستخدام مركباتهم الرباعية الدفع أتلفوا شجيرات الميرمية في فناء المنزل، وأدخلوا أغنامهم إليه، وسرقات واعتداءات كثيرة".
وخلال الأسبوع الماضي مد مستوطنون من مستوطنة "عيمق دوتان" الإسرائيلية التي أنشئت حديثاً أسفل منزله مباشرة، حبلاً عبر أرضه ومنعوه وأفراد عائلته من تجاوزه.
وتقع مزرعة للدجاج والعديد من أشجار الزيتون في الجهة الأخرى من الحبل، وباتت عائلة رحال محرومة منها تحت تهديد العنف.
ويقول رحال "نخشى أن يهاجموا الأطفال، أو يحرقوا أحد المنازل، أو يهاجمونا ليلاً ويقتحموا البيوت"، على غرار ما حصل في قرى أخرى في الضفة الغربية انتقل مستوطنون للإقامة فيها.
وباتت هذه الحوادث شائعة في أنحاء الضفة الغربية، إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بتسجيل ما معدله ست حوادث يومياً في 2026 مرتبطة بمستوطنين في الضفة الغربية.
وتشمل هذه الحوادث السرقة والتخريب وإضرام النار والضرب، وأحياناً القتل، فيما يشكو الفلسطينيون من أن معظم الجرائم المرتكبة بحقهم تمر من دون عقاب.
"إلغاء أوسلو"
كان شمال الضفة الغربية، حيث تنتشر تجمعات فلسطينية كثيرة مقابل عدد قليل من المستوطنين، بمنأى نسبياً عن هذه التوترات. وبموجب خطة فك الارتباط التي أقرها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون عام 2005، أخليت أربع مستوطنات معزولة هي حومش وسانور وغانيم وكاديم، بهدف إيجاد مساحة فلسطينية متصلة جغرافيا داخل الضفة الغربية.
لكن في ظل الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، وهي الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، عاد المستوطنون خلال 2026 تباعاً إلى المواقع التي أخليت، والتي لطالما شكل التخلي عنها موضع استياء في أوساط الحركة الاستيطانية.
وأضفت خطة أقرت في ديسمبر (كانون الأول) الشرعية الإسرائيلية على 17 مستوطنة إضافية في شمال الضفة الغربية، مع هدف معلن يتمثل في ربطها بعضها بالبعض الآخر، في خطوة أخرى تتعارض مع اتفاقات أوسلو التي تم التوصل إليها خلال عملية السلام في تسعينيات القرن الماضي.
وفيما تعد جميع المستوطنات المقامة على أراضٍ محتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، أتاحت اتفاقات أوسلو لإسرائيل مواصلة بناء المستوطنات وهدم مبانٍ فلسطينية، لكن في المنطقة "ج" فقط، التي تشكل 60 في المئة من الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإسرائيلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينظر اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى الاتفاق على أنه من مخلفات الماضي، ويدعو إلى بناء مستوطنات في أنحاء الضفة الغربية كلها.
وسبق لوزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموطريتش، وهو نفسه مستوطن، أن دعا في مناسبات عدة إلى "إلغاء أوسلو".
وباستثناء القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل، يعيش حالياً نحو 500 ألف مستوطن في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967، إلى جانب ثلاثة ملايين فلسطيني.
ويخشى الفلسطينيون في محيط جنين من أن تكون خطوط حمراء كثيرة قد تم تجاوزها.
وفي مدينة جنين نفسها، وهي كبرى مدن ذلك الجزء من شمال الضفة الغربية، أقيمت قاعدة عسكرية في المنطقة "أ"، وهي الجزء من الضفة الذي يفترض أن يخضع للسيطرة الفلسطينية.
ويرافق كل مستوطنة هدم لمبان، لكن الفلسطينيين كانوا حتى الآن يعتبرون أن المنطقتين "أ" و"ب" (والأخيرة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية والإدارة المدنية الفلسطينية) آمنتان نسبياً. ولم يعد الأمر كذلك.
في أغسطس (آب)، هدمت القوات الإسرائيلية عدداً من المتاجر الواقعة ضمن مسافة 30 متراً من طريق يؤدي إلى غانيم وكاديم، حيث وصلت حديثاً بشبكة الكهرباء مقطورات للمستوطنين تشبه مجمعات المنازل المتنقلة الأميركية، وبدأ أول قاطنيها بالانتقال إليها.
ويقول براء الدمج، صاحب متجر للمنتجات الحجرية جرى هدمه، "جاؤوا إلينا مباشرة وسلمونا أمراً رسمياً بإخلاء المتجر فوراً، قبل هدمه".
ويضيف "في لحظة واحدة جاء الاحتلال وقرر أن يهدم المنشأة، ويهدم أحلامنا وطموحاتنا الموجودة فيها"، مشيراً إلى أنه لاحظ تزايدا في الوجود العسكري بعد إقامة قاعدة عسكرية جديدة أخرى عند مدخل غانيم.
"محاصرون"
لا يزال محمد، الذي نجا منزله القريب من الهدم، يخشى مما قد يحمله تزايد وجود المستوطنين في المستقبل.
وطلب محمد عدم الكشف عن اسمه الكامل لأسباب أمنية. وقال إن الجيش احتجز ابنه وضربه أخيراً أثناء سيره في أرضهم، وإن العائلة لم تعد قادرة على الوصول إلى قطعة أرض ثانية تملكها في الجهة الأخرى من الطريق الجديد للمستوطنين.
وأغلقت جرافات الجيش معظم الطرق الزراعية بالركام، مما أثار مخاوف السكان من عزلهم وقطع طرق الوصول إليهم.
وفي قرية دير أبو ضعيف، فإن فقدان القدرة على استخدام الطريق يعني انقطاع الوصول إلى مدينة جنين.
ويقول فايز حاتم رواجبي، الذي هدم متجره للمنتجات الزراعية قرب طريق المستوطنين، "والله، إن الوضع اليوم مخيف لنا ولأطفالنا، نحن محاصرون من كل الجهات".
ويشكو رواجبي (38 سنة) من أن فرق الحراسة المسلحة التابعة للمستوطنات بدأت تضايق السكان وتدقق في بطاقات هوياتهم كما لو أنها جهة رسمية.
ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية فيما كانت المركبة تمر أمامه "هذه هي الشاحنة البيضاء التي ترعبنا وترعب المنطقة الشرقية (من جنين) بأكملها". ويتابع "لقد تحول كل شيء هنا إلى مستوطنات. لقد قلبوا حياتنا رأساً على عقب ولا نعرف أين المفر".