Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زلزال سبتة: هزة ثقة للمقاربة الأمنية المعتمدة ضد الهجرة

الإجراءات قد تنجح في الحد من بعض مظاهر العبور غير النظامي لكنها تظل عاجزة عن معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة والمجازفة بحياتهم

يرى باحثون وخبراء أن التعامل مع التصدي للهجرة السرية صوب سبتة من زاوية أمنية بحتة لم يعد كافياً (أ ف ب)

ملخص

يعتقد محللون أن بعض التدابير الأمنية قد تنقل الأزمة نحو مسارات جديدة بدل إنهائها.

أظهرت أحداث العبور الجماعي الأخيرة لآلاف المهاجرين غير النظاميين نحو مدينة سبتة الواقعة فوق التراب المغربي، والخاضعة للإدارة الإسبانية، مرة أخرى، محدودية المقاربة الأمنية في كبح هذه الهجرة، بعدما بينت أن تشديد الإجراءات الحدودية لا يحول دون تكرار محاولات الاقتحامات الجماعية، ولا يعالج الأسباب التي تدفع مئات إلى المجازفة بحياتهم.

ويرى باحثون وخبراء أن التعامل مع التصدي للهجرة السرية صوب سبتة من زاوية أمنية بحتة لم يعد كافياً، داعين إلى اعتماد رؤية متكاملة توازن بين حماية الحدود ومعالجة الأسباب البنيوية للهجرة، بما يشمل التنمية واحترام حقوق الإنسان وتعزيز آفاق الهجرة النظامية والتعاون بين ضفتي المتوسط.

مواقف الداخلية والأحزاب

وأقرت السلطات المغربية وأحزاب سياسية مغربية أيضاً عبر بلاغات متواترة، بعد عودة الحياة تدريجاً لطبيعتها في مدينة سبتة ومحيطها، بأن التعاطي الأمني لمواجهة الهجرة غير النظامية أمر ضروري وحتمي، لكنه يحتاج إلى تعاضد مقاربات أخرى تقوي وتعضد هذه السياسة.

وفي أول خروج رسمي للتعليق على أحداث اقتحام معبر سبتة وسقوط عدد من الأرواح قدرها الجانب المغربي في 11 حالة وفاة، والجانب الإسباني في 72 ضحية، أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية أن "تدبير ظاهرة الهجرة لا يمكن أن يحصل إلا في إطار مقاربة شمولية تقوم على المسؤولية المشتركة والتضامن الفعلي وتقاسم الأعباء".

واهتمت الداخلية المغربية بما هو "تقني وأمني" أكثر من غيره في هذا الملف، إذ أكدت أن المملكة ستظل شريكاً موثوقاً ومسؤولاً، ملتزماً بتعزيز التعاون والتنسيق الدولي في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، مع مواصلة اتخاذ جميع التدابير الكفيلة بحماية النظام العام وصون أمن الحدود وضمان سلامة الأشخاص والممتلكات.

ولم يفت الداخلية المغربية الإشادة بأدوار السلطات الأمنية والعمومية، بفضل "اعتماد مقاربة استباقية وشمولية، قامت على الرصد المبكر، ورفع درجات اليقظة والتعبئة، وتعزيز جاهزية مختلف المصالح الأمنية، إلى جانب تكثيف المراقبة البرية والبحرية، وهو ما مكن من التحكم في مجريات الأحداث وحماية الأرواح وصون النظام العام وتأمين الحدود".

بدوره، ثمن حزب "الأحرار" الذي يقود الحكومة "بمهنية وحكمة"، بحسب متابعين للملف، دور السلطات المغربية في تدبير الأزمة، على رغم حساسية الظرف وما رافقه من تحديات وضغوط، مبرزاً أن "ظاهرة الهجرة غير النظامية تمثل تحدياً دولياً مركباً يستدعي مقاربة واقعية وشاملة، قائمة على تقاسم المسؤولية بين مختلف الأطراف المعنية".

من جهته، أفاد حزب "الأصالة والمعاصرة" المشارك في الحكومة بأن الهجرة غير النظامية تمثل تحدياً تواجهه مختلف الدول الحدودية، مما يفرض، بحسبه، اعتماد مقاربة شمولية قائمة على التعاون الدولي الحقيقي بين بلدان الشمال والجنوب، وتقاسم المسؤوليات والاعتراف بالجهود المتبادلة.

وأما حزب "التقدم والاشتراكية" (المعارض) فدعا إلى مقاربة أكثر شمولية لمواجهة الهجرة السرية، قائمة على مراجعة النموذج الاقتصادي بما يسمح بإحداث تحول هيكلي قادر على خلق الثروة ومناصب الشغل، وإرساء نموذج اجتماعي يحقق العدالة في توزيع الخيرات، إلى جانب تعزيز الثقة في المؤسسات وإعادة الاعتبار للأحزاب السياسية".

"أمننة الهجرة"

وفي هذا الصدد، يرى باحثون أن أحداث سبتة الأخيرة أعادت طرح حدود المقاربة الأمنية في تدبير الهجرة غير النظامية، بعدما أظهرت أن الاعتماد على التشديد الأمني وحده لا يمنع تكرار محاولات العبور الجماعي، بل يكشف أيضاً عن هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة بين المغرب وشركائه الأوروبيين.

يرى إحسان الحافظي، باحث في السياسات الأمنية، أن أحداث سبتة الأخيرة كشفت عن هشاشة الاتفاقات الأمنية المبرمة بين المغرب من جهة، وإسبانيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، مبرزاً أنه لا يمكن تصور قدرة الأجهزة الأمنية على التصدي لتدفقات تضم آلاف المهاجرين المغاربة ومنحدرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

وأوضح المتكلم ذاته أن مثل هذا التعاطي الأمني يفضي إلى تغذية صراع غير متكافئ، فضلاً عن كونه قد ينتهك أبسط حقوق الإنسان.

وأضاف الحافظي أن ما يعرف بـ"أمننة الهجرة" يمثل في الأصل خياراً سياسياً تبنته دول الاستقبال، ولا سيما داخل الاتحاد الأوروبي، في ظل تصاعد نزعات متطرفة غذت خطاب التخويف من المهاجرين وتصويرهم باعتبارهم تهديداً أمنياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت المحلل نفسه إلى أن هذا الخطاب يسهم في تعزيز السلوكيات العدائية التي تمارسها جماعات متطرفة ضد المهاجرين، وهو ما يتجلى، بحسبه، في الاعتداءات التي تستهدف المهاجرين داخل مدينة سبتة.

وفي المقابل، أكد الباحث في السياسات الأمنية أن التعاون الأمني المغربي - الإسباني يشكل إحدى الركائز الأساسية للتنسيق بين الرباط ومدريد، إذ يشمل مكافحة مختلف الجرائم العابرة للحدود والتصدي للتهديدات التقليدية والناشئة، بما يعزز الأمن الإقليمي على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

وشدد الحافظي على أن "ملف الهجرة يظل، على رغم مستوى التقارب السياسي والأمني بين البلدين، إحدى القضايا الخلافية المزمنة التي تؤدي بين الحين والآخر إلى توتر العلاقات الثنائية، كما حدث خلال أزمة عام 2021.

عوامل عميقة حاسمة

ومن زاوية أخرى، يرى خبراء في قضايا الهجرة أن الإجراءات الأمنية على رغم دورها في ضبط الحدود، لا تستطيع معالجة العوامل العميقة التي تدفع آلاف الشباب إلى المجازفة بحياتهم، مما يجعل الظاهرة تتجدد بأشكال ومسارات مختلفة.

في السياق، أكد محمد بن عيسى، مدير مرصد الشمال لحقوق الإنسان وخبير في مجال الهجرة، أن الأحداث التي شهدها معبر باب سبتة أخيراً تؤكد، مرة جديدة، أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت درجة تشددها، لا تشكل حلاً مستداماً للهجرة غير النظامية، ويعتقد أنها قد تؤدي، في كثير من الأحيان، إلى نقل الأزمة نحو مسارات جديدة بدل إنهائها.

وأوضح بن عيسى أن الإجراءات الأمنية قد تنجح في الحد من بعض مظاهر العبور غير النظامي على المدى القصير، لكنها تظل عاجزة عن معالجة الأسباب البنيوية التي تدفع آلاف الشباب إلى المخاطرة والمجازفة بحياتهم.

وأبرز المتحدث أن هذه الأسباب تتمثل أساساً في الفقر والبطالة وفقدان الأمل واتساع الفوارق الاجتماعية وضعف الثقة في المستقبل، إضافة إلى التأثير المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي وشبكات تهريب المهاجرين، التي تواصل تغذية الرغبة في الهجرة.

كذلك سجل الخبير في مجال الهجرة أن التعويل على المقاربة الأمنية، بمفردها، لا يأخذ في الاعتبار التعامل مع الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أصبحت عاملاً مؤثراً في تنامي الرغبة بالهجرة غير النظامية صوب إسبانيا وأوروبا.

وذهب بن عيسى إلى أن أية سياسة فعالة في هذا المجال ينبغي أن تقوم على مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد، توازن بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان، وتجمع بين الوقاية الاجتماعية والسياسات التنموية والتواصل العمومي المسؤول والتعاون الدولي، إلى جانب اعتماد تدبير إنساني للحدود وإخضاع مختلف التدخلات للمساءلة والرقابة.

المعطى الحقوقي والانسياق الجماعي

وفي السياق نفسه، يؤكد حقوقيون أن مواجهة الهجرة غير النظامية تستدعي تجاوز المقاربة الأمنية الصرفة نحو رؤية شاملة توازن بين إنفاذ القانون والتنمية واحترام حقوق الإنسان، بما يحد من الأسباب التي تغذي الظاهرة على المدى البعيد.

وعد عبدالإله الخضري، مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان، أن المقاربة الأمنية، على رغم أهميتها في إنفاذ القانون وضبط الحدود وصون السيادة الوطنية، تبقى غير كافية بمفردها لمواجهة الهجرة غير النظامية، لأنها تقتصر على معالجة المظاهر الخارجية للظاهرة، فيما تغفل جذورها العميقة.

وأفاد الخضري بأن استمرار عوامل الفقر وانسداد الآفاق يدفع الهجرة غير النظامية إلى ابتكار منافذ جديدة أكثر خطورة، مشيراً إلى أن الوضع يزداد تعقيداً بفعل التأثير القوي لمواقع التواصل الاجتماعي، التي تسهم في تضليل الشباب التواق إلى الهجرة عبر الترويج لصور مضللة عن واقع الهجرة، وهو ما يقود، بحسبه، إلى حالات من الانسياق الجماعي وفق ما يعرف بـ"نظرية التبعية للمسار".

وفي المقابل، شدد مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان على أن الحل المستدام يقتضي تحويل الأمن من أداة للمنع والقمع إلى وسيلة لتنظيم الظاهرة وتدبيرها. ودعا، في هذا الصدد، إلى اعتماد مقاربة تنموية تقوم على خلق فرص اقتصادية حقيقية للشباب بدل تضييقها، مع تطوير منظومة التعلم والتكوين بما ينسجم مع متطلبات سوق الشغل والأنشطة المدرة للدخل.

وأكد الناشط عينه ضرورة إرساء مقاربة حقوقية تصون كرامة المواطنين وتستجيب لمطالبهم الأساسية، إلى جانب فتح قنوات للهجرة النظامية وفق معادلة "رابح ـ رابح"، بما يحول تحديات الهجرة إلى شراكة متوازنة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات