Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سبتة ومليلة: خصوصية جغرافية وعقدة جيوسياسية مزمنة

يدير الطرفان هذا الملف وفق استراتيجية الاحتواء الهادئ وليس وفق منطق الحسم السريع

الرباط تطالب منذ عقود باستعادة جبل طارق من بريطانيا مستندة إلى مبدأ الوحدة الترابية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بتصفية الاستعمار (أ ف ب)

ملخص

سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على الخريطة، بل تمثلان فضاء جيوسياسياً بالغ الحساسية، بالنظر إلى وقوعهما في القارة الأفريقية تحت السيادة الإسبانية وعلى تخوم الاتحاد الأوروبي.

"الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا"، وهو ما يمنحهما خصوصية جغرافية وجيوسياسية استثنائية في معادلات الأمن والهجرة والعلاقات الدولية.

لم تكن مشاهد تدفق آلاف المهاجرين غير النظاميين نحو مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة حادثة حدودية عابرة، بل أعادت إلى الواجهة ملفاً يتعلق بمدينة لا تزال، منذ قرون، إلى جانب مدينة مليلة، جاثمة عند تقاطع الجغرافيا والتاريخ والسيادة، إذ تتداخل الحسابات الأمنية مع الإرث الاستعماري، وتتقاطع رهانات الهجرة مع اعتبارات السياسة الإقليمية.

وليست سبتة ومليلة مجرد مدينتين واقعتين جغرافياً فوق التراب المغربي، وخاضعتين سياسياً للإدارة الإسبانية، بل إنهما تمثلان عقدة جيوسياسية مزمنة و"مسألة مزعجة" في العلاقات المغربية - الإسبانية، فالرباط تعدهما ثغرين محتلين، بينما مدريد تنظر إليهما كونهما جزءاً من حدودها الوطنية والحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

تعقيدات تاريخية

تنتصب مدينتا سبتة ومليلة فوق مسار تاريخي طويل ومتشابك تَشكل عبر قرون من التحولات السياسية والعسكرية في غرب البحر الأبيض المتوسط، انتهى بالسيادة الإسبانية على المدينتين على رغم استقلال المملكة عام 1956.

أورد في هذا الصدد الباحث في التاريخ المعاصر عبدالمجيد ملازم أن المعطى الجغرافي للضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق منح مدينتي سبتة ومليلة مكانة تاريخية، جذبت منذ قرون قوى دولية تنافست للسيطرة عليهما من الرومان والفينيقيين والبيزنطيين، قبل أن تخضعا للحكم الإسلامي بالموازاة مع فتح الأندلس.

وأضاف الباحث أن الأطماع الأوروبية انقضت على سبتة ومليلة، إذ خضعت مليلية للسيادة الإسبانية منذ عام 1497، بينما تعود السيطرة الإسبانية على سبتة، بصيغتها القانونية المعترف بها، إلى عام 1668، بعدما خضعت للحكم البرتغالي منذ عام 1415، قبل انتقالها إلى التاج الإسباني.

وتتشابك المسألة التاريخية للمدينتين بين الطرفين، وفق ملازم، عندما يتمسك كل طرف بروايته التاريخية التي يستند إليها لإثبات أحقيته وحجيته، فإسبانيا تقول إنها تواجدت في المدينتين حتى قبل تأسيس الدولة المغربية الحديثة، مما ينفي أنهما مستعمرتان، لكن الرباط تؤكد أن روابط البيعة بين السلاطين والسكان برهان قوي على سيادة المملكة على سبتة ومليلة.

واستطرد المتحدث بأن المغرب لم يقف مكتوف الأيدي أمام خضوع مدينتين تقعان فوق ترابه وتحت سمائه لسيادة مدريد، بل حاول استعادتهما عند اندلاع الحرب بين البلدين في القرن الـ19، وتحديداً عام 1859، لكنها حرب رسخت أكثر سيطرة إسبانيا على المدينتين السليبتين بتحديد حدود جديدة حينها.

ووفق الباحث في التاريخ، فإن المغرب منذ استقلاله عام 1956 اهتم بملف سبتة ومليلة، وأكد مراراً أن استكمال وحدته الترابية يمر، بعد ملف الصحراء، عبر استرجاع سبتة ومليلة، بل إنه بادر عام 1963 إلى إدراج هاتين المدينتين ضمن ملف تصفية الاستعمار من دون جدوى حتى اليوم.

ويشكل ملف جبل طارق أحد أبرز مكامن التناقض عند مقارنة موقف إسبانيا من سبتة ومليلة بموقفها من الأراضي الخاضعة لسيادة دول أخرى. فالرباط تطالب، منذ عقود، باستعادة جبل طارق من بريطانيا، مستندة إلى مبدأ الوحدة الترابية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بتصفية الاستعمار، وترى أن استمرار الوجود البريطاني في هذه الصخرة وضع استعماري ينبغي إنهاؤه.

وفي المقابل، يستند المغرب إلى المنطق ذاته في مطالبته باسترجاع سبتة ومليلة، ويردد أن وجود جيبين إسبانيين في شمال المملكة يتعارض مع مبدأ استكمال وحدته الترابية، بيد أن إسبانيا ترفض هذا القياس بحجة أن وضع جبل طارق يختلف قانونياً عن وضع المدينتين.

تعقيدات جغرافية

بعيداً من التاريخ وقريباً من المسألة الجغرافية، يرى المتخصص في مجال العلوم السياسية بجامعة مراكش محمد بنطلحة الدكالي أن سبتة ومليلة ليستا مجرد نقطتين على الخريطة، بل تمثلان فضاء جيوسياسياً بالغ الحساسية، بالنظر إلى وقوعهما داخل القارة الأفريقية تحت السيادة الإسبانية وعلى تخوم الاتحاد الأوروبي.

وأبرز الدكالي أن المدينتين توصفان اليوم بأنهما "الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع قارة أفريقيا"، وهو ما يمنحهما خصوصية جغرافية وجيوسياسية استثنائية في معادلات الأمن والهجرة والعلاقات الدولية.

وأردف المحلل أن المفارقة تكمن في أن سبتة ومليلة تبدوان، للوهلة الأولى، امتداداً طبيعياً للمجال المغربي، بحكم اتصالهما الجغرافي المباشر بالتراب الوطني، على رغم خضوعهما للسيادة الإسبانية، متابعاً أن "هذا التداخل بين الجغرافيا والسيادة يجعل المدينتين في قلب نقاش سياسي وتاريخي متواصل".

وتمتد سبتة على مساحة تقارب 20 كيلومتراً مربعاً، ولا تبعد من أقرب نقطة في إسبانيا، وهي منطقة طريفة، سوى نحو 14 كيلومتراً عبر مضيق جبل طارق. أما مليلة الواقعة شرق سبتة فتبلغ مساحتها نحو 12 كيلومتراً مربعاً، وتفصلها عن مدينة ألميريا الإسبانية مسافة بحرية تصل إلى نحو 179 كيلومتراً، مما يعكس اختلافاً واضحاً في موقع كل من المدينتين بالنسبة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية.

يؤكد الأستاذ الجامعي أن هذا الموقع الاستثنائي عند المدخل الجنوبي لمضيق جبل طارق منح سبتة ومليلة أهمية استراتيجية كبيرة، وجعلهما خارج دائرة الاستقرار منذ تحولتا إلى بوابتين بريتين لأوروبا في قلب شمال أفريقيا، إذ تداخلت فيهما الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، لفت الدكالي إلى أن موقع المدينتين حولهما إلى إحدى أبرز نقاط عبور المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا، مما جعلهما أيضاً ملفاً شديد الحساسية في العلاقات المغربية - الإسبانية، بالنظر إلى ما يفرضه من تحديات أمنية وإنسانية ودبلوماسية.

ومن المنظور الإسباني، أوضح المتحدث أن الطبيعة الجغرافية الخاصة للجيبين دفعت مدريد إلى تشييد أسوار حدودية معقدة، وتعزيز حضورها الأمني والعسكري بهدف التصدي لمحاولات العبور الجماعي، خصوصاً تلك التي ينفذها مهاجرون من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.

واسترسل بأن هذه الوضعية تضع السلطات الإسبانية أمام أزمات إنسانية وسياسية متكررة، فضلاً عن تعقيدات قانونية مرتبطة بكون سبتة ومليلة تمثلان الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، كذلك تحرص مدريد في المقابل على إبقاء علاقاتها الاستراتيجية والاقتصادية متوازنة مع الرباط، تفادياً لأي توترات حدودية قد تنعكس على المصالح المشتركة.

أما من المنظور المغربي، فيردف الدكالي أن المملكة تعد سبتة ومليلة ثغرين محتلين، وتتمسك بمطلب استرجاعهما في إطار استكمال سيادتها على كامل ترابها الوطني، متابعاً أن "القرب الجغرافي للمدينتين من المدن المغربية يجعلهما نقطة جذب لعدد من الشباب الراغبين في الهجرة، وهو ما يفرض على السلطات المغربية أعباءً أمنية متزايدة للحد من محاولات العبور الجماعي نحو الأراضي الخاضعة للسيادة الإسبانية".

حسابات جيوسياسية

وأمام هذه التعقيدات والحسابات الجغرافية والتاريخية التي تطرحها مدينتا سبتة ومليلة بين المغرب وإسبانيا، يطرح كثر سؤالاً مفاده لماذا لا تسلم إسبانيا سبتة ومليلة إلى المغرب من بوابة تسوية هذا الملف، لتلافي الإشكالات الأمنية والاجتماعية والإنسانية المتعلقة بمد الهجرة غير النظامية؟

ويجيب في هذا الصدد الخبير في الشأن الاستراتيجي والجيوسياسي مولاي هشام معتضد عن السؤال بالقول، إن العلاقات الدولية لا تُدار وفق الاعتبارات التاريخية أو الجغرافية وحدها، بل وفق معادلة دقيقة تجمع بين ميزان القوة والمصالح والالتزامات الدولية والانعكاسات الأمنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشرح معتضد "بالنسبة إلى إسبانيا، تمثل سبتة ومليلة امتداداً لسيادتها الوطنية ووجودها المتوسطي، كذلك تمنحان مدريد عمقاً جيوسياسياً على الضفة الجنوبية للمتوسط داخل المنظومة الأوروبية وحلف شمال الأطلسي، ولذلك فإن أي حديث عن التخلي عنهما لا ينظر إليه في مدريد كتنازل جغرافي، بل كسابقة سيادية قد تمتد آثارها إلى ملفات أخرى تمس وحدة الدولة الإسبانية نفسها".

من جهة أخرى، بحسب المحلل، فإن الاعتقاد بأن تسليم المدينتين للمغرب سينهي تلقائياً إشكالات الهجرة أو الأمن يبقى تبسيطاً لمعادلة أكثر تعقيداً، فالهجرة غير النظامية في غرب المتوسط ليست نتيجة وجود سبتة ومليلة في حد ذاتهما، بل نتاج تفاوتات اقتصادية وديموغرافية وجيوسياسية تمتد من الساحل الأفريقي إلى أوروبا.

واستطرد المتحدث بأنه "لو تغير الوضع القانوني للمدينتين، فإن ضغوط الهجرة ستبحث عن منافذ أخرى، لأن جوهر الظاهرة يرتبط بعوامل الدفع والجذب، وليس فقط بنقطة العبور"، لافتاً إلى أن المؤسسات الأوروبية تنظر إلى سبتة ومليلة على أنهما حدود خارجية للاتحاد الأوروبي، لا مجرد مدينتين محل نزاع ثنائي.

أما من الجانب المغربي، فيؤكد معتضد أن من الخطأ الاعتقاد أن غياب التصعيد السياسي يعني التخلي عن الموقف السيادي، فالمغرب لم يتنازل قانونياً أو سياسياً عن مطالبته بالمدينتين، لكنه اختار منذ أعوام إدارة الملف بمنطق الزمن الاستراتيجي لا الزمن الإعلامي.

ووفقاً لمعتضد، فإن الدولة التي تدير ملفات سيادية كبرى تدرك أن ترتيب الأولويات جزء من هندسة السياسة الخارجية، ولهذا ركزت الرباط خلال العقدين الأخيرين على تثبيت أولوياتها الاستراتيجية، وفي مقدمها قضية الصحراء، وتعزيز مكانتها الاقتصادية والإقليمية، وبناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية، قبل فتح ملفات سيادية أخرى قد تعقد توازناتها الدبلوماسية.

حسابات استراتيجية

وشدد معتضد، من منظور الفكر الاستراتيجي، على أن جميع الجبهات لا تفتح في الوقت ذاته، لأن تشتيت الجهد يضعف القدرة على تحقيق الأهداف الكبرى، لذلك اعتمد المغرب مقاربة تقوم على بناء عناصر القوة الشاملة أولاً، وتشمل تنمية الشمال وتطوير ميناء طنجة المتوسط وتعزيز البنى التحتية ورفع الجاذبية الاستثمارية، وتكريس نفسه شريكاً أمنياً أساساً لإسبانيا والاتحاد الأوروبي.

ويرى المتخصص ذاته أن "هذه السياسة التي ينتهجها المغرب تجعل البيئة الاستراتيجية المحيطة بمدينتي سبتة ومليلة تتغير تدريجاً، من دون الدخول في منطق الأزمات المفتوحة أو المواجهة المباشرة مع إسبانيا".

ولم يفت معتضد التذكير بأن الرباط تدرك أن الملفات السيادية الكبرى لا تُحسم عادة عبر الخطابات أو الضغوط الإعلامية، وإنما عندما تتغير البيئة الجيوسياسية التي تحيط بها، مضيفاً أن "التاريخ الدولي مليء بقضايا بقيت مجمدة لعقود، ثم وجدت طريقها إلى التسوية عندما تبدلت موازين القوى أو تغيرت أولويات الدول المعنية، لذلك يراهن المغرب على تراكم عناصر القوة الاقتصادية والدبلوماسية والمؤسساتية، كونها أدوات أكثر استدامة من التصعيد الظرفي".

في المقابل، يتابع المحلل نفسه، تدرك مدريد أن علاقتها مع المغرب أصبحت ذات طبيعة بنيوية، فالمغرب اليوم ليس مجرد جار جنوبي، بل يعد شريكاً رئيساً في الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والطاقة والاستثمار والربط اللوجيستي بين أوروبا وأفريقيا.

وذهب معتضد إلى أن السياسة الإسبانية تسعى إلى منع تحول ملف سبتة ومليلة إلى مصدر مواجهة دائمة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على موقفها السيادي التقليدي، بالتالي فهي معادلة تقوم على الفصل بين الخلاف التاريخي والتعاون الاستراتيجي.

ورأى معتضد أن القراءة الأكثر دقة تفيد بأن الطرفين يديران هذا الملف وفق استراتيجية الاحتواء الهادئ وليس وفق منطق الحسم السريع، إذ إن إسبانيا ترى أن الاحتفاظ بالمدينتين يخدم تصورها للأمن والسيادة الأوروبية، والمغرب يعتقد أن تعزيز قوته الشاملة وتوسيع نفوذه الإقليمي والدولي يمنحاه، مع مرور الزمن، هامشاً أكبر لإدارة الملفات السيادية من موقع أكثر قوة وثقة.

ومضى معتضد قائلاً إن السؤال الاستراتيجي لا يصبح "متى سيطالب المغرب؟ ولماذا لا تتخلى إسبانيا؟"، بل "كيف يعيد كل طرف هندسة البيئة السياسية والإقليمية بحيث تصبح كلفة استمرار الوضع القائم أعلى من كلفة الوصول إلى تسوية مستقبلية؟"، قبل أن يخلص إلى أن "التاريخ يبين أن القضايا السيادية الكبرى لا تُحسم فقط بالحقوق القانونية، بل أيضاً بتغير موازين المصالح والبيئة الاستراتيجية التي تحكمها".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات