Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قيود الإنترنت تشتد في إيران وجهات نافذة تستفيد من برامج كسر الحجب

تجاوزت كونها مشكلة تقنية لتتحول إلى أزمة اقتصادية ومعيشية تهدد مصادر دخل ملايين

إيران في المراتب المتأخرة عالمياً في جودة الإنترنت (أ ف ب)

ملخص

يعكس تراجع إيران إلى المرتبة الـ137 عالمياً في سرعة الإنترنت عمق الأزمة، ويؤكد أن ما يحصل عليه المستخدم الإيراني يبتعد كثيراً من مفهوم خدمة الإنترنت المتعارف عليها عالمياً.

حذفت إيران من قائمة الدول المصنفة في مؤشر الإنترنت عبر الهاتف المحمول، ولم تنشر أي بيانات عنها في هذا المجال.

أدى استمرار اضطراب خدمة الإنترنت وبطء سرعتها في إيران إلى استنزاف نفسي متزايد لمختلف شرائح المجتمع، ويؤكد المستخدمون أن جودة الإنترنت الدولي لم تشهد تحسناً يذكر، بل إن الوصول إلى "الشبكة الوطنية للاتصالات" بات هو الآخر يعاني بطئاً وانقطاعات متكررة.

ولم يعد الإنترنت في إيران مجرد وسيلة للاتصال، بل تحول إلى بنية تحتية أساسية للحياة اليومية والأعمال والتعليم والخدمات المالية والتجارة، وتؤكد أحدث نتائج استطلاع أجراه "مركز الاستطلاع الرأي العام للطلاب الإيرانيين" (إيسبا - ISPA) هذه الحقيقة.

وبحسب الاستطلاع، بلغت نسبة انتشار الإنترنت بين الإيرانيين ممن تزيد أعمارهم على 15 سنة نحو 89.3 في المئة، فيما أكد أكثر من نصف المستخدمين أن مصادر دخلهم ومعيشتهم باتت تعتمد على الفضاء الإلكتروني، وتكشف هذه الأرقام عن أن أي اضطراب أو تباطؤ أو تقييد في الوصول إلى الإنترنت لم يعد مجرد مشكلة تقنية، بل أصبح يؤثر بصورة مباشرة في اقتصاد الأسر وأنشطة ملايين الإيرانيين.

ومع ذلك، لا يزال المستخدمون خلال الأشهر الأخيرة يشكون من تدني جودة الإنترنت، وعدم استقرار الشبكة، وبطء الخدمة، والقيود المفروضة على الوصول إلى عدد من الخدمات الدولية. ويأتي ذلك على رغم الوعود المتكررة التي أطلقتها الحكومة ووزارة الاتصالات بتحسين جودة الإنترنت وتخفيف القيود، وهي وعود يرى كثير من الناشطين الاقتصاديين والخبراء أنها لم تنعكس بصورة ملموسة على أرض الواقع.

الإنترنت... الركيزة الأساسية للاقتصاد الرقمي

تقدم نتائج استطلاع "إيسبا" ربما أوضح صورة لمكانة الإنترنت في الاقتصاد الإيراني، فعندما يؤكد أكثر من نصف المستخدمين أن مصادر دخلهم تعتمد على الإنترنت، فإن ذلك يعني أن المتاجر الإلكترونية ومنتجي المحتوى وشركات التكنولوجيا والمبرمجين والمترجمين ورواد الأعمال والعاملين المستقلين والناشطين في مجالات الإعلان والتعليم الإلكتروني والسياحة وخدمات النقل عبر الإنترنت، وكثير من المهن التقليدية، باتوا يعتمدون بصورة مباشرة على جودة خدمات الإنترنت.

وفي ظل هذه الظروف، لا يعني بطء الإنترنت أو تكرار انقطاعه مجرد تأخر في تحميل صفحات الويب، بل يترجم إلى تراجع في المبيعات وفقدان العملاء وتعطل المدفوعات الدولية وارتفاع كلفة استخدام برامج كسر الحجب وانخفاض إنتاجية القوى العاملة.

وقد حذر خبراء الاقتصاد الرقمي مراراً من أن الإنترنت أصبح اليوم جزءاً أساسياً من البنية التحتية للإنتاج، وأن أي قيود تفرض عليه تحدث الأثر نفسه الذي يسببه تعطل خدمات الكهرباء أو الغاز أو النقل في الاقتصاد.

قال الناشط في مجال الشركات الناشئة ميثم منتظري إن حالة عدم الاستقرار والانقطاعات المتكررة للإنترنت والظروف الاستثنائية، أثرت بصورة مباشرة في نشاط الشركات الناشئة، مشيراً إلى أن عدداً من المؤسسات التي تعتمد على الإنترنت اضطر إلى تقليص أعداد موظفيه. وأضاف أن الشركات الخاصة تعد الأكثر تضرراً من استمرار الأزمة، في ظل غياب بنية تحتية مستقرة تتيح لها مواصلة أعمالها بصورة طبيعية.

وخلال الشهرين الماضيين، تحدث وزير الاتصالات ومسؤولون حكوميون مراراً عن خطط لتحسين جودة الإنترنت، وتطوير الشبكة، ومعالجة المشكلات القائمة، إلا أن كثيراً من المستخدمين يرون أن خدمة الإنترنت لم تستعد بعد مستواها الذي كانت عليه قبل فرض القيود الواسعة.

وتبرز في هذا السياق تصريحات نائب وزير الاتصالات لشؤون السياسات والتخطيط في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاقتصاد الرقمي إحسان تشيت‌ ساز، الذي أكد أن استمرار الانقطاعات المتكررة وعدم استقرار سرعة الإنترنت يتسببان بخسائر يومية تتراوح بين 400 و600 مليار تومان (2.67 مليون و4 ملايين دولار). ومع ذلك، يبقى التساؤل قائماً حول أسباب عدم اتخاذ وزارة الاتصالات إجراءات فعالة لمعالجة المشكلة، على رغم إقرارها بحجم هذه الخسائر.

من جهة أخرى، لا تزال شريحة واسعة من الخدمات العالمية الأكثر استخداماً غير متاحة إلا عبر أدوات تغيير عنوان بروتوكول الإنترنت (IP)، وهو ما يفرض تكاليف إضافية على المستخدمين، ويؤدي في الوقت ذاته إلى تراجع جودة الاتصال. ويؤكد ناشطون في قطاع تكنولوجيا المعلومات أن جودة الشبكة تتراجع بصورة ملاحظة حتى في الفترات التي لا تفرض فيها قيود جديدة، نتيجة الاستخدام الواسع لبرامج كسر الحجب، إذ يعاد توجيه جزء كبير من حركة الإنترنت عبر مسارات غير مباشرة.

ويرى خبراء أن هذا الوضع لا ينعكس سلباً على المستخدمين العاديين فحسب، بل يفرض أيضاً تحديات كبيرة على شركات البرمجيات والشركات الناشئة ومصدري الخدمات التقنية. كذلك أن اتساع نطاق حجب المواقع والخدمات في إيران واستمرار هذه السياسة، على رغم آثارها السلبية في جودة الشبكة وأمن المستخدمين، جعلا استخدام برامج كسر الحجب ضرورة دائمة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الإيرانيين للوصول إلى الإنترنت العالمي.

ووفقاً لأحدث الإحصاءات الرسمية، يستخدم 74 في المئة من مستخدمي الإنترنت في إيران برامج كسر الحجب، وهو ما يعكس محدودية فاعلية سياسة الحجب في منع الوصول إلى الإنترنت العالمي. وفي المقابل، أسهمت هذه القيود في ازدهار تجارة مربحة لبيع برامج كسر الحجب والخوادم الوسيطة (البروكسي). ويذهب بعض الناشطين في قطاع تكنولوجيا المعلومات إلى أن استمرار عدم استقرار الشبكة واتساع نطاق الحجب يعودان لوجود جهات نافذة، بينها مؤسسات عسكرية، تستفيد من هذه السوق المربحة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إيران في المراتب المتأخرة عالمياً في جودة الإنترنت

يكشف استعراض أوضاع الإنترنت في إيران، وفق بيانات موقع "سبيد تست" (Speedtest)، عن واقع قاتم. وللمرة الأولى، وبسبب شدة عدم الاستقرار والانقطاعات الواسعة والاضطرابات الحادة، حذفت إيران من قائمة الدول المصنفة في مؤشر الإنترنت عبر الهاتف المحمول، ولم تنشر أي بيانات عنها في هذا المجال.

كذلك يعكس تراجع إيران إلى المرتبة الـ137 عالمياً في سرعة الإنترنت عمق الأزمة، ويؤكد أن ما يحصل عليه المستخدم الإيراني يبتعد كثيراً من مفهوم خدمة الإنترنت المتعارف عليها عالمياً.

ويؤكد خبراء أن سرعة الإنترنت ليست سوى جانب واحد من المشكلة، إذ تؤثر عوامل أخرى، مثل استقرار الاتصال وزمن الاستجابة (Latency) وجودة الوصول إلى الخدمات الدولية ومستوى الحجب، بصورة مباشرة في تجربة المستخدم الفعلية.

ولا يعد تقدير الخسائر الاقتصادية الناجمة عن القيود المفروضة على الإنترنت أمراً سهلاً، إلا أن مؤسسات متخصصة أصدرت خلال الأعوام الأخيرة تقارير عدة في هذا الشأن. وترى الباحثة في الاقتصاد الرقمي مريم ميرزائي أن تقييد الإنترنت لا يقتصر أثره في القطاع الخاص، بل يمتد إلى مؤسسات الدولة، من خلال تراجع كفاءة الخدمات الإلكترونية وبطء الإجراءات الإدارية وتعطل تبادل المعلومات وانخفاض الإيرادات الضريبية نتيجة ركود الأعمال. وبالتالي فإن كلفة هذه السياسة تنعكس في نهاية المطاف على الاقتصاد ككل، بل وعلى منظومة الحوكمة أيضاً.

وتضيف ميرزائي أن تجربة الأعوام الأخيرة أثبتت أن الإنترنت لم يعد سلعة كمالية أو مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح جزءاً من رأس المال الوطني وركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية. وكما لا تقدم أية دولة على تعطيل شبكة الكهرباء أو النظام المصرفي لفترة طويلة لمعالجة أزمة ما، فإن القرارات المتعلقة بالإنترنت ينبغي أن تتخذ مع مراعاة آثارها الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية.

من جهتها، أكدت "جمعية التجارة الإلكترونية في طهران" و"منظمة نقابة الحاسوب" في تقارير متعددة أن القيود المفروضة على الإنترنت أدت إلى تراجع مبيعات الشركات العاملة عبر الإنترنت، وانخفاض الاستثمارات وهجرة الكفاءات المتخصصة وتراجع صادرات خدمات التكنولوجيا.

وأوضحت الجمعية أن نحو 80 في المئة من الشركات العاملة في التجارة الإلكترونية سجلت انخفاضاً تجاوز 50 في المئة في مبيعاتها، وهو ما يعكس الأثر المباشر لانقطاع وسائل الاتصال، مثل الإنترنت والرسائل النصية، في المبيعات، والتدفقات النقدية، واستمرارية الأنشطة الاقتصادية.

كذلك قدرت دراسات وتحليلات خبراء، نشرت خلال الأعوام الأخيرة، الخسائر الناجمة عن اضطرابات الإنترنت والقيود الواسعة المفروضة عليه بمئات مليارات التومانات يومياً، بل وتجاوزت هذا المستوى في بعض الفترات، مع اختلاف حجم الخسائر تبعاً لشدة القيود ومدتها.

استياء عام... من الحياة اليومية للنشاط الاقتصادي

لم تعد الشكاوى من أوضاع الإنترنت مقتصرة على العاملين في قطاع التكنولوجيا، بل امتدت إلى المستخدمين العاديين، الذين يشكون من بطء تطبيقات المراسلة واضطراب مكالمات الفيديو وصعوبة الوصول إلى الخدمات الدولية وارتفاع كلفة شراء برامج كسر الحجب.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تكرر الحديث في منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام عن تراجع جودة الإنترنت وعدم استقرار الشبكة. ويؤكد كثير من أصحاب الأعمال الإلكترونية أن الإنترنت، وإن لم ينقطع بالكامل، فإن تراجع جودة الاتصال أدى عملياً إلى تعطيل جانب من أنشطتهم اليومية.

ويرى خبراء أن عدم استقرار خدمة الإنترنت لا يقتصر أثره على الخسائر المالية، بل يقوض أيضاً ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في الاقتصاد الرقمي الإيراني.

في المقابل، تواصل الحكومة تأكيد التزامها بتحسين جودة الإنترنت وتطوير البنية التحتية لقطاع الاتصالات، إلا أن تجربة الأشهر الأخيرة أظهرت أن جانباً كبيراً من مطالب المستخدمين، ولا سيما ما يتعلق بضمان استقرار الخدمة ورفع القيود، لا يزال بعيداً من التحقق.

وفي وقت يعتمد فيه طيف واسع من الإيرانيين على الإنترنت الدولي بصورة يومية، وترتبط به مصادر رزق ملايين الأشخاص، فإن كل يوم يتأخر فيه حل مشكلات هذا القطاع لا يمثل مجرد أزمة في الاتصالات، بل ينعكس مباشرة على النمو الاقتصادي وفرص العمل والاستثمار ومستوى الرضا العام، وقد يتحول إلى أزمة أمنية للنظام الإيراني.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير