Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جدل التغلغل الإيراني والانتماء السياسي يعزز الانقسام داخل العراق

تخلت طهران عن تصدير سرديتها عبر القنوات الفضائية والإعلام العام واتجهت بدلاً من ذلك إلى مواقع التواصل لتحقيق وصول أكبر بأسلوب مغاير وأدوات جديدة

اتسع الفضاء للولاء الطائفي وغصت شوارع المدن بصور لشخصيات غير عراقية (أ ف ب)

ملخص

"إيران بدأت عبر أحزاب موالية لها بالاستيلاء على مناصب مهمة وحساسة في الأمن والإعلام والاقتصاد، هذا كان تجهيزاً إيرانياً دقيقاً لاستخدام الموالين لها لحظة المواجهة الحتمية مع الأميركيين وتسخير موارد الدولة الاقتصادية والأمنية والعسكرية والإعلامية لهذه الحرب".

قضية ولاء الفصائل في العراق بعد دمجها باتت تطرح بقوة في الفترة الأخيرة لا سيما إثر تداول فيديوهات وتصريحات لمسؤولين عراقيين يتبوأون مراكز ومناصب تعنى بالشأن العام.

فبحسب شريحة من المواطنين، تقلص الحديث عن الوطن وتراجع مفهوم الوطنية وتفوقت الطائفة إذ بات يتسع مداها مع تأزم الظروف السياسية لتتغذى وتلقى الدعم من أصحاب السلطة والمنابر الدينية على حد سواء.

وقد تجلى ذلك بصورة واضحة مع اتساع الفضاء للولاء الطائفي حين غصت شوارع المدن بصور لشخصيات غير عراقية وتزينت جدران مكاتب حكومية بهذه الصور، وكبرت مديات الخطوط الحمراء والمقدسات لكل من يمس شخصيات معينة.

بات الحديث عن الولاء لإيران يتردد بصورة متكررة ومن دون ضبابية، وذلك على لسان شخصيات مسؤولة في الدولة، فيظهر رئيس مجلس محافظة بابل أسعد المسلماوي وهو يزور هيئة "الحشد الشعبي" مكتب بابل قائلاً "نحن حشداويون نحن إيرانيون، وكل ما أملكه أنا وعشيرتي ومنصبي مسخر لخدمة مذهبنا".

وعلى المنافذ الحدودية وعند استقبال الزوار الإيرانيين يظهر منتسب في الداخلية العراقية واضعاً صورة خامنئي على صدره وصورة مجتبى خامنئي على مكتبه، يظهر مرحباً بإحدى الزائرات من إيران مؤدياً حركات تحاكي سقوط الصواريخ هاتفاً: سيد مجتبى وليختم الجواز من دون حتى التدقيق. وغيرها كثير من الفيديوهات والصور.

الرأي القانوني

توجهنا بالأسئلة إلى الأكاديمي والباحث القانوني أسامة شهاب حمد الجعفري حول حدود القانون العراقي في التعامل مع من هم في مناصب حكومية، ويرفعون علم دولة أخرى، ويضعون صوراً لشخصيات غير عراقية أو يجاهرون بالولاء لدولة أخرى، فأجاب قائلاً "رمز الدولة هو الوحيد الذي يجب وضعه في مؤسسات الدولة"، والنظام القانوني في العراق يقوم على مبدأ أن الولاء يكون للدولة العراقية وسيادتها ودستورها، ويؤكد حماية استقلالها ووحدة أراضيها ومصالحها العليا. ومع أن الدستور العراقي لعام 2005 وقانون العقوبات رقم (111) لعام 1969 المعدل لم يستخدما مصطلح ’الولاء الخارجي‘ صراحةً، فإن أحكامهما تفصح عن رفض كل صور الارتباط بجهة أجنبية متى ترتب عليها المساس بأمن الدولة أو سيادتها أو وحدتها أو مصالحها العليا".

المشاعر الطائفية

غذت السياسة في العراق المشاعر الطائفية وتقلص الحديث عن الوطن إذ يظهر شاب من أهالي كربلاء وهو يصور جموعاً من السكان في المحافظة يرفعون العلم الإيراني، ليطرح سؤالاً هل تعرفون أي بلد هذا؟ ويرد على الجواب المستغرب قائلاً: أنا لا أعرفه... على الجانب الآخر ظهرت مبادرة رفع العلم العراقي خلال زيارة الـ40 في كربلاء للرد على حملة رفع العلم الإيراني، وكأن الوطن يحاول التمسك بغريزة الوجود والانتماء.

 

ويقول الكاتب والصحافي علي حسين إننا نعيش اليوم في ظل ما سماه "جمهورية كارهي العراق" لم نعد نضع فوارق بين الوطنية والعمالة، ويرى أن العراقيين تأملوا في أن يكون التغيير بوابتهم لتأسيس دولة القانون والمواطنة، غير أنهم اكتشفوا بعد أعوام أن الأمور تمضي، وكأن الذين يحكموننا لا يضعون العراقي في أولوياتهم. استوقفني مشهد لشخص يحمل الجنسية العراقية ويتقاضى أموالاً من العراق، يخرج على شاشة إحدى الفضائيات ليقول بكل أريحية إن العراق غير مهم بالنسبة إليه، وأنه ليس بأهمية إيران، فيما يصر آخر على أن العراق مشروع بريطاني استعماري"، يضيف حسين أن "العراق الذي بني بمشقة رجال كبار من أجل أن يكون جرماً مضيئاً في مدار الأُمم، نجد اليوم من يخرج على الفضائيات ليقول إن بلاد الرافدين لا قيمة لها".

السبب هو المحاصصة

ويرى الكاتب والصحافي علي حسين أن "ما نشاهده اليوم من مظاهر لم يكن وليد اللحظة، وإنما هو نتيجة المحاصصة التي وضع ساسة البلدان اللبنات الأولى لها. ليس غريباً أن نشاهد شباباً يسخرون من العلم العراقي، فهناك من طالب بأن يموت شباب العراق دفاعاً عن دول الجوار".

حسين يوضح أن النواب ومعهم كثير من المسؤولين لا يشغلهم سوى ما يجري خارج حدود العراق، أما ما يجري داخل حدوده فهذا لا يعنيهم، "نحن نعيش في ظل مجلس نواب يرفع شعار: الطائفية أولاً، ولهذا وجدنا نائباً يخرج على العراقيين ليسخر من العلم العراقي، ويمعن في الإساءة داخل قبة البرلمان".

وفي السياق ذاته، يشير الكاتب والصحافي أحمد الشيخ ماجد أن ما يمر به العراق حالياً هو نتيجة نظام المحاصصة الذي يحول التشابه العقائدي إلى ولاء سياسي، ومن هنا تحدث هذه الولاءات العابرة. ويعتقد ماجد أن الولاء لإيران جزء من استعراض سياسي – طائفي، يعتقد من يؤديه أنه سيمكنه من الحصول على منصب والتمتع بالهيمنة، باعتبار أن أتباع إيران واقعياً أقلية بين شيعة العراق، لكنهم يملكون النفوذ والسلاح، بوجود المحاصصة سيبقى الوضع بلا حل"، هكذا جرت الأمور.

"ليسوا مجرد خصوم سياسيين"

وحول انتشار فيديو يظهر مجموعة من أفراد "الحشد الشعبي" يتجهزون لتوزيع العلم الإيراني، يعلق أحد شباب محافظة واسط متسائلاً "كيف يوزعون أعلام دولة أخرى ويستلمون بعدها رواتب من العراق؟".

 

وتعليقاً على هذه المسألة، يصف الكاتب والصحافي كرم نعمة ما يحدث حالياً في العراق بـ"السقوط الوطني الكامل"، ويؤكد أنه لم يحدث في التاريخ السياسي الحديث أن يجهر سياسيون في بلدٍ ما بولائهم المطلق لدولةٍ أخرى كما يحدث اليوم في العراق، بلا حرج ولا حتى محاولة لتجميل العمالة أو تغليفها بشعارات سيادية، وهذا ظهر جلياً منذ اليوم الأول لاحتلال العراق عام 2003. وختم نعمة قائلاً، إن الوطن تحول بالنسبة إلى هؤلاء ساحة نفوذ، فهم ليسوا مجرد خصوم سياسيين"، بل هم نموذج لأشخاص يحملون جنسية لا يتكلمون لغتها، و"جعلوا من الدفاع عن دولة أخرى عنواناً لوجودهم في بلدٍ لم يعودوا يرونه وطناً، بل ساحة نفوذ".

أسلوب جديد

في فيديو آخر لدخول الزائرين الإيرانيين للمشاركة في زيارة الـ40 في كربلاء، يظهر مرة أخرى منتسب في الداخلية عند منفذ زرباطية الحدودي وهو يمنح ختم الدخول لمؤثرة إيرانية لتختم جوازها بنفسها. بعد هذه الحادثة وجه الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية، حسين العوادي، بتشكيل مجلس تحقيقي وجاء في بيان وزارة الداخلية "تشكيل مجلس تحقيقي بحق أحد منتسبي الوزارة إثر ظهوره في مقطع الفيديو وهو يسمح لامرأة بختم تأشيرة دخولها إلى الأراضي العراقية بنفسها، خلافاً للضوابط والتعليمات النافذة".

في هذا السياق، يسلط المراقب للشأن السياسي غسان مازن الضوء على أسباب هذه الظاهرة، ويرى أن إيران قد غيّرت سياستها بعد احتجاجات أكتوبر (تشرين الأول) وبدلاً من التركيز على الطبقة السياسية وقادة الفصائل، اتجهت إلى الطبقات الشعبية-الاجتماعية، ووصلت إلى المؤثرين والمشاهير، وزادت من إرسال مستشاريها وكثفت من حضورها الدبلوماسي في المناسبات والفعاليات الشعبية العامة. كذلك تخلت إيران عن سياسة تصدير سرديتها عبر القنوات الفضائية والإعلام العام، واتجهت بدلاً من ذلك إلى مواقع التواصل لتحقيق وصول أكبر بأسلوب مغاير وأدوات جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مازن يوضح أن نتائج هذه السياسة ظهرت في هذه المرحلة من خلال مجموعة مشاهير ومؤثرين أصبحوا يمدحون إيران علناً، أو يؤيدونها بصورة ناعمة من خلال الكتابة أو الحديث أو النشر أو اللقاءات التلفزيونية. وأن "هذا التغلغل الشعبي مهد لإعادة ترتيب بعض الأوراق في الأروقة البيروقراطية، فبعد رد فعل تشرين الذي جعل بعض المسؤولين والموظفين الحكوميين يخشون ذكر إيران أو الحديث عنها، أعاد هذا الترتيب شيئاً من الجرأة لديهم، وبعضاً من المقبولية لدى الأوساط الشعبية لمثل هذه الأحاديث والأفعال".

الزخم الشعبي المنحاز

أما الكاتب والصحافي فلاح المشعل فيرى أن "الإشكالية تكمن في أحزاب الإسلام السياسي كونها تُقدِّم مصالح العقيدة والانتماء الحزبي أو المذهبي على مصالح الوطن الذي تعيش فيه، وتستمد منه وجودها ومصالحها".

وبحسب المشعل فإن "هذه الثقافة هي التي تحكم كثيراً من أحزاب الإسلام السياسي، ومنها بعض الأحزاب الشيعية التي فقدت هويتها الوطنية العراقية، وأصبحت ترى في الانتماء إلى إيران تجسيداً لهواها الطائفي".

ويوافقه الرأي الكاتب حسن إبراهيم القاضي، إذ يرى أن "العلاقة مع إيران أصبحت أكثر علنية، مستفيدةً من الزخم الشعبي الشيعي المتعاطف والمنحاز لإيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة"، ويعتقد أن أسباب هذا الولاء تعود إلى التماثل المذهبي والعقائدي مع النظام الإيراني، وكون جزء كبير من الحركات الشيعية المتنفذة قد تأسس أصلاً في إيران، أو يرتبط بها عقائدياً وتنظيمياً. ويُضاف إلى ذلك اعتقاد كثير من قادة ‘الإطار التنسيقي‘ بأن استقرار النظام السياسي في العراق وضمان استمرار احتكار الفاعلين السياسيين الشيعة للقرار فيه، مرتبطان ببقاء النظام الإيراني".

ظاهرة الولاء للخارج

في محافظة كربلاء عوقب اللواء أنور النصراوي بسبب إزالته صوراً لحسن نصرالله ومحمد خامنئي وقاسم سليماني النصراوي بعد صدور أمر قضائي برفع الصور، إثر شكوى تقدم بها صاحب العمارة مطالباً برفعها. روايات أخرى ذكرت أن اللواء النصراوي رفع الصور كونها تحمل طابعاً سياسياً، لم تمض ساعات إلا وظهر النواب وهم أحمد شهيد وعلاء الحيدري وعبدالله الخيكاني يطالبون بمعاقبة اللواء رافعين تحت قبة البرلمان العراقي صور خامنئي ومنكسين صورة اللواء أنور النصراوي التي تضم العلم العراقي أيضاً. كذلك طالبت النائبة علا عودة الناشي رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية باستدعاء اللواء أنور النصراوي مدير حماية العتبتين في كربلاء للتحقيق والاستيضاح في شأن ما قام به. شنت حملة معادية على اللواء النصراوي من شخصيات موالية لإيران قوبلت بحملة مساندة للنصراوي رافعة وسم: "مع اللواء أنور النصراوي".

في هذا السياق يوضح الصحافي سيف الدين المهنا أن "المجاهرة بالولاء للخارج لم تنشأ من فراغ، بل تكوّنت بفعل ظروفٍ سياسية واجتماعية متراكمة، يأتي في مقدمتها غياب القيادة الوطنية وفقدان السيادة وانهيار هيبة الدولة، وهذا ما شهده العراق تماماً عقب الاحتلال الأميركي عام 2003، حين تراجعت مؤسسات الدولة، وصعدت الأحزاب وتيارات طائفية إلى سدة الحكم، لتتبنى منذ أيامها الأولى خطاباً طائفياً، "أُديرت الدولة وفق أعرافٍ طائفية وأصبحت المناصب، من أعلى المواقع السيادية إلى أصغر وظيفة، تُمنح على أساس الانتماء الطائفي والمناطقي، لا على أساس الكفاءة والخبرة".

المهنا يوضح أن "استمرار هذا النهج سيؤدي بطبيعة الحال إلى إضعاف الهوية الوطنية وتشويه قيمها وتهميش وإقصاء كل صاحب مشروع أو خطاب وطني جامع ودعم أصحاب الخطابات الطائفية، وتسطيح الوعي عبر بعض الفضائيات والمنابر والإعلاميين الذين أدّوا دوراً غير موضوعي وصناعة عدوٍّ افتراضي، وتخويف أبناء الطائفة من أبناء الطوائف الأخرى عبر استثمار الخطاب الطائفي والرموز الدينية".

ويختم قائلاً "أدّت هذه العوامل مجتمعةً إلى إضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وتغوّل الهويات الفرعية، حتى أصبح الانتماء للوطن عند بعضهم تهمة، وصار تقديم الوطن على المذهب يُصوَّر على أنه انسلاخٌ ودونية".

الحرب الحالية

يشير عادل الخزاعي، مدير المرصد العراقي للحقوق والحريات ونائب مدير مركز الرافدين الدولي للعدالة وحقوق الإنسان، إلى أن "إيران بدأت عبر أحزاب موالية لها بالاستيلاء على مناصب مهمة وحساسة في الأمن والإعلام والاقتصاد، ثم وصولاً إلى الاستيلاء على الدولة العراقية على نحو شبه كامل بعد عام 2014". ويرى الخزاعي أن "هذا الاستيلاء لم يكن عبثياً بل كان تجهيزاً إيرانياً دقيقاً لاستخدام الموالين لهم لحظة المواجهة الحتمية مع الأميركيين وتسخير موارد الدولة الاقتصادية والأمنية والعسكرية والإعلامية لهذه الحرب، ونجحوا بصورة ما بتسخير الدولة ومواقفها ومواردها ورهن أمنها واستقرارها مقابل دعم إيران في حربها الحالية". ما يظهر في الإعلام من إعلان الولاء لإيران هو جزء صغير جداً في الواقع مقابل وزراء بارزين وقادة جيش ومحافظين ونواب برلمان أعلنوا الولاء لإيران مبررين ذلك بالانتماء العقائدي الشيعي للمرشد.

وفي السياق ذاته وبالعودة إلى المراقب للشأن السياسي غسان مازن، فقد أوضح أن إيران وخلال الحرب الحالية أعادت شحن رصيدها لدى طيف واسع من الجماهير الشيعية وحتى غير الشيعية، بعدما تضاءلت مقبوليتها وسرديتها لدى كثير من الأوساط. وهذا ما فتح، في الفترة الماضية باباً واسعاً للنقاش بين أوساط المدونين والمراقبين السياسيين العراقيين، الذين انقسموا بين معارض لإيران وداعٍ إلى النأي بالنفس عنها وعن حربها، وبين من يدعو إلى الاصطفاف مع إيران من وجهات نظر دينية ومذهبية وسياسية.

وفي الخلاصة تبين أن "جزءاً من قدرة إيران لا ينبع من قوتها الذاتية فقط، بل من جماعات محيطة تدين بالولاء للمرجعية الإيرانية أكثر من ولائها لأوطانها".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير