ملخص
لا تكشف عودة الإنترنت في إيران عن حجم الدمار المادي فحسب، بل تكشف عن شيء أهم، وهو أن السلطات هناك باتت ترى أن تدفق المعلومات يمثل تهديداً استراتيجياً يوازي أو يفوق التهديد العسكري. فعندما تقطع الحكومة الإنترنت عن نحو 90 مليون شخص لأشهر، فهذا يدل على أن المعركة بالنسبة إليها ليست على الأرض فحسب، بل أيضاً على الرواية والمعلومات والصور التي يراها العالم.
أعلنت الحكومة الإيرانية الأسبوع الماضي أنها بدأت عملية إعادة خدمة الإنترنت إلى مستواها قبل الحرب، والتي كانت مقيدة بشدة بالفعل، إذ كانت إيران حينذاك تعاني انقطاعاً سابقاً للخدمة لمدة 20 يوماً، فرض خلال احتجاجات دامية عمت البلاد. وقد أنهت خطوة الأسبوع الماضي أكثر من 2000 ساعة من انقطاع شبه كامل للإنترنت، وهو أطول انقطاع للخدمة على مستوى العالم.
ووفقاً لتقارير مستخدمين عديدة، وتقارير إعلامية إيرانية محلية، فإن وصول الإيرانيين إلى الإنترنت العالمي بحرية لم يستعد بالكامل بعد، فلا يزال الوصول إلى ملايين صفحات الويب محظوراً من قبل الدولة، إضافة إلى أن معظم الخدمات والتطبيقات العالمية، مثل "يوتيوب" و"إنستغرام" و"تيليغرام" وغيرها، ما زالت مغلقة ولا ينظر حتى في إعادة تفعيلها.
والحال أن الحذر الذي تبديه السلطات الإيرانية من عودة خدمة الإنترنت بالكامل إلى البلاد يسلط الضوء على ما قد يحدث على الصعيد الداخلي أو يكشف عنه في حال عاد الإنترنت إلى المدن الإيرانية.
عودة جزئية
وتواصل السلطات الإيرانية، حتى بعد إعادة الإنترنت جزئياً، فرض قيود معقدة ومتعددة المستويات، وهذا ما حول فعلياً الوصول الكامل إلى الإنترنت إلى امتياز لا يتمتع به إلا قلة قليلة من الأشخاص المصرح لهم من قبل الدولة. وأفادت وسائل إعلام محلية أن عديداً من مراكز البيانات لم تعاود العمل بكامل طاقتها بعد، وأن بعض بروتوكولات الإنترنت محظورة، بينما تعطل السلطات بروتوكولات أخرى بصورة فعلية.
وهكذا على رغم استعادة خدمة الإنترنت، فإن عديداً من التطبيقات، بما فيها "واتساب"، تواجه انقطاعات حادة وتتوقف عن العمل حتى مع استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN). لذا فإن القيام بأبسط المهام، مثل فتح موقع إلكتروني أو إجراء عملية دفع عبر الإنترنت، يتطلب تشغيل وإيقاف مئات الشبكات الافتراضية الخاصة المختلفة حتى يعمل أحدها أخيراً.
من هنا فإن الرواية الرسمية للسلطات الإيرانية عن "العودة إلى الحياة الطبيعية" لا تمت بصلة إلى التقارير الميدانية عن الحياة اليومية في إيران، لا سيما أن الإنترنت شبه معطل ويصفه الإيرانيون بأنه "شبكة مفلترة". ولا يزال الملايين من سكان إيران محرومين من المستوى المحدود للوصول إلى الإنترنت، ويضطر من لديهم اتصال إلى استخدامه بسرعات بطيئة للغاية تحت وطأة الرقابة الصارمة.
استراتيجية سياسية
ولا يعد إغراق ملايين الأشخاص في ظلام رقمي إجراء أمنياً فحسب، بل استراتيجية متعمدة لعرقلة العمل الجماعي، ومنع توثيق عنف الدولة، والتحكم فيما يمكن للجمهور المحلي والدولي رؤيته. وفي الاحتجاجات التي سبقت الحرب الأخيرة في إيران، قطعت بيانات الهاتف المحمول، وخدمات الإنترنت عريض النطاق، وحتى خطوط الهاتف في جميع أنحاء البلاد، مما جعل العائلات عاجزة عن التواصل مع أحبائها، والمتظاهرين معزولين عن بعضهم بعضاً، والعالم الخارجي غافلاً إلى حد كبير عن الأحداث داخل إيران. ولم تكن هذه خطوة غير مسبوقة، ولا رد فعل أمنياً موقتاً، فقد دأبت السلطات الإيرانية على تقييد أو تعطيل الوصول إلى الإنترنت والهاتف خلال فترات الاضطرابات الاجتماعية والسياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا بد لنا من الجزم بأن الإنترنت ليس مجرد مساحة للتعبير، بل بنية تحتية حيوية تسمح بتدفق المعلومات. فمن خلال تجزئة الاتصال، لا تحتاج الدولة إلى محو كل صورة أو إسكات كل صوت، بل يكفيها منع تكوين سجل عام مشترك. وبذلك يصبح توثيق العنف أصعب، وإحصاء القتلى أشق، والإفلات من المساءلة أسهل.
ولجأ الإيرانيون في الشتات خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي إلى منصات مثل "إكس بوكس" و"إنستغرام"، مستخدمين وسم "#انقطاع_الإنترنت_في_إيران" للفت انتباه العالم إلى انقطاع الإنترنت وتصاعد القمع داخل بلادهم. لذا، فإن الصراع على الوصول إلى الإنترنت في إيران هو في أساسه صراع سياسي عميق حول من يسمح له بالرواية، وبالظهور، ومن يسمح لمعاناته بأن تسجل كحقيقة.
ولا تكتفي السلطات الإيرانية بحجب المنصات أو قطع الوصول إليها، إذ تتلاعب بنشاط بالحوارات الإلكترونية من الداخل. فإلى جانب قطع الإنترنت، وحجب منصات التواصل الاجتماعي، وتصفية المواقع الإخبارية، تنشر السلطات شبكات منسقة من الحسابات الموالية للنظام، والتي يشار إليها غالباً بـ"الجيش الإلكتروني"، لتعطيل وسوم الاحتجاج. تغمر هذه الحسابات الوسوم بعبارات مسيئة ومهينة، ومعلومات مضللة، ونظريات مؤامرة، والهدف هو جعل المشاركة مكلفة عاطفياً ونفسياً واجتماعياً.
واليوم يرى كثير من الخبراء أن عودة خدمة الإنترنت الكامل في إيران ستمهد لرفع الصوت أكثر تجاه بعض السياسات الداخلية والخارجية، والتمهيد لإضرابات بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وقد تذهب الأمور لاحقاً إلى تنسيق احتجاجات شعبية واسعة مشابهة للأحداث السابقة.
ماذا تكشف العودة؟
خلال فترة الانقطاع، كانت المعلومات الخارجة من إيران محدودة جداً، وبعد عودة الاتصال بالإنترنت بدأت تظهر شهادات عن اعتقالات واسعة، وتعذيب داخل السجون، وحالات وفاة أثناء الاحتجاز، إضافة إلى نشر مقاطع فيديو وصور لم يكن بالإمكان إرسالها سابقاً، فيما أكدت منظمات حقوقية وصحافيون إيرانيون أن عودة الإنترنت سمحت لضحايا وأهالي المعتقلين بالتحدث علناً بعد أشهر من الصمت القسري.
وعندما عاد الإنترنت جزئياً لم تمتلئ المنصات برسائل الاحتفال فحسب، وإنما بكمية كبيرة من الغضب والشكاوى. وظهرت منشورات تتحدث عن التضخم، وفقدان الوظائف، واعتقال الأقارب، وتدهور المعيشة، مما أعطى مؤشراً، بحسب خبراء، على أن الاستياء الشعبي لم يختفِ خلال فترة الانقطاع، بل تراكم.
ومن أكثر ما ظهر بعد عودة الإنترنت هو حجم الخسائر الاقتصادية. فخلال الحرب تعطلت التجارة الإلكترونية بشدة، وفقد عديد من العاملين عبر الإنترنت مصادر دخلهم. وتحدثت بعض التقديرات عن خسائر بعشرات ملايين الدولارات يومياً أثناء الانقطاع، مع تراجع حاد في المبيعات الإلكترونية والمعاملات المالية. وبالفعل عندما عاد الاتصال بالإنترنت، بدأ أصحاب الأعمال بنشر شكاوى عن إفلاس مشاريع صغيرة وتوقف أعمال استمرت لأعوام. لذلك فإن إعادة الإنترنت لم تكشف عما حدث سياسياً من قمع أمني متعمد فحسب، بل أظهرت أيضاً حجم الضرر الاقتصادي المتراكم.
في الإطار نفسه، قد تسمح عودة الإنترنت بصورة كاملة بالتقاط صور أو فيديوهات لمنشآت حساسة وإرسالها للخارج لتقييم الضرر الذي لحق بها خلال الحرب، أو تسهيل التواصل بين بعض المجموعات بغية التنسيق لتنفيذ عمليات أمنية.
انطلاقاً من ذلك، لا تكشف عودة الإنترنت في إيران عن حجم الدمار المادي فحسب، بل تكشف شيئاً أهم وهو أن السلطات هناك باتت ترى أن تدفق المعلومات يمثل تهديداً استراتيجياً يوازي أو يفوق التهديد العسكري. فعندما تقطع الحكومة الإنترنت عن نحو 90 مليون شخص لأشهر، فهذا يدل على أن المعركة بالنسبة إليها ليست على الأرض فحسب، بل أيضاً على الرواية والمعلومات والصور التي يراها العالم.