Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرقصات الشعبية في مصر... تمايلات الهوية

تتنوع باختلاف المنطقة وطبيعة الإقليم وتعد من أهم أشكال التراث الثقافي لبيئتها المحلية لكنها بحاجة إلى التوثيق

تتميز مصر بتراث شديد الثراء في عالم الرقصات الشعبية (ذكاء اصطناعي)

ملخص

ترتبط الرقصات الشعبية في مصر ارتباطاً وثيقاً بمجتمعاتها المحلية، فأنواع الرقصات وحتى مسمياتها تعبر عن عناصر معينة من البيئة، وتعتبر أشهر الرقصات الحجالة، والأراجيد، والتحطيب، والبمبوطية، وتتميز مصر بتنوع كبير في رقصاتها الشعبية.

بين أنواع عدة من التراث الشعبي الذي تزخر به مصر، فإن الرقصات الشعبية واحدة من الفنون التي تنتشر في طول البلاد وعرضها، اختلافاً في الرقصة وموسيقاها وتأديتها، فالمناطق الريفية تتباين عن الصحراوية، والمدن الساحلية تختلف عن الزراعية، ورقصات الصعيد تتباعد عن الدلتا، وحتى في كل منطقة أحياناً يوجد أكثر من رقصة تعبر عن هذا المجتمع، ليمثل تراث الرقص في مصر الأكثر ثراءً.

وللرقص الشعبي المرتبط بمناسبات مختلفة تاريخ طويل في مصر، فعلى جدران المعابد ظهر الراقصون والراقصات في الاحتفالات والمناسبات الدينية المختلفة، ومع توالي العصور ظهرت رقصات جديدة، وارتبطت ببيئتها، وكانت جزءاً منها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الأعوام الأخيرة نجحت مصر في تسجيل التحطيب الصعيدي على قوائم التراث العالمي غير المادي لـ"اليونيسكو"، وهو من أشهر الرقصات والألعاب الشعبية في جنوب البلاد، مما يفتح الباب أمام العمل على تسجيل رقصات أخرى، باعتبارها تراثاً متفرداً تتميز به مصر والأمثلة كثيرة.

رقصات عدة

في هذا الشأن، يقول المتخصص في التراث الثقافي، عادل موسى "الرقص الشعبي لغة اكتشفها الإنسان للتعبير عن انفعالاته، أو عن أشياء وأحداث معينة، هو وسيلة للإنسان للتعبير عن نفسيته وعاداته وتقاليده وفكره وخيالاته، والشعبي منه يمثل مشاهد تعبيرية عن حالات معينة وبعضها به دراما تمثل مشهداً أو حادثة معينة، وكثير من الباحثين يعتقدون أن المسرح بدأ من الرقصات، باعتباره أداة مهمة للتعبير عن الشعور، وعليه يوجد رقص خاص بالمناسبات السعيدة وأخرى الحزينة، ورقص يصاحب العمل، وآخر يرتبط بالمطر أو الحصاد. إلى جانب الرقصات الدينية وكذلك التي تصاحب الاحتفالات".

 

يضيف موسى "ترتبط الرقصات الشعبية في مصر ارتباطاً وثيقاً بمجتمعها المحلي، فأنواعها وحتى مسمياتها تعبّر عن عناصر معينة من البيئة، وحتى عن الكائنات المحيطة، في النوبة على سبيل المثال رقصة الحمامة، مستوحاة من خطوات الحمام، ورقصات تعبّر عن حال معينة مثل الرقصات المستوحاة من الصيد في المناطق الساحلية، والرقص الشعبي غالباً نجده جماعياً، وهو يزيد الارتباط بين الجماعة ويعلي من القيم الاجتماعية والجمالية والأخلاقية في المجتمع، فهو من أنجح وسائل الاتصال بين أفراد الجماعة، ورقصات الحرب هي البديل للحرب بالسيف والمبارزات، فهي تكون وسيلة لإظهار الفارس الحقيقي، لكن بحذف الجزء العنيف من المبارزة ووضعها في قالب به جماليات ومثله أصلاً التحطيب في الصعيد الذي جرى تسجيله تراثاً عالمياً في ’اليونيسكو‘".

وعن أشهر الرقصات الشعبية في مصر يوضح موسى "كل رقصة عند التعمق فيها نجد وراءها حكاية، والرقصات الشعبية في مصر لا بد من أن تصاحبها آلات موسيقية مرتبطة بها، ومن الرقصات الشهيرة البمبوطية في مدن القناة، التي تعتمد على آلة السمسمية، وهي من الآلات الشعبية الشهيرة في هذه المنطقة، والبرمية في الواحات البحرية تكون بمصاحبة الأرجول، والحجالة من أشهر الرقصات البدوية، وهي موجودة في مرسى مطروح ومنطقة الواحات، ولها شكل معين حيث يصطف الرجال بشكل معين وترقص سيدة مغطاة الوجه بعصا تشبه الخرزان ويصاحبها نوع معين من المزمار، والتحطيب في الصعيد يصاحبه المزمار والطبلة، وجنوباً في النوبة هناك رقصات عدة من بينها الأراجيد، وتكون صفاً للرجال وآخر للنساء مع الدفّ، ورقصة الكفافة في مناطق معينة، ورقصة الدرع والسيف وتصاحبها السمسمية، ويكون الدرع مصنوعة من صدفة السلحفاة، ويرقص الراقصون بالسيف".

فرق الفنون الشعبية

حينما تذكر الرقصات الشعبية، بخاصة عند أهل المدن في العصر الحديث، تتبادر إلى الأذهان فرق الفنون الشعبية المختلفة التي تقدم عروضها في المسارح أو في المناسبات المختلفة، سواء أكانت وطنية أو شعبية، وعلى مدى الأعوام وجدت كثير من الفرق، سواء كانت رسمية مثل الفرقة القومية للفنون الشعبية التابعة للدولة، أو كانت خاصة مثل فرقة رضا التي تعد الأكثر شهرة في هذا المجال، وحققت عروضها نجاحات كبيرة داخل مصر وخارجها، أو حتى فرق الفنون الشعبية الأهلية أو الخاصة التي تقدم عروضها في المناسبات المختلفة وحفلات الزفاف وغيرها وهي كثيرة ومنتشرة في غالب المحافظات. يثار هنا تساؤل عن هل تمثل هذه الفرق الفنون الشعبية بالفعل وتعبر عنها؟ وهل هي الوسيلة المناسبة لحفظ هذا التراث واستمراره؟ وهل الرقصات المصرية في مناطقها الأصلية هي ما تقدمه هذه الفرق على اختلاف أنواعها؟

وفق رؤية المتخصص في الدراسات الفلكلورية والأنثروبولوجيا مسعود شومان "فرق الفنون الشعبية تستلهم أو توظف الفلكلور، وهي بالنهاية استعراضية، وهذا هو المسمّى الأدق، أما الرقصات الشعبية فهي ما يوجد في سياقه الأصلي ومجتمعه الذي ينبع منه ويمثله ويؤديها أشخاص عاديون وليس راقصين محترفين وتتوارثها الأجيال تباعاً في هذا المجتمع، مما يقدم على المسرح لا يقدم بالصورة الأصلية نفسها، لكنه يستلهم منها حتى في الأزياء والأكسسوارات، لكنه يقدم للناس ملمحاً من التراث الثقافي والفلكلور، وإن كان هناك بعض الفرق الأهلية التي تحاول الحفاظ على الحركة الأصلية والغناء الأصلي، وتقدم الرقصات بأقرب صورة لطبيعتها التي يمارسها بها أهل المنطقة، لكن هناك كثيراً من الفرق تقلد وتستوحي من الأصل بغرض تجاري لا يحافظ على الرقصة الأصيلة، وهناك فرق تقلد الفرق الكبرى في القاهرة في الطريقة والحركات، وهي أيضاً لا تحافظ على الأصل".

 

ويمضي شومان قائلاً "الرقص الشعبي عادة يرتبط بالبيئات الثقافية المختلفة، وهو وثيق الصلة بالعادات والتقاليد ويرتبط بعناصر عدة مثل الأزياء والغناء والموسيقى، الرقص الشعبي لا يرقص في الفراغ، لكنه وثيق الصلة بأحداث المجتمع وفعالياته واحتفالاته، واحدة من الأزمات التي تواجه الرقص الشعبي عموماً في مصر في العصر الحالي هي أن بعض المجتمعات أصبح فيها موجة كبيرة من التحريم للرقص والفن عموماً، فتنحسر الرقصات الشعبية في بعض المجتمعات تحت سطوة العيب ومخالفة العادات والتقاليد، على رغم أن الرقص الشعبي موجود طوال العصور ومرتبط بالاحتفالات والمناسبات سواء أكان رقص الرجال أو النساء، ولم يكن مبتذلاً أو خارجاً، إنما وليد البيئة والمجتمع".

الحفاظ على تراث الرقص

دائماً ما كانت الرقصات الشعبية مرتبطة بالاحتفالات والمناسبات في مجتمعها، مثل الاحتفالات والأعياد وحفلات الزفاف وغيرها، وكانت تمثل جزءاً رئيساً من أي احتفال يقوم به أبناء المنطقة أنفسهم، مع الزمن فإن كثيراً من الاختلاف طرأ على هذه العادات، فعلى سبيل المثال أصبحت حفلات الزفاف حتى في القرى تستعين بالوسائل التكنولوجية، وعوضاً عن الأغاني الشعبية التي يغنيها أهل المنطقة وكانت تميزهم على مدى الأعوام أصبح هناك استعانة بالدي جي، ومن ثم أدى اختفاء الأغاني إلى اندثار ما يصاحبها من رقصات شعبية. يحدث هذا في كثير من المناطق، وأصبح يمثل ظاهرة ملحوظة، باستثناء بعض المناطق الصحراوية أو الواقعة على الأطراف التي لا تزال قابضة على التراث بصورة أكبر مثل بدو سيناء وأهل سيوة وجنوباً أهالي النوبة بكل ما يميزهم من تراث غنيّ في الرقصات الشعبية.

يدفع هذا إلى ضرورة العمل على توثيق تراث الرقص الشعبي لما له من أهمية كبيرة، بخاصة في الأماكن التي قل ظهوره فيها نسبياً أو أصبح آخذاً في الاختفاء. ويعد كتاب أطلس الرقصات الشعبية المصرية للباحث والأكاديمي سمير جابر من أبرز الجهود التي بُذلت في ما يتعلق بالرقصات الشعبية المصرية.

 

الكتاب الصادر عن المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية خصص في جزئه الأول الحديث عن الرقصات الشعبية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مجتمعاتها وطرح الإشكالات التي تواجه توثيقها، وفي الجزء الثاني قدم توثيقاً ميدانياً وعلمياً لمجموعة من الرقصات الشعبية في كل أنحاء البلاد، وذكر من أهمها رقصات الصهبة الإسكندراني، والضمة البورسعيدية، والحنة السويسي، ومن الصعيد الرقص بالعصا، والتحطيب، والبرجاس، ورقصات الكفّ عند أهل المناطق الصحراوية وغيرها من الرقصات التي تنتشر في البلاد.

ومن بين الجهود التي سعت إلى توثيق الرقصات الشعبية هو ما قام به الباحث أسامة الغزالي، إذ وثق الرقصات الشعبية المصرية ورصد نحو 85 رقصة في كل أنحاء مصر، وصنفها إلى رقصات قتالية، ورقصات للمناسبات، ورقصات موسمية، وقسّمها الباحث بشكل يفصل بين الرقصات الدينية وغير الدينية.

جهود مماثلة لرصد وتوثيق تراث الرقص الشعبي في مصر بُذلت بأشكال عدة، غير أنه لا يوجد إحصاء دقيق أو توثيق شامل لهذه الرقصات لتنوعها وانتشارها حتى داخل الإقليم الواحد أو المحافظة الواحدة، لكن المؤكد أنها تمثل عشرات الرقصات ذات الأهمية والصلة الوثيقة بطبيعة مجتمعها، سواء في الحركة أو الملابس أو طابع الأغاني والموسيقى والآلات الموسيقية.

 

يعود شومان مشدداً على أن "الحفاظ على الرقصات الشعبية لا بد من القيام بجهد بحثي كبير، في البداية لا بد من العمل على البحث عما هو الموجود، وماذا اختفى، وماذا في طريقه إلى الاختفاء، وتقسيم هذه الرقصات لفئات مثل صحراوية، وريفية، وبدوية، ويجري التوثيق بجمع مادة علمية وفيلمية من أرباب الرقصة نفسها في مكان وجودها، ويمكن عمل أبحاث استطلاعية في أماكن لها تميز في رقصات معينة، ويجري رصد ما هي الرقصات التي قلّ انتشارها، وتحتاج إلى الحفظ حتى لا تحتفي وهذا الدور، لا بد من أن تقوم به المؤسسات الثقافية المختلفة لتوثيق فنون الحركة الشعبية جميعها، ومن بينها الرقص، فهناك أيضاً الألعاب الشعبية بوصفها فناً من فنون الحركة وغيرها مما يميز كل مجتمع".ويتابع "يوجد مصطلح يطلقه ’اليونيسكو‘ على الأفراد الذين يحملون المأثور الشعبي، ويعملون على الحفاظ عليه وهو (الكنز البشري الحي)، فكل من يحمل جزءاً من تراثنا ويمارسه سواء أكان حرفة أو رقصة أو فناً قولياً هم كنوز ينبغي أن نعمل على أن نسمع حكاياتهم، ونوثق هذا الإرث ونحفظه للأجيال القادمة".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات