Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التحطيب"... عصا مصرية تشق طريقها إلى العالمية

اليونسكو أدرجتها كتراث ثقافي غير مادي عام 2016... ووزارة الثقافة تنظم لها مهرجاناً دولياً سنوياً

يُطلق على "التحطيب" في صعيد مصر "لعبة الرجال"، فهي اللعبة التراثية الأكثر شهرة وانتشاراً في كافة احتفالات الأهالي هناك، حيث تجسِّد معنى الشجاعة وتعكس قوة ممارسيها. كما يؤكد باحثون كُثر أنها من الموروثات الفرعونية التي سجّلها المصري القديم على جدران معابد الكرنك ومقابر وادي الملوك والملكات في مدينة الأقصر (جنوبي البلاد)، وقد وافقت منظمة "اليونسكو" في عام 2016 على إدراجها كتراث ثقافي عالمي غير مادي، ومنذ ذلك الحين زاد الاهتمام عربياً ودولياً للتعرف إلى لعبة التحطيب وقواعدها وطقوسها.

 

 

من القتال إلى الاستعراض

يقول عبد المنعم الوافي، أستاذ الآثار المصرية في جامعة الأقصر، إن "التحطيب لعبة مصرية خالصة، تعدد ظهورها على جدران المعابد الفرعونية والمقابر الملكية، باعتبارها لعبة قتالية تظهر قوة وشجاعة من يمارسها، فقد ظهرت للمرة الأولى في عهد الملك حورس الثاني بالأسرة الخامسة، كوسيلة لتدريب الجنود الفراعنة على القتال بالسيوف".

يواصل "استمر وجود التحطيب طبقاً لجداريات معابد الكرنك ومقابر وادي الملوك والملكات في الأقصر (جنوبي مصر) حتى الأسرة الفرعونية الـ19، ثم أصبحت لعبة شعبية للشباب والأطفال، مما يؤكد رسوخها وامتدادها كتراث أصيل لأهالي الصعيد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فيما يشير يوسف الهواري، الباحث في شؤون الثقافة والتراث، إلى أن "التحطيب كانت لعبة تدريب رئيسة لجنود الجيش أيام الفراعنة لتعليم المبارزة بالسيف، واستمرت كلعبة قتالية حتى عهد المماليك، إلا أنها خلال المئتي سنة الأخيرة تحوَّلت إلى لعبة استعراضية واحتفالية تراثية، تحرص قبائل الصعيد على إقامة فقرات لها في كافة المناسبات المبهجة، مثل الموالد وحفلات الزفاف والنذور والطهور، بالإضافة إلى تخصص فرق شعبية في تقديمها بأشكال مختلفة".

في السياق، يقول أيمن الفولي، أحد أشهر لاعبي التحطيب، إن "الصورة النمطية عن اللعبة لدى الكثيرين أنها عنيفة، تُسفر ممارستها عن إصابات وضحايا، وهذه الصورة كانت بالفعل في عهد (فتوّات) المماليك، وكثيراً ما يجري تجسيدها في الأفلام المصرية، لكنها في عهدها الحالي لعبة استعراضية لها قواعد وأصول ولجان تحكيم معتمدة".

 

 

أدب وقوة وفن وذكاء

من جانبه، يوضح أحمد فؤاد، مدير فرقة محافظة قنا للفنون الشعبية، إن "لعبة التحطيب لها أصول وآداب متوارثة، فكان أبي يحدثني أنها تنقسم إلى أربعة أثلاث، أدب وأخلاق، وعافية (قوة)، وفن، وأخيراً ذكاء ونباهة".

وعن آدابها، يقول "يبدأ اللاعبان بالتصافح والتحية، وإذا لعب شابٌ أمام رجل يكبره سناً، لا يبدأ برفع العصا إلا بعد أن يفعل ذلك الشخص الأكبر كنوع من الاحترام والتوقير".

ويؤكد سعد فاروق، مدير إقليم جنوب الصعيد الثقافي، أن "التحطيب كسائر الألعاب لها قواعد ثابتة، إذ يعتمد الفوز فيها على تسديد أكبر عدد من الضربات في جسد اللاعب الآخر من دون أن يقدر على صدها، وهو ما يطلق عليه (الباب)، كما أن الضربات لا تكون حقيقية، بل مجرد إشارة بالعصا نحو جسد الطرف الثاني، ومن ثم أصبحت اللعبة استعراضية وليست قتالية، ولها لجان تحكيم معتمدة في أغلب القصور الثقافية بمحافظات الصعيد".

ويشير لاعب يُدعى أبو الحسين المنشاوي، إلى أن "أكثر ما يميز محترف التحطيب هو تسديده ضربات نحو رأس الخصم، إذ تُحتسب الضربة الواحدة بثلاث نقاط، وتُسمى (الضربة الفرادية)، حيث يُشترط أن توجه في رأس اللاعب الآخر بيد واحدة من دون أن يتمكن من صدها أو تفاديها". وأضاف "لو استمرت هذه اللعبة قتالية خالصة لأسقطت مئات الضحايا يومياً، لكنها أصبحت استعراضية تبرز مهارة لاعبيها في الالتزام بقواعدها من دون قتال حقيقي".

فيما يؤكد مهدي الهاشمي، رئيس لجنة تحكيم حلقات تحطيب مولد سيدي عبد الرحيم القنائي، أن من شروط لعبة التحطيب ألا يتجاوز طول العصا 150 سنتيمتراً، وأن تمارس في مساحة تتراوح ما بين 20 إلى 30 متراً مربعاً، حتى يصطف الجمهور كباراً وصغاراً حول اللاعبين لمتابعة اللعب.

 

 

طقوس التحطيب في محافظات الجنوب

ومن أبرز طقوس التحطيب حسبما يقول أحد اللاعبين القدامى، يُدعى عبد المالك الجبلاوي "يرتدي اللاعبان الجلباب الصعيدي الذي يتميز بالأكمام الواسعة بما يسهل حرية الحركة والتلويح بالعصا".

ويضيف "اللعبة لا بد أن تُقام على إيقاع الموسيقى الشعبية والمزمار الصعيدي لتحميس اللاعبين والمشجعين، حيث تعزف أنغام سيرة أبي زيد الهلالي، وموسيقى مسلسلي (ذئاب الجبل) و(الضوء الشارد)، وموال (شفيقة ومتولي)".  

فيما يشير أحمد سعد جريو، عضو المجلس الأعلى للثقافة، إلى أن من طقوس حلقات التحطيب في قرى الصعيد أن يُدعى إليها جميع رموز العائلات والقبائل والشباب، فحلقات التحطيب هي الفاعليات الشعبية المشتركة لدى جميع القرى والمدن في كافة المناسبات المبهجة، كالموالد وحفلات الزفاف والسبوع والأعياد القومية.

ويوضح "لا يبدأ اللعب إلا بعد أن يتجمع الجمهور، كما يجري توزيع حلوى (الأرز باللبن) على الحاضرين عقب الإعلان عن الفائزين في حلقات التحطيب، والذين يتقدم كل رموز العائلات لمصافحتهم وتهنئتهم بالفوز، ويطلق على كل لاعب لقب أبو زيد الهلالي (أشهر فرسان السيِّر الشعبية في صعيد مصر)، كما تتباهى عائلات الفائزين أن لديها مبارزين شجعانا وأقوياء".

 

 

من الساحات إلى أروقة "اليونسكو"

ويقول محمد أبو الفضل بدران، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الأسبق، إن "وزارة الثقافة نجحت في عام 2016 في إقناع منظمة اليونسكو العالمية بإدراج لعبة التحطيب كتراث ثقافي عالمي غير مادي للأهالي في الصعيد".

ولفت إلى أن "إقبال محبي التراث من كافة دول العالم على التحطيب تنامى بعد إدراجها كلعبة تراثية عالمية، وأصبحت فرق التحطيب في محافظات سوهاج وقنا والأقصر وأسوان تسافر إلى المحافل الدولية للتعريف باللعبة في كرنفالات الرقص الشعبي".

من جانبه، يوضح محمد عبد اللطيف الصغير، المدير الإعلامي لمهرجان التحطيب الدولي، أن "وزارة الثقافة تحرص على إقامة المهرجان الدولي للتحطيب بساحة معبد الأقصر على مدار 7 أيام في النصف الثاني من شهر ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، كما تحرص الوزارة على دعوة الشركات السياحية وأفواجها لمشاهدة اللعبة خلال فعاليات المهرجان، في إطار الترويج للفلكلور الشعبي المصري".

المزيد من منوعات