Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معرض "جذور بلا أوراق" يخترق حصار غزة برؤية ملحمية

المصري هاني رزق يرسم مصائر اللاجئين الفلسطينيين بعين جديدة

أطفال غزة بريشة هاني رزق (خدمة المعرض)

ملخص

يقاوم التشكيلي المصري هاني رزق الصورة النمطية في التعامل مع موضوع الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، في معرضه الجديد "جذور بلا أوراق" الذي يقام في قاعة الباب، دار الأوبرا المصرية.

تتناول لوحات المعرض التحام مصائر اللاجئين المحاصرين في عراء الخراب الذي خلفته الحرب، وألهمت مشاهد التلاحم بين أجساد أفراد العائلات المحاصرة، الفنان، وأمدته بحلول تشكيلية ساعدت على تقديم سردية كاشفة عما خلفه العدوان هناك.

واجه رزق تحديات التعبير عن التئام الناس وجمعهم في مكان واحد وفي لحظة واحدة، ضمن معادلة الحصار الزمكانية. فكل المحاصرين يمثلون أعماراً وهويات وطبقات اجتماعية مختلفة، لكنهم يواجهون المصير المشترك.

يتجاوز الفنان العلامات المباشرة، في معظم اللوحات، إذ تغيب الأعلام الفلسطينية والأيقونات ونماذج التطريز أو الموتيفات الشائعة.

وكعادته، يركز على أمرين أساسيين؛ الأول مرتبط بمشروعه الفني الذي يراهن على قوة الرسم كتقنية رئيسة، إلى جانب حضور الخط وعمق تأثير اللون الأسود. والأمر الثاني يختص بالسرد البصري المتتابع الذي يستعيد الفنان من خلاله قضايا الهوية البصرية، من دون التورط في صياغات مباشرة، أو استدعاء مجاني لعلامات وصور تمثل عبئاً جمالياً على اللوحة.

تلعب النساء دور البطولة، في غالبية اللوحات، وتبدو كعلامة مركزية متكررة وطوطمية، وتمثل أيضاً رمزاً لفكرة المقاومة. يأتي الالتحام هنا مقترناً بفكرة التضامن الاجتماعي، فالمرأة جذر لشجرة كبيرة تُنزع أوراقها عنوة واغتصاباً.

الطفلة والشمعة

في واحدة من أكثر لوحات المعرض إثارة لاهتمام المتابعين، تطل طفلة من قلب المأساة وهي تمسك شمعة، وتبرز عجوز طاعنة في السن وهي تمسك بعصا تضرب جذورها في الأرض وتمتد إلى السماء، وحولها يتجمع الناس في بناء رأسي يميل قليلاً، ليمنح المتلقي الشعور بأن من يراهم، هم أرواح من صعدوا واستشهدوا، فهؤلاء الشهداء أحياء في قلوب ذويهم ومن حولهم.

يستدعي رزق الصور البصرية المختزنة عما يجري في غزة، ويقوم باختزالها في أقصى حالات التقشف الجمالي، مكتفياً بما تحمله الوجوه من تعبيرات دالة على الألم.

يجد الفنان المولع في أعماله السابقة بالزخرفة والترصيع، مكتفياً بما يتركه في الخلفيات والأسطح من علامات ورموز وثيقة الصلة، بتراثه الفرعوني، وبالتحديد الإلهة "نوت"، إلهة السماء في الديانة المصرية القديمة، والتي تصور في الفن المصري القديم كامرأة تقوس جسدها المرصع بالنجوم فوق الأرض. وهي تُعتبر رمزاً للحماية والبعث ورحلة العبور إلى العالم الآخر. كذلك تركز القصص التي تدور حول أدوارها الأسطورية على حماية العائلة والنسل. ومن ثم فإن رزق يطابق بين دور المرأة الفلسطينية طوال سنوات الحصار وأدوار "نوت" في حضورها الأسطوري.

وبالمثل، يستدعي في أسفل اللوحات العلامات الدالة على "جب"، إله الأرض والخصوبة في مصر القديمة، والذي يُصوَّر غالباً كرجل مستلقٍ على الأرض، وفوقه زوجته "نوت" التي تبدو منحنيةً عليه كقبة السماء، ويفصل بينهما والدهما "شو"، إله الهواء.

لا يفصل هاني رزق علاقة المصري بالقضية الفلسطينية عن تراثه وهويته، ولذلك تفيض لوحاته بالعلامات الدالة على تنوع الهويات وليس صراعها، إذ تحمل علامات دالة على ديانات وأساطير كثيرة شائعة في اليهودية والمسيحية والإسلام.

وعلى رغم التعامل مع الحرب كفرضية طارئة، فإنها لا تحد من صور الحياة. وما تشير إليه لوحات المعرض أن الحرب توقف الحياة لكنها لا تلغي تفاصيلها، فالذهاب للحصول على الغذاء يتحول إلى طقس يومي له تقاليده الملهمة للفنان، ومن ثم يمكن أن يتحول إلى لحظات للفرح والمقاومة.

تصور بعض اللوحات الأجساد وهي مسجاة مكدسة داخل المقابر الجماعية، وتطل حمامة السلام وهي ميتة لتضفي أبعاداً درامية على اللوحات التي لا تغيب عنها مشاهد التهجير والتجويع، ولا تزيّف ما يجري في الواقع.

وعلى رغم ذلك، فإن الفنان ينتصر لأفعال الحياة مثل طقس الطبخ والزواج.  فهذه النظرة التي تبدو رومانسية تأتي لتنتصر على فعل القتل، لدرجة التي يبدو فيها الأطفال وهم فوق أكتاف الأمهات، أقرب إلى فراشات محلقة أو مراوح للزينة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشير الفنان إلى أن ضيق الحيز في المكان أجبره على التفكير في حلول فنية أوجدت أكثر من حيز تحرر من محدودية المكان. كأن تظهر كافة الأشكال الهندسية في اللوحات مستدعاة من ذاكرة الطفولة، ومتحررة بالتالي من الدلالة الهندسية المباشرة.

تتسم نظرات أبطال اللوحات بالقوة والثبات الانفعالي، وتتوحد أجساد كثيرة تحت رأس واحد، لأن المقاومة هنا معززة بقوة العقل وصلابة الجسم نفسه، إذ يبدو صلباً في اللوحة على رغم ما يعانيه من الوهن في الواقع.

لا يشتغل هاني رزق على ما يحققه ثبات العناصر في معادلة النور والظل خلال بناء اللوحة. فلوحاته دائماً لا تعتمد على الظل، ورهانها الرئيس مستمد من النور والخط، ومن عمل الخيال الفطري بما يخلقه من عوالم فانتازية وشخصيات مستمدة من الأساطير. فالنور والخط يحاصران الشكل، وعند مستوى من التحريف تنتصر اللوحة للمنطق الفني، وتتجاوز عناصرها الواقعية.

وعلى استحياء، يضم المعرض مجموعة من اللوحات الملونة القليلة العدد، والتي تبدو خارج سياق المعرض وموضوعه، الذي تم تناوله بالأبيض والأسود فقط. فالفنان اكتفى بـ"لون التوال"، ولعب بدرجات من خلال الخط الأسود الذي تسيد المعرض.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة